الفصل 190: قرارات
اتسعت عينا هنري ، وسأل بذهول:
"ما الذي تعنيه بـ 'عُد أدراجك ' ؟ "
لم يرمش المقاتل حتى ، وأجاب بلهجة جامدة:
"الملجأ ممتلئ ، والنظام الآلي لن يسمح للبوابات بالإغلاق إذا دخل المزيد من الناس. "
ساد صمتٌ خاطف لثانية واحدة ، ثم انفجر المكان فجأة.
"أي هراء هذا ؟! "
"أنت تمزح ، أليس كذلك ؟! "
"هل ستتركوننا لنلقى حتفنا هنا ؟ "
ارتفعت الأصوات ، وانتشر الذعر كالنار في الهشيم ، واندفع الناس إلى الأمام مجدداً ، بينما ارتسم اليأس على وجوههم.
شعر هنري بالضغط من الخلف فوراً ، إذ اصطدمت به الأجساد. حيث كانت الفوضى عينها التي سبقت ، بل أشد سوءاً.
توهجت هالة المقاتل ، وانهمر ضغط ثقيل خانق على الحشود.
"كفى. "
كلمة واحدة ، لكنها وقعت كالمطرقة ، فتلاشى الضجيج. ليس تماماً ، لكن بما يكفي ليسود الهدوء.
تابع الرجل ببرود "لهذا السبب أمنحكم فرصة ؛ غادروا الآن ، وابحثوا عن مكان للاختباء قبل وصول الوحوش. "
تجمدت الحشود عند سماع هذا الحكم ، وذبلت الوجوه التي كانت تعتريها الغضبة ، وحلَّ محلها اليأس ؛ لأنهم أدركوا الحقيقة.. إنهم لا يستطيعون الانتصار. ليس عليه ، ولا على أي من المقاتلين في الداخل.
هؤلاء هم أنفسهم من كان يُفترض بهم أن يكونوا في الخارج يقاتلون ويحمون الناس ، لكنهم الآن.. وقفوا خلف بوابات فولاذية ، آمنين ، بينما نُبذ البقية.
أطبق هنري قبضتيه ، وشدَّ على فكيه.
*إذاً ، هكذا هي الأمور…*
من حوله ، بدأ الناس بالتحرك ؛ بعضهم كان يلعن في سره ، وبعضهم كان يبكي ، والآخرون لم ينبسوا ببنت شفة ، بل استداروا وغادروا ، يائسين من العثور على أي مكان قد يبقيهم على قيد الحياة.
بقي آخرون متسمرين ، يأملون أن يُسمح لهم بالدخول ، ولكن بصوت ميكانيكي ثقيل ، أُغلقت البوابات تماماً ، موصدةً الباب أمام الفرصة الأخيرة.
انقطعت الآمال في لحظة.. كانت تلك هي الإجابة النهائية.
واحداً تلو الآخر حتى أولئك الأكثر عناداً غادروا ، إلى أن أصبح المدخل المزدحم فارغاً إلا من هنري وعائلته.
لم يتحرك هنري ، وقف أمام البوابة الموصدة وخلفه سينثيا وريميدي. حيث كانت أصوات الوحوش تقترب ، وتزداد صخباً وثقلاً.
ثم انبعث صوت عبر مكبرات صوت الملجأ:
"عليكم إيجاد مكان آمن للاختباء قبل وصول الوحوش. "
نظر هنري للأعلى بحدة ، وانطلقت منه ضحكة مريرة:
"كلاكما يعلم جيداً أنه لا يوجد مكان آمن سوى هذا المكان! "
أتاه الرد بصمت مطبق.
تغيرت ملامح هنري لتصبح أكثر قتامة ، ثم اشتدت نظرات عينيه:
"…حسناً. "
خطا خطوة باتجاه البوابة وقال "ما رأيكم في عقد اتفاق ؟ "
مضى الوقت بسرعة ، وبوتيرة لم تكن تكفى ، ومع تزايد أصوات الوحوش كل ثانية ، وبعد تبادل قصير ومشحون ، توصل هنري والمقاتل إلى اتفاق.
فتحت البوابة.. قليلاً فقط ، بما يكفي لمرور شخص واحد.
جثا هنري على ركبتيه وربت بلطف على رأس ريميدي ، وقال بهدوء:
"لا تقلقي ، سأكون أنا وأمك خلفك مباشرة. "
ابتسم ثم أضاف "لدينا فقط أمر بسيط ننهيه.. لذا ادخلي وانتظرينا. "
لم تنبس سينثيا بكلمة ، لكن يدها بقيت على كتف ريميدي أطول مما ينبغي.
نظرت ريميدي إليهما كان وجهها هادئاً بلا تعبير ، ثم خطت إلى الأمام ودخلت.
أُغلقت البوابة خلفها ، لتفصل بينها وبينهما. هكذا مات والداها. و لقد عاشت هذه اللحظة عدداً لا يحصى من المرات ، مجدداً.. ومجدداً.. ومجدداً.
لكن السبب في أنها لم تُبدِ أي عاطفة لم يكن لأنها لا تشعر بشيء ، بل لأنها لم تكن قادرة على تغيير ذلك. حيث كانت هذه ذكرى ، وكانت مقيدة بها كالممثل المحبوس داخل نص مسرحي ؛ لا تستطيع الكلام في غير أوانه ، لا تستطيع التحذير ، ولا تستطيع الوداع.
مهما تكررت الذكرى ، ومهما تمنت خلاف ذلك كان كل شيء يسير بالطريقة ذاتها تماماً ، لكونها ذكرى ثابتة.
وبعد هذه اللحظة كان يُفترض بمن في داخل الملجأ النجاة.. هكذا كانت تسير الأمور دائماً.
ولكن ذلك.. كان هو جوهر المشكلة.
لأنه إذا وصلت الذكرى إلى تلك النقطة ، وإذا انتهى كل شيء كما هو مقرر ، فإن النافذة ستُغلق ، وستتلاشى الفرصة لإنقاذها ، وستبقى ريميدي الحقيقية محبوسة في غيبوبتها.
الطريقة الوحيدة لإنقاذها الآن هي قوة خارجية.
وقفت ريميدي صامتة خلف البوابة..
*أرجوك أسرع ، يا آدم.*
****
وقف آدم داخل روحه ، يحدق في الكيان ، ثم في النورين. طالت نظراته عند الثاني ، ذلك المتصل بـ ريميدي.
"… اشرح لي. "
أمال الكيان رأسه قليلاً وقال باستهانة:
"حسناً ، تلك النافذة موجودة بسببها. "
عقد آدم حاجبيه "ما الذي تعنيه ؟ "
"عندما كانت تلك الفتاة ذات الشعر الوردي تشحن 'الحكم ' بأقصى طاقتها كانت العواقب ستردُّ عليك وتُحطمك. "
تضيقت عينا آدم ؛ فاسترجعت ذاكرته تلك اللحظة ؛ تدفق القوة الهائل وعدم الاستقرار.
تابع الكيان "لم تكن لتنجو من ذلك لذا تدخلت هي ، واستخدمت نفسها كدرع لامتصاص الضرر. "
ساد صمت آدم ، ثم رفع يده ببطء مشيراً إلى النافذة المتوهجة:
"إذاً هذا.. دائم ؟ "
هز الكيان رأسه "لا.. ما إن تستيقظ حتى يختفي الاتصال. "
أومأ آدم برأسه ؛ فقد كان ذلك منطقياً ، لكن شيئاً ما ظل يثير ريبته.
لم تستيقظ ريميدي بعد. ولأن آدم كان يعرف قدرتها كان يعلم أن روحها لن تكون بسيطة.. ليست كروحه التي شق طريقه عبرها ، وواجه الأشباح ليمهد لنفسه مساراً.
ولكن ريميدي ؟ بطبيعة تراجعها الزمني ، وبكل ما تحمله.. أظلمت نظرات آدم.
*ستكون بخير.. إنها ريم.*
لكن الفكرة لم تكن مريحة ؛ كان هناك شيء خاطئ. حدق في النافذة المؤدية إلى روحها.
*إذا دخلتُ.. قد أجعل الأمور أسوأ.*
تردد آدم ؛ فلطالما كان يفضل عدم التهور أو المراهنة ، لأن العواقب إذا كان مخطئاً ، لن تقع على عاتقه وحده.
خلفه لم يقل الكيان شيئاً ، بل اكتفى بالمراقبة.
زفر آدم ببطء ، ثم خطا خطوة إلى الأمام باتجاه النور الأول المؤدي إلى المخرج ، لكنه توقف.. ثم استدار ، وسار نحو النور الثاني بدلاً منه ؛ ذلك المؤدي إلى ريميدي.
توقف آدم أمامه ، وانعكس طيفه بخفوت داخل التوهج ، فأطبق قبضته:
"…أرجو ألا يكون هذا خطأ. "
ثم خطى إلى الأمام ، وغاص في الضوء.