الفصل السابع والخمسون: الفصل الرابع والخمسون: تحطم ، حلم ، غابة اليراعات المتدفقة
«أنا في حلم.»
شعر "رورشاخ " بهذا بوضوح. حيث كان في تلك اللحظة كطيفٍ هائم ، يراقب بسلبية كل ما يجري حوله:
غابةٌ تحجب السماء ، وأشجارٌ عملاقة تتساقط الواحدة تلو الأخرى ، ولا تلبث أن تنبثق بدائلُ لها من باطن الأرض. أما السماوات المتأججة فكانت تمطر ناراً ، وهي كراتٌ نارية ، ومن الغريب أن المظلة الشجرية -على هشاشتها الظاهرة- كانت تصدها.
كانت الأوراق المشتعلة تحك جذوع الأشجار الصامدة بأزيزٍ يبعث على القشعريرة ، امتزج بصرير الأشجار وهي تتهشم ، لتعلو في أرجاء الغابة أصوات طيورٍ ووحوشٍ تضج بالاستغاثة.
انتقلت زاوية رؤيته ببطء ، مرتفعاً حتى صار ينظر إلى غابة العمالقة من علٍ ، لا من أسفل. كل ما وقعت عليه عيناه كان أشبه بمشهدٍ من مشاهد يوم القيامة.
وعند الحد الفاصل بين السماء والأرض كان تدمير الغابة وبعثها يحدثان في آنٍ واحد ، كأن قوتين ضاريتين تخوضان صراعاً مميتاً.
انبثق وحشٌ عملاق أخضر داكن من قلب الغابة وزأر نحو السماء ، فجاء الرد من الأعلى بوابلٍ أكثر كثافة وضراوة من النيران.
صيحةٌ أكثر رعباً من زئير ملك الوحوش تلاشت في دوىّ اختراق حاجز الصوت الذي مزق الأجواء.
كانت جراح الوحش العملاق المحترقة والممزقة تنزف دماً أسود كأنه العلقم ، ثم تلتئم بسرعة مذهلة ، لتنبت منها زوائد لحمية مشوهة.
وهذا يعني أنه مع كل جرحٍ يصيبه كان الوحش يزداد قبحاً وهولاً. وبالمثل ، في كل مرة تتجدد فيها المظلة الشجرية كانت الأشجار الجديدة تصبح أكثر فوضوية وبهرجة. و لقد تجاوزت الأشجار المحيطة بالوحش تصنيف النباتات ، وتحولت إلى مجساتٍ ضخمة تلوح في عنان السماء.
بدا أن القوى السماوية قد أدركت التحول الخبيث للوحش والغابة ، فكفت النيران عن الهطول حتى انبعث شعاعٌ ذهبي اخترق الوحش العملاق ، وظل يحرق جسده بلا انقطاع.
تحولت الزئيرات الصماء فجأة إلى صمتٍ مطبق. لم يعد "رورشاخ " يسمع شيئاً ، ولم يعد بوسعه سوى الاستدلال من حركات الوحش على أنه ما زال يضج بالألم والغضب. تلاشت أصوات الطيور والوحوش هي الأخرى ، وساد سكونٌ شامل.
لم يقتصر الأمر على فقدان السمع ، بل أحس "رورشاخ " بالاختناق. حاول توسيع صدره ليستنشق الهواء ، لكن دون جدوى ؛ فما كان يتسرب إلى رئتيه إلا موجةٌ حرارية جلبت معها ألماً حارقاً لا يطاق.
تراجعت رؤيته بسرعة ، مبتعدة عن ساحة المعركة الغريبة تلك. وسط هذا الصمت والحرارة ، بدا أن شيئاً ما يتبلور ، شيئاً بلورياً مهشماً.
وفي اللحظة الأخيرة من ابتعاده ، رأى "رورشاخ " شظايا براقة تملأ السماء. انهار الأفق ، وتصدعت الأرض ، وارتفعت مساحاتٌ من الأراضي القرمزية.
انقلبت الأرض والسماء ، وتحطم الحلم.
«كان هذا الحلم واقعياً للغاية... ثمة خطبٌ ما بلا شك.» جلس "رورشاخ " مستنداً إلى ظهره ، وأراد التحقق من الوقت.
«اللباد سميك جداً ، ولا ينفذ منه ولو بصيص من الضوء...»
عندما رفع طرف الباب المؤقت ، أدرك "رورشاخ " أن الأمر ليس مجرد تعتيمٍ جيد ، بل إن الظلام دامسٌ تماماً.
لقد حل الليل ، هكذا فجأة.
خرج "رورشاخ " من كهفه ، وأصيب بالذهول إذ وجد الخارج غارقاً في سوادٍ كالح. وفجأة ، ظهرت أضواء فلورية باهتة ضئيلة ، متناثرة هنا وهناك.
رفع يده فرأى أصابعه الخمس ، وقد تكللت هي الأخرى بضوءٍ فلوري أبيض حليبي. حيث كان هذا الضوء الضعيف الذي لا يخرق الظلام ، يجعل العالم يبدو أكثر قتامة.
لم يتهور "رورشاخ " بإلقاء [تقنية الضوء] ، بل عاد إلى كهفه وانتظر في العتمة حتى تعتاد عيناه. وبعد فترة ، بدأت معالم الغرفة تتضح تدريجياً.
وعندما خرج ثانيةً لم يعد يتخبط في ظلامٍ دامس ؛ إذ صار بإمكانه رؤية الأرض الخشنة على الأقل. سار بحذرٍ نحو الأضواء الفلورية الأخرى ، واكتشف العديد من الكرات الضوئية ذات الهيئات البشرية تستقر مباشرة على الأرض.
«أين الخيام ؟» التفت إلى الوراء ، فوجد كهوف السكن لا تزال في أماكنها ، ونظر إلى أعلى نقطة حيث يوجد برج الساعة المؤقت.
«هذه الأضواء الفلورية... إنهم السحرة والمتدربون. حتى بعض العمال يبعثون توهجاً خافتاً.»
قرر "رورشاخ " العثور على الضوء ذي الهيئة البشرية الأكثر سطوعاً ، وبحكم موقعه ، فلا بد أنه قائد الفريق "نيمو ".
لكن بينما كان "رورشاخ " يتلمس طريقه في ذلك الاتجاه ، اعترضت طريقه مجموعة من الكرات الضوئية الوردية المتقافزة.
حاول "رورشاخ " تجاوزها ، لكن الكرات الوردية تدحرجت فوراً تحت قدميه ، مانعة إياه من التقدم نحو "نيمو ".
لم يكن "رورشاخ " واثقاً من أصل هذه الكرات وطبيعتها ، فلم يجرؤ على دهسها وتراجع بقدمه. و بدأت الكرات الوردية تقفز صعوداً وهبوطاً ، واستطاع "رورشاخ " -على نحوٍ مدهش- أن يقرأ فيها مشاعر السعادة.
«من أين جاءت كل هذه الأشياء...» لاحظ "رورشاخ " أن الكرات الصغيرة تتزايد ، مشكلةً مساراً متوهجاً ، يشبه مهبط المطار المضاء الذي يوجه الطائرات للهبوط ليلاً.
يبدو أن هذه الكرات كانت تحاول توجيه "رورشاخ " إلى مكانٍ ما.
«هل هي فخ ؟ ربما لا تضمر سوءاً...» بينما كان يفكر في هذا ، استجمع "رورشاخ " قوته السحرية استعداداً للتعويذ. وبينما كان يحرك "الإيثر " لاحظ أن التوهج حول جسده يزداد سطوعاً.
سار تحت إرشادها ، محاولاً مراقبة محيطه ، لكن المناطق الأخرى كانت غارقة في ظلامٍ دامس ، كثيفٍ لدرجة تعجز العين عن اختراقه.
لم يكد يشعر بشيءٍ سوى أنه ينحدر إلى الأسفل معظم الوقت. وبعد مرور فترة غير معلومة ، بدا أنه وصل إلى قاع وادٍ سحيق.
«هل ستعيدونني إلى مكاني ؟ لا أستطيع العثور على طريقي.» حاول "رورشاخ " التواصل مع الكرات الضوئية التي تبدو واعية ، لكنه لم يتلقَ منها سوى قفزةٍ واحدة من إحداها. لم يدرِ أأفهمته أم لا ، أو أوافقت على طلبه أم لا.
رفع "رورشاخ " يده لينظر إلى معصمه. حيث كانت العلامة النحاسية المستديرة لا تزال مربوطة هناك ، و "ختم الدارما " بداخلها يومض الآن بضوءٍ فلوري. «لا بد أن هذا هو [ختم السحر السري] الخاص بالسحر "نيمو "... هل كل ما يتعلق بالإيثر يتم تسليط الضوء عليه ؟ وماذا عن هذه الكرات الضوئية إذن... من حسن حظي أنني لم أنزع العلامة قبل النوم من أجل الراحة.»
ومع انعطافة حادة ، تجلى مشهدٌ كان محجوباً بكتلةٍ ترابية أمام ناظري "رورشاخ ":
غابةٌ من الأشجار الزرقاء ، ينساب خلالها وهجٌ متلألئ ، يشبه... إشعاع "تشيرينكوف " المنبعث من مفاعل نووي أثناء تشغيله. حيث فكر "رورشاخ " في تشبيهٍ ملائم ، وإن كان يفتقر إلى السحر.
دخل "رورشاخ " الغابة الصامتة ، وشعر بكائنات حية ظلية تتحرك بين الأشجار ، ترمقه بنظراتٍ خفية.
توغل في الغابة ، حيث كان ينبوعٌ صافٍ تتناثر تموجاته نحو الخارج. فلم يكن متصلاً بأي جداول جارية ؛ فعندما كانت التموجات تبلغ الضفة ، ترتفع لتتحول إلى يراعاتٍ زرقاء متدفقة غطت أرجاء الغابة.
كان انعكاسٌ متهشم يرتجف في التموجات. وفي اللحظة التالية ، ظهر صاحب ذلك الانعكاس أمام "رورشاخ ". كائنٌ طويل القامة ذو رأس أيل كان يجلس على الأرض ، مرتدياً ثوباً منسوجاً من أوراق الشجر. حيث كانت محاطة بالكرات الضوئية وصغار الحيوانات ، كأنها روحٌ إلهية لهذا المكان ، جليلة ومقدسة.
«طاب مساؤك ، أيها الطارد للأرواح.»
كان صوتها أنيقاً ووقوراً ، رغم عمقه الشديد بالنسبة لصوت أنثوي. تحدثت بلغة "جابير " القديمة. وفي عرفها ، بدا أن كلمة "ساحر " تعني "من يأمر الأرواح ".
«مرحباً... أيتها السيدة. هل لي أن أطلب من أنتِ ؟ وأين نحن ؟» كانت استجابته متلعثمة للغاية.
كان "رورشاخ " الأصلي طفلاً يتيماً ولم تتح له فرصة تعلم لغة "يابو " في صغره. ورغم دراسته بجد في الأكاديمية الملكية كان مستواه يقارب "الإنجليزية احمقاء " لطالب الجامعة "رورشاخ ".
«من أكون ، وما هذا المكان ، قد عُرض عليك بالفعل.»
«حلمي ؟ أنتِ ذلك الوحش العملاق...»
«مجرد بقية ، أو صدى. و هذا العالم انتُزع من المكان الذي أتيتَ منه ، من "قفر " غابة "درياتس ".»
غابة "درياتس ". هذا ما كان يسميه العلماء القدامى بـ "الغابة السوداء " الواقعة على الحدود بين الإمبراطورية والمملكة. و هذه الغابة التي لا تنتهي سبل استكشافها ، بدا أنها حظيت يوماً ما بمالكٍ لها.
كانت عينا الأيل محجوبتين بأهدابٍ طويلة. خفضت بصرها ولم تعد تنظر إلى "رورشاخ ".
تتبع "رورشاخ " نظرتها ؛ فكان الينبوع العميق يعكس مشهداً جديداً: على أرضٍ قرمزية كانت سماءٌ وردية تتمزق ، ومحتوياتها تنصبُّ على كل سهلٍ ووادٍ.
«يا غرباء ذلك المكان ، إن أتيتم دون استعداد ، فستصبحون جميعاً أرواحاً هائمة هنا.»