الفصل 1997: قلب الطاولة
على الرغم من أن غاو يانغ كان يعلم أن هذه المعركة -بدون "ملك القنابل الكريهة "- لم تكن لتنقذ "أنجل " ولم تكن لتهزم "أيرون مادونا " بل ولم تكن لتتمكن حتى من القضاء على "سبكتر " إلا أنه شعر بذنْبٍ تجاه نيت حينما رمقه الأخير بنظرة مفعمة بالاستياء.
ومما زاد من شعور غاو يانغ بالأسف ، رؤية نيت -المعروف بلسانه السليط- وقد أُفحمَ تماماً وعجز عن الرد.
وبينما كان غاو يانغ يهمُّ لنجدة نيت من ذلك الموقف المحرج ، أخذ نيت رشفةً كبيرة من قهوته ، وبدأ يلقي مكعبات السكر في كوبهِ واحدةً تلو الأخرى. ضحك "ميغاستار " بملء فيه وقال بصوتٍ عالٍ "هل أُصبت بالذهول من شدة الرائحة ؟ لقد بالغت في وضع السكر حتى فاق حدَّ الإشباع ، ألا تدرك ذلك ؟ ".
رشف "وايلد " من قهوته وابتسم قائلاً "لقد أفسدت قهوتك الطيبة ".
كان غاو يانغ يودُّ قول الشيء ذاته منذ أمد ؛ فوضعُ الكثير من السكر يجعلها عصيةً على الذوبان.
وبعد أن وصل السكر إلى حافة الكوب ، التقطه نيت وقال بهدوء "إنها بلا شك نتنةٌ جداً ، لكن هذه الرائحة قد تنقذ الأرواح. و لقد كدنا نختنق من شدة النتن ، لكن 'أيرون مادونا ' فُطست من الاختناق ، لذا فمهما بلغت الرائحة من سوء ، فهي أهونُ من الموت ".
وبعد أن رشف قهوته بتمهل ، وضع الكوب جانباً وقال بوجهٍ طلق "أما كيف أُحب قهوتي ، فذلك أمرٌ لا يعني أحداً سوايا ".
إن نيت من النوع الذي يلين ولا ينكسر.
والأهم من ذلك هو اعترافه الصريح بأنه عانى من تلك الرائحة ، وربما كان يفضل الموت على أن يُبتلى بمثل ذلك النتن ، ولكن حينما صرح بأنه مستعدٌ لتحمل تلك الرائحة ، فمَن ذا الذي يستطيع الادعاء بأنه كان عليه أن يموت في المعركة بدلاً من تحملها ؟ سيكون ذلك ضرباً من الحماقة.
وهكذا ، أصبحت أقوى أسلحة ألكسندر ضد نيت غير ذات جدوى.
ولعجز "وايلد " ورفاقه عن النيل من نيت و "أنجل " تملكهُم شعورٌ عارمٌ بالإحباط ؛ فمن المستبعد أن يندلع تبادل لنار الآن ، لذا كان كسبُ بعض الأفضلية في الكلام أمراً جيداً ، لكن نيت لم يمنحهم حتى تلك الفرصة.
وحين تعذر عليهم مهاجمة بعضهم البعض أكثر من ذلك بادر غاو يانغ قائلاً "من المؤسف والخطير أن 'أيرون مادونا ' لم تُبَد بالكامل. ما هي خططكم ؟ ".
كان من الأفضل اللجوء إلى الأمور الجدية لإسكات هؤلاء القوم.
قال ألكسندر بهدوء "بالطبع ، سنواصل الهجوم. لا مزيد من الكلام ، علينا العثور عليهم ومحاولة القضاء عليهم ".
فكر نيت للحظة ثم هز رأسه قائلاً "لا يمكننا استنزاف الكثير من الجهد في ملاحقة فرقة 'أيرون مادونا ' للمرتزقة ".
وما إن نطق نيت بهذه الكلمات حتى دُهش ألكسندر و "ميغاستار ".
"لقد تكبدت 'أنجل ' خسائر فادحة ، أليس كذلك ؟ هل ستترك الأمر يمر هكذا وحسب ؟ ".
ورؤيةً لدهشة "ميغاستار " العارمة ، قال نيت بهدوء "بالطبع لا يمكننا غض الطرف ، لكننا لا نستطيع تكريس جهدنا للانتقام في الوقت الراهن ".
لم يصدق غاو يانغ ما سمعه ؛ فبالنسبة لنيت الذي لا يترك ثأراً يمر دون رد ، وبعد أن فقدت 'أنجل ' عدداً كبيراً من أفرادها ، وتضاءلت قوتها إلى الثلث تقريباً على يد 'أيرون مادونا ' في هذه المعركة ، فإنه لا يخطط للانتقام ؟
"لماذا ؟ ".
كانت نظرات نيت غائرةً ، فقال بهدوء "لأن لدينا أهدافاً أسمى لنحققها. الانتقام سيعيقنا عن بلوغ غاياتنا. والفرصة الراهنة أهم من أن تُهدر. 'أيرون مادونا ' باقية ، لكن إذا أضعنا هذه الفرصة ، فلن تتكرر أبداً ".
كان غاو يانغ يعرف غايات نيت ، لكنه لم يكن يعلم أن نيت مستعد للتخلي عن الانتقام لأجل أجل الأهداف المشتركة لأفراد "أنجل ".
سخر "وايلد " وقال بصوتٍ عالٍ "يبدو أن أتباعك ماتوا سدى ".
أشار نيت إلى "وايلد " وقال ببرود "أتعرف الفرق بيننا ؟ أنت مجرد مرتزق ، أما نحن فمرتزقةٌ لنا أهداف ومبادئ. فمنذ اليوم الذي انضموا فيه إلى 'أنجل ' كان أفرادنا يعلمون ما هي غاياتنا. الجميع مستعدٌ لبذل حياته ، ولن تُثنينا أرواحهم عن تحقيق مآربنا. وإذا كان لا بد من القضاء على 'أيرون مادونا ' ، فسيكون ذلك بعد تحقيق أهدافنا ".
سخر "وايلد " مجدداً "وما هي هذه المبادئ التي تدعيها ؟ أن تصبحوا المجموعة الأولى من المرتزقة ؟ هه ، لن تتاح لكم تلك الفرصة أبداً ".
أجاب نيت بهدوء كما عهده "ولمَ عليَّ أن أخبرك ؟ فأنت لست بصديقٍ لي ".
مرة أخرى ، عجز "وايلد " عن الرد. ابتسم نيت ابتسامة خفيفة وقال برفق "وعلاوة على ذلك لماذا عليَّ أن أتعامل مع 'أيرون مادونا ' بنفسي ؟ أنت تنوي قتالهم حتى النهاية ، وأنا أثق بأنك تمتلك القوة التى تكفى للقضاء على 'أيرون مادونا ' وقد أُنهكت. و أنا أهتم بالنتائج ، لا بالعمليات. أن أشاهدك تقاتل عدوي حتى الموت ، والأهم من ذلك أنه بغض النظر عمن يموت منكم ، فهو أمرٌ يصب في مصلحتي ؛ أتعرف هذا الشعور ، أليس كذلك ؟ ".
كانت يد "وايلد " لا تكف عن الحركة ، وظن غاو يانغ أنه لا محالة مقبلٌ على فعل شيء ما. فلو كان هو مكان "وايلد " لكان قتْلُ هذا الوغد "نيت " واجباً لا يفرط فيه رجلٌ حر.
لم يتراجع نيت ، بل ظل مبتسماً وقال "أتعلم ، أنا فقط أحب رؤيتك تشتعل غضباً بينما تقف عاجزاً أمامي ، ورغم فوران غيظك ، فإنه يتحتم عليك الذهاب لقتال 'أيرون مادونا ' حتى الموت ، وأنا سأكون هناك أراقب وأستمتع. و هذا الشعور حقاً رائع ".
ضرب "ميغاستار " الطاولة بقوة ، وبدويٍ عالٍ قلبت الطاولة ، بينما سحب "وايلد " سلاحه فوراً ووجهه نحو نيت.
ظل نيت جالساً دون حراك ، بسط يديه ، وابتسم للثلاثة الواقفين أمامه قائلاً "أرأيتم ؟ أنتم في قمة الغضب ، لكنكم لا تستطيعون ضغط الزناد ، فلماذا ترهقون أنفسكم بإشهار السلاح ؟ أنتم تعلمون أن ذلك لن يزيدني إلا ضحكاً ".
رفع "ماغيشيان " يده ونقر بأصابعه.
وقف غاو يانغ بقلة حيلة وقال بصوتٍ عالٍ "ما الذي تفعلونه ؟ ما الجدوى من هذا ؟ يا 'ماغيشيان ' ، لا تقم بأي تهور ، فليهدأ الجميع ، والأهم من ذلك أيمكنكم الصمت ؟ ".
ابتسم نيت قائلاً "لا أحب من يستفزني ".
صرخ "وايلد " وهو يرتجف من الغيظ "كان يجب أن ننتظر حتى تقضي 'أيرون مادونا ' على أوغادكم قبل أن نتحرك! أيها الوغد الجاحد ".
أشار نيت إلى القهوة المنسكبة على الأرض وقال مبتسماً "لقد قدمت لكم القهوة ".
مسح ألكسندر ذقنه متأملاً وقال "أو ربما يجدر بنا التخلص من 'أنجل ' هنا ، ثم نفكر في تسوية مسألة 'أيرون مادونا ' ".
قال "ميغاستار " دون تردد "أنا أوافق! ماذا عن فعل ذلك الآن ؟ ".
وكما كان متوقعاً ، تفجر النزاع الداخلي و ربما لم يكن نزاعاً داخلياً ، بل كان مجرد رغبةٍ من الجميع في تصفية الحسابات القديمة.
قال غاو يانغ بغضب "توقفوا! توقفوا جميعاً! يا 'ماغيشيان ' ، لا تدع الأمور تتفاقم ، استدعِ أفرادك! ".
ظن غاو يانغ أن "ماغيشيان " يستدعي التعزيزات ، لكنه سرعان ما أدرك خطأه ؛ فنقرة أصابع "ماغيشيان " كانت إشارة ، ولكن ليست لطلب التعزيزات.
أحضر جنديٌ طاولةً ، ونصبها بصمت ، ثم وضع أحدهم مفرشاً ، ورتب آخر الزهور ، وأخيراً ، وضع "ماغيشيان " إبريق قهوة وعدة أكواب.
أزاح نيت كرسيه وجلس بجوار الطاولة الجديدة ، مبتسماً "هل يرغب أحدكم في الجلوس لوقتٍ أطول ؟ ".