الفصل 2348: هزيمة قائدهم
تلوح في الأفق أحداث جسام ، والوقت الآن حرجٌ للغاية. و لقد نبذ "لافاغاني " مهامه جانباً وجاء خصيصاً للبحث عن "غاو يانغ " مدفوعاً برغبته في تفريغ غضبه واستعادة ماء وجهه.
والآن ، عوضاً عن اخذ ذلك الوجه ، فقد خسر كل شيء تماماً.
يجرع "لافاغاني " غُصص الخيبة في داخله ؛ فجميع رجال "غاو يانغ " يبدون بسطاء لا يلفتون الانتباه ، لكن "لافاغاني " صار يراهم جميعاً كأنهم سادة مخفيون يضمرون قوة لا تُسبر أغوارها.
بدا العجوز في نظرهم سهل المراس ، لكن "لافاغاني " تردد طويلاً قبل أن يعدل في النهاية عن مواجهة هذا الخصم الذي بدا أهونهم هزيمة.
لقد جاء "لافاغاني " ليحفظ ماء وجهه ، لا ليريقه أكثر ، فمبارزة رجل طاعن في السن ستكون مهانة حقيقية ؛ لذا فعدم القتال خيرٌ من الهزيمة.
غير أن الآخرين لم يبدُ أنهم أقل بأساً.
بعد لحظة من التردد ، همس "لافاغاني " أخيراً لآخر رجاله الباقين "تلك المرأة... "
وبينما كان ينظر إلى "إيلين " وجد "لافاغاني " نفسه فاقداً للثقة ، فآثر أن يقدم اقتراحاً لا أن يصدر أمراً ؛ ففي نهاية المطاف ، ووفقاً لتعاليمهم وأعرافهم ، فإن قتال امرأة يعد في حد ذاته مهانةً للمرء.
"مستحيل! لا يمكنني مطلقاً أن أتحدى امرأة! "
وكما كان متوقعاً ، رفض مرؤوس "لافاغاني " اقتراحه رفضاً قاطعاً حتى قبل أن ينهي جملته.
نظر "لافاغاني " إلى من تبقى من رجاله ، فلم يجد بينهم من هو سهل المراس ، فقرر أن يترك لهم حرية الاختيار ؛ إذ تبين أن كل من وقع عليه اختياره كخصم كان أشد بأساً مما توقع.
"اختر خصمك بنفسك. "
قال "لافاغاني " بصوت واهن.
فبعد خمس هزائم متتالية دون أن تتاح لهم حتى فرصة لمس الخصم ، فإن الانسحاب الآن سيكون مذلة ما بعدها مذلة. قد تنتهي هذه المواجهة الأخيرة بهزيمة أخرى ، لكن ذلك لن يزيد الطين بلة ، ومن يدري ، ربما يحالفهم الحظ في انتزاع فوز واحد.
كان آخر الرجال قد فقد ثقته ، لكنه كجندي لا بد أن يتحلى ببعض العزة.
تحدي العجائز أو النساء أمرٌ مرفوض ، أما البقية فكلهم يبدون عصيين على الهزيمة ، وبعد لحظة من التردد ، اتخذ الإيراني الأخير قراراً عبقرياً.
إذا كان لزاماً عليك القتال مع ترجيح كفة الهزيمة ، فمن الأفضل أن تختار من يبدو قوي البأس ؛ فأن تهزم أمام خصم قوي خيرٌ من أن تهزم أمام من يبدو ضعيفاً.
وإذا كان النصر منالاً بعيداً ، فليكن السقوط بشرف.
أشار الإيراني الأخير بحزم نحو "غلولوف ".
كان "غلولوف " فارع الطول ، ضخم البنية ، وكان بلا شك الأكثر مهابة بين مجموعة "ساتان ".
لكن المشكلة أن "غلولوف " ليس بارعاً في القتال الفعلي ؛ فالأمر يعتمد على من تقارنه به ، فهو "فنان رشاشات " لا "فنان قتال ". وفي مجموعة "ساتان " هو لا يتفوق إلا على "فراي " و "كوي بو " في المهارات القتالية.
ومهما كان الخصم الذي سيتم اختياره لم يكن "غاو يانغ " يخشى شيئاً ، لكن اختيار "غلولوف " تحديداً كان أمراً مزعجاً.
لقد أحسن الإيراني اختيار خصمه ، لكن خطأه كان في فرط حماسه.
كان يكفي أن يشير إلى "غلولوف " وحسب ، لكن الإيراني اختار خصمه بعزيمة الموت ، فبدا في مشهد بطولي ؛ إذ بعد أن أشار إلى "غلولوف " لوح بذراعه بحركات درامية صارخاً "أريد قتالك! "
ذهل "غلولوف " للحظة ، لكنه كان مستعداً للتقدم ؛ فمهما كان الأمر ، النصر أو الهزيمة لم يحسما بعد. وبما أن الخصم قد اختاره ، فعليه قبول التحدي ، أليس كذلك ؟
سارع "غاو يانغ " في رد فعله.
كان "غاو يانغ " يقف بجانب "غلولوف " وعندما أشار الإيراني ثم لوح بيده نحو "غلولوف " وهو يصرخ ، تقدم "غاو يانغ " خطوة إلى الأمام فوراً.
"مع أنني لا أرغب في القتال ، لكن رؤيتكم تقاتلون جعلتني أتوق للمشاركة. وبما أنك اخترتني ، فلنلعب إذن. "
فوجئ "لافاغاني " كثيراً ؛ فلم يتوقع أن يتقدم "غاو يانغ " للمواجهة بشخصه. حيث كان الإيراني أيضاً في غاية الدهشة ؛ نظر إلى "غلولوف " ثم إلى "غاو يانغ " وقال ببديهته "أعني... "
"قاتله! "
صاح "لافاغاني " بالفارسية ، خوفاً من أن يصر مرؤوسه على قتال "غلولوف " بدلاً من "غاو يانغ ".
لم يتوقع "لافاغاني " حقاً أن يشارك "غاو يانغ " بنفسه ، وقد راقه هذا اللبس كثيراً.
ففي المقام الأول ، بدا "غاو يانغ " أسهل في التعامل ، أو على الأقل أضعف بكثير من "غلولوف ". كانت هناك فرصة للفوز ، والأهم من ذلك أنهم لو هزموا قائد العدو في النزال الأخير ، لاستطاعوا تقريباً استعادة ماء الوجه الذي فقدوه في النزالات السابقة بضربة واحدة.
هز "غلولوف " كتفيه ، وأخيراً وقف في مكانه.
وقف "غاو يانغ " أمام خصمه ، وألقى نظرة على "لافاغاني " ثم على خصمه ، وصفق بيديه بقوة قائلاً "حسناً ، لنبدأ إذن! "
أخذ الإيراني نفساً عميقاً ، وشد على قبضتيه ، وأطلق صيحة مدوية.
"هاه! "
استعد "غاو يانغ " بدوره ، متخذاً وضعية القتال.
وعندما تحرك الإيراني بخطوات صغيرة نحو "غاو يانغ " وتفاجأه بركلة خاطفة ، سدد "غاو يانغ " ركلة مماثلة في صمت.
لم يكن "غاو يانغ " يتقن شيئاً سوى "ركلة ما تحت الحزام " فكانت ركلته بديهية.
كانت ساقا "غاو يانغ " أقصر من ساقي خصمه ، لكن قدمه أصابت بطن الخصم أولاً ؛ جاءت متأخرة لكنها وصلت في توقيت غير متوقع ، سريعة وعنيفة.
ركل "غاو يانغ " بطن خصمه ، في حين تلقى هو ركلة على فخذه الأيسر ، لكن ذلك لم يهم ؛ فخصمه لم يعد يملك من القوة شيئاً سوى دفع ركلته ، ولم تكن قد تبقت فيها أي طاقة فعلية.
ومع أن ما تبقى لم يكن سوى قصور ذاتي إلا أن تلقي الركلة ما زال مؤلماً حقاً ، لكنه مجرد ألم لا يصاحبه إصابة ، ربما بعض التمايل البسيط في أسوأ الأحوال.
تمايل "غاو يانغ " قليلاً ، بينما تلقى خصمه ضربة قوية جعلت ساقه اليمنى في الأمام واليسرى في الخلف ، ليسقط على إثرها أرضاً.
لقد عفا "غاو يانغ " عن المنطقة الحساسة لخصمه ، لكن الإيراني لعدم قدرته على التحكم في توازنه أثناء السقوط ، لا يلام عليه "غاو يانغ ".
عادةً ، لا يترك قتال "غاو يانغ " أي طاقة للخصم حتى ليصرخ. ومع أن الأثر هذه المرة كان غير متوقع إلا أن النتيجة لم تختلف في شيء.
بملامح يغشاها الألم ، تقلب الخصم ببطء إلى أحد الجوانب ، محاولاً ضم ساقيه إلى بعضهما ، بينما لم يصدر عن الإيراني الساقط سوى أنين ضعيف ، يشبه طنين البعوض.
نفض "غاو يانغ " الغبار عن فخذه الأيسر ببرود ، ثم بسط يديه باتجاه "لافاغاني " قائلاً بصوت عالٍ "لقد رأيتم جميعاً ، لقد سقط من تلقاء نفسه ؛ أنا لم أركل أي منطقة حيوية ".
ضد أولئك الأكثر مهارة منه كانت حركة "غاو يانغ " المعهودة تحمل فرصاً غير متوقعة للنجاح ؛ أما في مواجهة الأقل مهارة ، فكانت ركلته مدمرة ، تؤدي إلى سقوط فوري وتتركهم بلا أدنى قدرة على مواصلة القتال. و في مثل تلك اللحظات ، بدا "غاو يانغ " أكثر براعة حتى من "لي جين فانغ " لأنه كان سريعاً وحاسماً.
ساد المكان صمت مطبق ، ولم يكن أحد سوى "جوزيف " ينظر إلى "غاو يانغ " وكأنه رأى شبحاً ، وعيناه متسعتان من الذهول ، وقد تملكه البُهتُ تماماً.