«أيُّ كتابٍ هذا ؟»
التقط «لورين» خيط الحديث بحدة ، فمن الناحية المنطقية ، لا ينبغي لكتابٍ في «أكاديمية السحر الفياض» أن يحتوي على مثل هذا المحتوى. فبما أن صفوة الجيل الجديد من الدولة الثيوقراطية بأكملها قد جُمعت هنا كان السلطات تولي اهتماماً بالغاً لتربيتهم الروحية.
لقد خضع كل كتابٍ للتدقيق ؛ ولو تجرأ شخصٌ ما على تدوين مثل هذه الكلمات في كتاب ، لكان مصيره إبادة عائلته بأكملها.
تكهن «لورين» أن «مذكرات أميرة الفجر» هي وحدها التي قد تحوي عبارات كهذه.
عند سماع كلمات «لورين» ، ترددت «باكينا» للحظة ، لكنها أقدمت في النهاية على فتح كتاب التاريخ الضخم الموضوع أمامها. حيث كان «لورين» قد فحص هذا الكتاب سابقاً ولم يجد فيه ما يثير الريبة.
ثم أبصر «لورين» كتاباً آخر مخبأً في جوفه تماماً كما يفعل الطلاب في أيام الدراسة حين يفرغون قلباً لكتاب مدرسي لإخفاء ما لا ينبغي رؤيته.
«هذا هو...»
بدا الكتاب مألوفاً جداً. استله «لورين» من مخبئه.
«لقد ذكرتِ آنفاً أنكِ تبحثين عن مذكرات. حيث كان يجدر بكِ البحث عن هذا الكتاب تحديداً ؛ فهو يتمتع بخصائص فريدة ، إذ يكاد يكون غير قابل للتلف».
«لقد لاحظتُ أن الكتب التي فتشتِها كانت ذات حواف مهذبة بعناية ، وحتى كتابي كان يحمل آثار إبرة. أنتِ من فعلتِ ذلك أليس كذلك ؟ كان هدفكِ العثور على هذا الكتاب الذي لا يُقهر».
كانت «باكينا» قد أعدت نفسها ذهنياً قبل أن تنطق بهذه الكلمات. و في البداية ، ساورها الشك بأن «لورين» يطيل الحديث معها لاستدراجها ، وأنه قد حزر بالفعل أن الكتاب بحوزتها.
لكنها سرعان ما نبذت تلك الفكرة ؛ فلم يكن لدى «لورين» أدنى سبب للقيام بأمر كهذا. فلو اشتبه حقاً في وجود الكتاب معها ، لكان بإمكانه دفنها في مكانها ، ولسارعت الكنيسة بمدحه على "حماية البيئة ".
إن استعداد «لورين» للحديث معها بإسهاب دلّ على منحه إياها كامل الاحترام ، وشعرت «باكينا» حقاً بالامتنان.
علاوة على ذلك كانت المعرفة التي يشاركها «لورين» ثمينة ومحظورة بكل معنى الكلمة ، وكونه تجرأ على إخبارها بها أثبت ثقته الكبيرة فيها.
وبما أن «لورين» عاملها بهذه الطريقة لم تكن «باكينا» لتكتم شيئاً هي الأخرى.
«قدراتك على الملاحظة حادة حقاً...»
كانت التعديلات التي أجراها «لورين» على تلك الكتب دقيقة للغاية ؛ فلم يكتفِ ببرد الزوايا بشكل مسطح ، بل قام بنحت زاوية قائمة قياسها تسعون درجة لتصبح زاوية منفرجة قياسها تسعون درجة وجزء من عشرة. وهو أمرٌ لا يلحظه إنسانٌ عادي قط.
وبما أن «باكينا» قد كشفت أمره توقف «لورين» عن التخفي وأخرج إبرة مباشرة ليغرزها في الكتاب الذي أعطته إياه.
وبالفعل ، انكسرت الإبرة وظل الكتاب سليماً تماماً.
«الجزء المتعلق بالساحرات في الكتاب موجود هنا...»
قلبت «باكينا» صفحات الكتاب بين يدي «لورين» ، وكانت تتذكر بوضوح أي صفحة تحتوي على تلك النصوص.
«اليوم ، وجد المعلم ساحرة. لطالما تمنيتُ لقاء ساحرة ، فهي كائنٌ يجسد كل الصفات النبيلة. و لكن على عكس حماسي ، ظل المعلم صامتاً ، ولم أستطع قراءة أي شعور في عينيه السوداوين...»
قرأ «لورين» المحتوى بصوتٍ عالٍ. كانت «باكينا» متوترة للغاية ، وتلتفت فى الجوار بقلق كما لو كانت تخشى أن يراها أحدٌ آخر.
«قال المعلم إن ظهور الساحرات ليس بالضرورة أمراً جيداً. فإذا ظهرت الساحرات ، فهذا يعني أن هناك خللاً في العالم».
«لو كان هذا العالم كائناً حياً ، لكانت الساحرات بمثابة جهاز مناعته. و عندما يعتري العالم سوءٌ ، تظهر الساحرات. لذا وبمعنى ما ، يمثل ظهور الساحرات قدوم البلاء...»
كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها «لورين» هذا المنظور. فلا عجب أنه لم يلحظ الكثير من الساحرات في «مذكرات أميرة الفجر» حين قرأها سابقاً ، ولا عجب في كثرتهن الآن ؛ فقد كان «لورين» يربي عشاً كاملاً منهن فعلياً.
كان السبب أن العالم قد أصابه الجنون ، ويحاول إنقاذ نفسه عبر إظهار الساحرات بأعداد كبيرة. ولهذا السبب كانت الآلهة الحقيقية تقتل الساحرات بضراوة.
كانت الآلهة الحقيقية تشبه الفيروس ، والساحرات هن جهاز المناعة.
«إذن هذا هو الأمر... الآن استقامت الأمور في ذهني...»
في تلك اللحظة ، ترابطت في ذهن «لورين» الكثير من الأشياء.
«إذن... هل ما يقوله الكتاب حقيقي ؟»
صمت «لورين» طويلاً ، فلم تستطع «باكينا» الانتظار وسألت بلهفة.
«إنه حقيقي. و هذه هي مذكرات أميرة الفجر».
«!»
اتسعت عينا «باكينا». تذكرت تقييم «لورين» السابق لأميرة الفجر ، ومع تأكيده الآن ، أصبح كل ما كُتب في هذا الكتاب حقيقة لا جدال فيها.
«إذن... الساحرات لسن شريراً كما تقول الكنيسة ، أليس كذلك ؟»
«صحيح».
أخرج «لورين» منديلاً ومسح دموع «باكينا» ، وواصل قراءة محتوى الكتاب:
«كنت سعيدة جداً بعد لقاء الساحرة ، ووافق المعلم حتى على السماح لي بمنحها اسماً».
«هناك أمر واحد يثير فضولي. و منطقياً ، لا ينبغي أن يتبقى أي ساحرات تقريباً في العالم بأسره الآن. لماذا صادفنا واحدة ؟ قال المعلم إن السبب هو هو ؛ إن القدر سيجعل الساحرات يتجمعن حوله ، وإنه سيقودهن. حيث كان هو الجهاز العصبي المركزي».
حسناً ، الآن فهم «لورين» الأمر تماماً. و لهذا السبب تجمعت حوله الكثير من الساحرات حتى أكثر مما لدى «كنيسة الساحرات».
وكل العلامات المتعلقة بـ«باكينا» تشير إلى أنها هي أيضاً ساحرة. فإنسانٌ طبيعي لا ينفجر بالبكاء لمجرد معرفة الحقيقة حول الساحرات.
كانت «باكينا» تبكي بصدق ؛ تبلل منديل «لورين» بالكامل ، فخلع نظارتها ببساطة ومسح دموعها بكم قميصه.
تحت غسيل العقل الذي تمارسه الكنيسة ، اعتقدت العديد من الساحرات بصدق أنهن وُلدن بخطيئة أصلية. وبعضهن حتى إن لم يُكشف أمرهُن ، كنَّ ينتحرن بدافع الشعور بالذنب.
هذا الأسلوب لا يجدي نفعاً إلا مع الساحرات ذوات القلوب البريئة وبعض الحمقى. أما لو أخبر أحدهم «لورين» بأنه ولد بخطيئة ، فسيقوم بكسر عنقه أولاً.
«تقول إنني مذنب ؟ إذن سأرتكب جريمة حقاً. وبما أن الجميع يعتقد ذلك بالفعل ، ألن أكون خاسراً إن لم أفعل شيئاً ؟»
بسبب حدة مشاعرها لم تضبط «باكينا» مستوى صوتها. ولحسن الحظ كان «لورين» قد ألقى تعويذة حجبٍ مسبقاً ، وإلا لجذبت انتباه الجميع ، وماتت من شدة الخجل.
لم يتحدث «لورين». وعلى الرغم من أن «باكينا» قد كشفت عن هويتها بالفعل إلا أنها لم تعترف بعد بأنها ساحرة. ولم يقم «لورين» بفضحها أيضاً ، بل ظل صامتاً بجانبها.
بعد وقت طويل توقفت «باكينا» عن البكاء أخيراً. وعندها فقط أدركت أن تصرفها كان غير لائق نوعاً ما ، وحاولت التبرير سريعاً:
«عذراً ، لقد فقدت توازني. فكنت أشعر بالحزن فقط على محنة الساحرات...»
كان العذر واهياً بعض الشيء ، لكن «لورين» لم يواجهها بذلك. اكتفى بالتربيت على رأسها ، ونظر معها إلى الصفحة التالية من المذكرات.
«بعد تفكير دقيق ونقاش مع المعلم ، قررنا تسميتها كلوي. وهذا الاسم يعني (الحياة الجديدة). نأمل أن تتمكن يوماً ما من إنقاذ هذا العالم حقاً».
«عند سماع اسمها ، ابتسمت الرضيعة كلوي. و لقد أعجبها هذا الاسم أيضاً».
«كلوي!»
عند سماع هذا الاسم المألوف ، تذكر «لورين» ؛ فالساحرة من «كنيسة الساحرات» التي زارته خلال عيد الميلاد كان اسمها «كلوي»!
أيقن «لورين» تماماً الآن ؛ إنها «الساحرة السرية».