نظر «موفيلا» إلى تعبيرات الألم التي ترتسم على وجه المرأة ، فشعرت بضيقٍ وتناقضٍ ينهشان قلبها.
«أمي...»
فجأةً ، خرجت طفلةٌ صغيرةٌ ، لا تبدو في أكثر من رابعة أو خامسة من عمرها ، من بين الحشود وعانقت المرأة من الخلف. حيث كان وجه الصغيرة غارقاً في الدموع ، وثيابها ممزقةً رثةً ؛ مما ينبئ بأن أحداً لم يتولَّ غسلها طوال تلك الفترة.
وبينما همَّ الآخرون بإبعادهم ، رفعت «موفيلا» صوتها قائلة:
«السيد مُرشِد ، دعنا نساعدهم... فلنحاول على الأقل...»
في نهاية المطاف ، لان قلبها واختارت أن تمد يد العون لهم.
«حسناً.»
أوقف «لورين» العربة ، وكان لهذا التصرف أثرٌ عميقٌ في أرواح القرويين ؛ إذ اندفع عددٌ أكبر منهم إلى الأمام بدموعٍ تنهمر ، مؤكدين أن أطفالهم قد فُقدوا هم الآخرون.
«لا تتسرعوا ، تكلموا بروية.»
بعد أن ترجل «لورين» ومن معه من العربة ، تقدم أحدهم لإطعام حصان «لورين» ؛ فقد أدركوا أنه وحشٌ سحريّ ، فقدموا له اللحم خصيصاً.
وعندما رأى رئيس القرية أن «لورين» عازمٌ حقاً على مساعدتهم في هذا الضباب ، سارعه باصطحابه إلى الكنيسة ، فهي مكانٌ فسيحٌ يتسع للجميع ، كما أنها تتيح لـ«لورين» استجوابهم فرداً فرداً بيسر.
أثناء النزول من العربة ، لاحظ «لورين» أن «موفيلا» قد صغُر حجمها مجدداً ، وفجأةً ظهر غرابٌ في السماء ؛ فقد كانت «موفيلا» قد استخدمت الغراب لاستكشاف المكان. ولأن العربة كانت ذات ستائر لم يتمكن من في الخارج من رؤية ما بداخلها ، فحتى لو تقلص حجم «موفيلا» لم يكن ليلاحظه أحد.
«ليتحدث كلٌ منكم على حدة.»
بعد الوصول إلى الكنيسة ، استجوب «لورين» الجميع فرداً فرداً ، لكنه لم يجد في إجاباتهم ما يثير الريبة ، باستثناء وتيرة الاختفاء المتسارعة.
لم تكن القرية كبيرةً ، ومع ذلك كان يُفقد فيها عددٌ من الأطفال في يومٍ واحد ؛ فمهما بلغت شدة رقابة الآباء كان الأطفال يختفون في لمح البصر. وكان اختفاؤهم يحدث دائماً بعيداً عن أعين الآخرين ، حينما يكون الطفل بمفرده.
«أكلُّ هذا العجل ؟»
عادةً ، يضع الخاطفون سلامتهم في المقام الأول ، فيتحركون ويتنقلون لتجنب كشف ألاعيبهم ، ولا يرتكبون جرائم كثيرةً في مكانٍ واحد. وعلاوةً على ذلك ولتجنب إثارة حذر الأهالي ، لا تكون أفعالهم متواترةً بهذا الشكل.
لكن الوضع هذه المرة مختلفٌ تماماً ؛ ومع ذلك لم يمتلك «لورين» أي خيوطٍ تقوده في اللحظة الراهنة.
«هل ثمة أخطارٌ قريبة ؟ أم هل ظهر غرباءٌ فجأةً في الأرجاء ؟»
لو كان أتباع «الطاعون» قد وصلوا حقاً ، فإنه حتى وإن تنكروا في هيئاتهم ، لا يمكنهم التنكر في وجوههم ؛ إذ يسهل كشف أي وجهٍ غريبٍ في هذه القرية.
لكن الجميع هزوا رؤوسهم نفياً ، فلم يظهر أي غريبٍ هنا.
«هذا أمرٌ مريبٌ إذاً...»
أخرج «لورين» خريطةً وألقى نظرةً عليها ؛ فهذه هي الحدود ، ورغم أنها لا تزال على مسافةٍ من القرية التي ذكرتها «موفيلا» إلا أنه من المستبعد أن يتركز أتباع الإله الشرير في قريةٍ واحدةٍ فقط ، فقد تكون هناك أماكن أخرى تأويهم.
علاوةً على ذلك كانت هناك دولٌ صغيرةٌ متناثرةٌ في الجوار ؛ كانت تشبه تماماً «أرض التنين الشرير» التي زارها «لورين» ذات مرة. حيث كانت تُسمى دولاً ، لكنها في جوهرها ليست سوى قرى.
«السيد مُرشِد ، هل تسمع أي غناء ؟»
وبينما كان «لورين» حائراً لا يعرف ما يفعل ، تحدثت «آنا» فجأةً وهي تفرك صدغيها ، وتبدو عليها علامات الانزعاج.
«غناء ؟»
بصفته موسيقياً كانت أذنا «لورين» بالغة الدقة ، قادرتين على التقاط أدق الأصوات. حيث كان من المستحيل أن تسمع «آنا» غناءً دون أن يسمعه هو إلا إذا كان هذا الغناء موجهاً لآذانٍ بعينها.
مسح «لورين» الحشود ببصره ، وسرعان ما لاحظ أمراً غير طبيعي:
«أين طفلكِ ؟»
نظر «لورين» إلى المرأة التي جاءت لتستنجد به أول مرة ؛ فقد كانت ابنتها متمسكةً بها ، وكانت هي تقبض على يدها بشدة ، فابنها كان قد فُقد بالفعل ، ولم تشأ أن تفقد ابنتها أيضاً.
«أين طفلتي ؟»
لم تدرك المرأة أن ثمة خطباً ما إلا عندما أشار «لورين» إلى ذلك ؛ فمنطقياً ، وبسبب شدة قلقها على طفلتها ، من المحتمل أن تلاحظ اختفاءها على الفور.
«لا تصابي بالذعر بعد. هل سمعتِ أي غناء ؟»
هدأ «لورين» من روع المرأة ثم سأل الجميع ، فأنكروا جميعاً ، بما في ذلك الساحرات ، باستثناء «موفيلا» ؛ فقد كانت «آنا» و«موفيلا» فقط من بين الحاضرين هما من سمعتا ذلك الغناء.
كان الغرض من الغناء واضحاً جداً.
«يبدو أن لهذا الغناء وظيفةً ليست بالبسيطة ؛ إذ لا يسمعه سوى الأطفال. ورغم أن الكبار لا يسمعونه إلا أن حواسهم تصاب بالتنميل بسببه.»
«لقد تأثر الأطفال بهذا الغناء ورحلوا من تلقاء أنفسهم ، مستغلين تلك اللحظة التي خدرت فيها حواس الكبار.»
ورغم أن الطفلة قد اختفت إلا أن «لورين» رسم ابتسامةً خفيفة ؛ فقد كان يخشى ألا يجد بدايةً لخيط الحقيقة ، ولكن الآن كشف العقل المدبر وراء الأمر عن طرف خيطٍ بنفسه ، وما تبقى سيكون أسهل بكثير.
كانت المقاومة العقلية للساحرات عاليةً نسبياً ، لذا لم يتمكن الغناء من التأثير على «آنا» ومن معها.
«دعونا نخرج معاً لنبحث عن المغني. آنـا ، موفيلا ، سأضطر لتكليفكما بهذا العناء.»
«أما البقية فليبقوا هنا. سنذهب نحن الثلاثة فقط حتى لا ننبه العدو.»
نهض «لورين» على الفور واضعاً يده على مقبض نصله.
لقد كان هو أيضاً أباً ، لذا فإنه يحتقر بشدة أولئك الذين يستهدفون الأطفال.
«حسناً...»
ورغم أن القلق كان ينهش قلوبهم إلا أنهم وثقوا بقرار «لورين».
«فلننطلق. لنتفرق ، وأبلغوا الآخرين فور العثور على أي أثر...»
لم تكن القرية كبيرة ، وكان يكفي الثلاثة أن يبحثوا فيها مرةً واحدة. ومع تحليق «موفيلا» في السماء ، سيكون من السهل رصد أي شيءٍ غير معتاد....
في الشارع الرئيسي كان طابورٌ من الأطفال يسير خارج القرية بانتظام ، وكانت في المقدمة فتاةٌ ترتدي ثياباً بيضاء وتغني أغنية ، بينما لم يلقِ البالغون من حولهم أي بالٍ لما يحدث.
«كااا!»
أطلق الغراب المحلق في السماء صرخةً حادةً. و نظرت الفتاة ذات الرداء الأبيض إلى الغراب ، وكانت نظراتها تحمل عداءً دفيناً.
عندها فقط أدركت «موفيلا» أنها ليست طفلةً على الإطلاق ، بل قزمٌ ذو وجهٍ قبيح ، لكن طوله لا يختلف عن طول طفل.
«إلى أين أنتم ذاهبون ؟»
لم يكد يمضِ وقتٌ طويلٌ على صرخة الغراب حتى قطعت «آنا» طريقهم.
رمقت القزمة «آنا» بنظراتٍ شرسة ، وكشفت عن مسدسٍ عند خصرها ، وكأنها تحذر «آنا» من التدخل.
لم يتوقف الغناء المنبعث من فمها ؛ إذ يبدو أن الحفاظ على هذه القدرة الخاصة يتطلب غناءً مستمراً.
«من أين أنتِ ؟ إن لم تجيبي ، سأقتلك.»
سحبت «آنا» الشفرة من خصرها ؛ فلم يكن من السهل حمل «منجل الحصاد» في كل مكان ، فكان يُحفظ عادةً في مساحة «سارق الحياة» الخاصة بـ«سكارليت».
وعلى الرغم من أن «آنا» استلت نصلها إلا أن القزمة لم ترد ، محاولةً تجاوز «آنا» للمضي قدماً.
«أنا أسألكِ سؤالاً.»
بوميضٍ من نصلها ، قُطع أحد أذني القزمة ، وسالت الدماء على خدها.
ارتجف صوتها قليلاً ، لكن الغناء لم يتوقف. وفي الوقت نفسه ، رفعت القزمة مسدسها.
«هل أنتِ واثقةٌ إلى هذا الحد ؟»
قبل أن تتمكن من الضغط على الزناد ، وجهت «آنا» ضربةً أخرى. وفي هذه المرة ، سقط إصبع القزمة مع المسدس على الأرض معاً.
لم تكن «آنا» تنوي القتل ؛ فبقاؤها حيةً أكثر فائدة. وعندما يصل «لورين» و يمكنهم استجوابها للحصول على المزيد من المعلومات.
وحتى بتر يدها لم يوقف غناءها ، لكن تأثير الخوف الناتج عن «قداس الموت» لم يكن مما يمكن للإرادة البشرية مقاومته.
وبينما كانت «آنا» تفكر فيما إذا كان عليها قطع قدميها ، ظهر «لورين» ، وحط الغراب على كتفه.