الفصل 916: المذبحة (6)
تسمّر "بيل " والمسؤولون في أماكنهم ، شاخصين بأبصارهم نحو "غراي " في ذهولٍ لا يكاد يصدقونه ، عاجزين عن النطق بكلمة ، بينما تتجول عيونهم في أرجاء القاعة التي أحالها "غراي " إلى حطام.
أما المسؤولان اللذان فقداً كفَّيهما ، فقد كانا يقبضان على معصميهما النازفين بوجوهٍ شاحبة يكسوها الألم ، محاولين جاهدين منع الدماء من التسرب بين أصابعهما.
في تلك الأثناء كان "غراي " يرشف من كأسه بهدوء ، وقد وصل الشراب إلى نصفه ، مرتسمةً على وجهه ملامحُ اللامبالاة ، متجاهلاً تماماً هول المجزرة التي أحدثها لتوّه.
كانت الدماء تسيل في أرجاء القاعة كأنها جدولٌ جارٍ ، بينما تناثرت الأجساد الممزقة والمحترقة والمطعونة في كل زاوية تماماً كأوراق الشجر المتساقطة في الخريف.
ساد المكان صمتٌ مطبق لم يقطعه سوى أنفاس المسؤولين رفيعي المستوى المتسارعة ، وصوت صرير أسنان "بيل " التي يطبقها على بعضها ، ورشفات "غراي " العرضية من كأسه.
طال الصمت أكثر مما ينبغي حتى استبد الضيق بـ "بيل " ولم يعد يطيق الانتظار.
– "كيف تجـ… "
– "لدي سؤال " قاطعه "غراي " بسرعة وهو يحدق في كأسه ، ثم رفع رأسه أخيراً ليواجه "بيل " بنظراتٍ حادة لثوانٍ معدودات.
– "لماذا قتلت اللورد سيدريك ؟ "
بالطبع كان "غراي " يعرف الحقيقة ، وما لم يدركه "بيل " هو أن الساحر العظيم قد تسلل إلى القاعة قبل المذبحة الخارجية ، وتأكد من إخفاء أثره (هالته) ليختفي في الظلال ، حيث استمع إلى كل كلمة قيلت بقلبٍ يغلي غضباً ، ثم خرج ليحدث ذلك الدمار ، وعاد ليدخل القاعة مجدداً.
كان يعلم كل شيء ، لكنه أراد أن يمنح "بيل " فرصة.. فرصةً واحدة ليكذب عليه.
– "لماذا قتلتُ سيدريك ؟ " ردّد "بيل " السؤال وهو يتفحص الفتى من رأسه حتى أخمص قدميه ، ثم انفجر ضاحكاً بقهقهةٍ مجلجلة ، واستند بظهره إلى عرشه بملامح مختلةٍ أخفاها خلف قناعه.
بدا "غراي " وكأنه غير مبالٍ.
– "وما الذي يمنعي من قتله ؟ أخبرني! بسببه حدث لي ما حدث! " صرخ "بيل " في غضب ، ونزع قناعه عن وجهه كاشفاً عن أثر حروقٍ شوهته ؛ بدا وجهه كشيءٍ متعفن محترق.. كقطعة خبزٍ نالها الحريق.
كان يصك بأسنانه بحدة ، محدقاً في عيني "غراي " بغضبٍ متقد.
– "لقد استأجرك! جئت إلى هنا وفعلت بي هذا قبل سنوات! وكأن ذلك لم يكن كافياً قد قمتم بسجن عزيزتي جانيت. ماذا بحق الجحيم ؟! نعم كان عليّ الانتقام ، ولهذا قتلتُه " أجاب "بيل " وهو يرمق "غراي " بنظراتٍ كالخناجر.
تأمل "غراي " الأمر لثوانٍ ، محدقاً في كأسه بتعبيرٍ هادئ.
– "هل كان موته سريعاً دون ألم ؟ " سأل "غراي " مما جعل "بيل " يرفع حاجبه بدهشة.
– "هاه ؟ لا أفهم ما تعنيه " قال "بيل ".
تنهد "غراي " رفع كأسه ورشف منه رشفةً أخرى قبل أن يتطلع إلى حاكم البلدة الجالس على عرشه.
– "هل جعلتم موته مريحاً أم لا ؟ "
ضاقت عينا "بيل " وارتسمت على وجهه ابتسامة شريرة.
– "بلا ألم ؟ بالطبع لا! هههههههه ، لقد أمرتُ ساحر الأرض من الدرجة الخامسة أن يغرس قدميه في الأرض حتى لا يتمكن من الهرب ، ثم شرعنا في دفنه بالكامل لعدة دقائق حتى انقطعت أنفاسه. و بعدها طعناه بمسامير أرضية لا تحصى ، قبل أن أنهي أمره بضربةٍ من هراوةٍ صخرية هشمت رأسه تماماً. باختصار لم يكن موته يسيراً ، بل كان مؤلماً للغاية كما ينبغي له أن يكون. "
ساد صمتٌ طويل…
نظرت "جانيت " نحو "بيل " بوجهٍ يملؤه الذعر ، وحبست أنفاسها إثر كلماته.
*(ما الذي يفكر فيه ؟ هذا الفتى خطر للغاية ، ومع ذلك فهو يستفزه! يمكنه القضاء علينا جميعاً في لمح البصر. ناهيك عن…)* لمعت عينا المرأة بإدراكٍ مرعب وهي تستحضر الماضي ؛ رفيق الفتى ، أحد ملوك المخلوقات المرافقة كان يمتلك قوةً تفوق أكثر تصوراتهم جموحاً.
كان "بيل " ساحر نارٍ قوياً من الدرجة الخامسة ، ولكن ماذا بوسعه أن يفعل أمام ساحرٍ متعدد العناصر اقتحم أرضه ببرود وأشاع فيها الفوضى بمفرده ؟
كان الرجل الواقف أمامهم كارثةً تمشي على قدمين ، جيشاً في رجلٍ واحد.
لقد أثبت قوته قبل لحظات ، فما الذي يأمله "بيل " من استمراره في هذا التحدي ؟
*(… أم أنه يماطل بانتظار التعزيزات ؟)*
– "أرى ذلك… " أطلق "غراي " ضحكةً خفيفة ، ممسكاً بكأسه ونظرةٌ هادئة ومريبة تعلو وجهه.
– "سؤالٌ آخر ، إن سمحت لي. ذلك الساحر الذي قتل سيدريك.. هل هو موجود في هذه البلدة ؟ "
اتسعت ابتسامة "بيل " وهو يواجه "غراي " بنظراته ، وكأنه يستمتع بكل لحظة في هذه المواجهة.
– "أوه ، ولماذا لا يكون كذلك ؟ هو موجود بالفعل. و في الواقع ، أنا أنتظر وصوله لنقضي عليك معاً. عاجلاً أم آجلاً ، سينفد منك "المانا " وستلقى حتفك عندما نطبق عليك! "
أومأ "غراي " ببطء ، وكأنه يستوعب ويفهم كل ما يقال له.
ارتشف رشفةً طويلةً من شرابه قبل أن يفرقع بأصابعه ، فتنبثق بوابة رمادية في منتصف القاعة.
دحرج شيءٌ ما من الفراغ ، وظل يتدحرج على الأرض لثوانٍ قبل أن يستقر أخيراً.
كان مستديراً ، يشبه كرةً من نوعٍ ما.
– "هل ذلك هو الساحر ؟ "
لم تكن كرةً ، بل كان رأساً.
في اللحظة التي وقعت فيها عينا "بيل " على الشيء المستقر على الأرض ، اتسعت عيناه في ذعرٍ فوري ، وفقد توازنه ، وتلاشت كل مظاهر الهيبة عن وجهه.
– "كيـ.. كيف ؟ "
أنهى "غراي " قطرات شرابه الأخيرة ، مسح شفتيه وألقى الكأس جانباً ، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ مرعبة ، وخطا خطوةً إلى الأمام.
– "وإن كنت تماطل بانتظار التعزيزات ، فأنا أريد فقط أن أخبرك أنه لن يأتي أحد. "
رفع "غراي " يده ، ووجه كفه نحو "بيل " وبدأت صواعق برقٍ حادة تتراقص بعنف حول ذراعه ، وتحولت عيناه إلى لونٍ أحمر قانٍ أكثر عمقاً ووحشية.
– "وتتساءل لماذا ؟ حسناً ، لقد أجهزتُ على كل فردٍ في هذه البلدة. الرجال ، النساء ، المدنيون ، الأطفال ، وحتى حراسك. و لقد انتهى أمرهم جميعاً ، يا بيل. "