أطرق لينش ببصره، ومع ذلك وضع عملتين فضيتين على المنضدة، ثم ساعد زيلفرا في ارتداء تلك القلادة الخشبية؛ فكل أولئك الذين خرجوا من العالم السفلي لم يعودوا يلقون بالاً لتلك الكنوز المعدنية النفيسة، بل آثروا عليها المنتجات الخشبية.
"شكراً لك، لكن الأمر لا يستدعي كل هذا حقاً." ابتسمت زيلفرا وقالت: "إذا لم يستطع صاحب المتجر حراسة بضاعته، فلا لوم عليّ فيما حدث..."
"لنطوِ هذه الصفحة الآن." وضع لينش إصبعه على شفتي زيلفرا ثم سأل: "ماذا حلّ بأولئك الأسرى؟"
"لا أحد يعلم يقيناً ما جرى، لكننا لاحظنا أن جيش 'الرجل الثعبان' يتزايد بلا هوادة. ومع أن القوة الإلهية قادرة على مضاعفة غلة المحاصيل، إلا أنه من المحال إطعام هذا الحشد الغفير من الأسرى وتدبير مؤن الجنود الجدد بهذا الإنتاج الإضافي وحده؛ لذا يساورني الشك في أنهم يتخذون من الأسرى قوتاً لجنودهم الجدد!"
عقد لينش حاجبيه وأطبق قبضتيه بقوة، ثم قال بحدة: "لو استعدتُ ذاكرتي، لأبدتُ خضراءهم في أسرع وقت ممكن!"
ابتسمت زيلفرا دون أن تنبس ببنت شفة، فقد كانت تدرك أنه حتى لو استرد لينش ذاكرته، فلن يقدم على ذلك؛ فشيمة السحرة النفور من القتل، وحتى إن لجؤوا لسحرٍ عتيد، فإنما يفعلون ذلك حقناً للدماء وتجنباً لخسائر فادحة. أما لينش الحالي، الذي يمثل صفحة بيضاء، فسيغدو تحت تأثير زيلفرا تدريجياً، ليصبح أكثر انفعالاً وأشد ميلاً للفتك.
وفي القاصية الأخرى من المدينة، استوقف حارسُ البوابة شاباً يتلفع برداء أسود، وقد جعل جسده الناحل وسعاله المستمر الحراس يتوهمون أنه موبوء بالطاعون. وبينما هم يشرعون فؤوسهم لطرده، تلاشى الرجل ذو الرداء الأسود فجأة عن الأنظار كلمح البصر.
"يا للهول! ما الذي جرى؟" تبادل الحراس نظرات الوجل وهم يخفضون أسلحتهم، وعندها فقط تملكهم الرعب حين أدركوا أن الأسلحة التي بأيديهم قد استحالت ثعابين سامة ضخمة تلتف حول أذرعهم، كاشفة عن أنياب حادة وتنفث فحيحاً وهي تحدجهم بنظراتها.
"أغيثونا!" نفض الجنود أيديهم مذعورين محاولين التخلص من الثعابين وهم يصرخون، لكنها ما لبثت أن اختفت كأن لم تكن.
بالطبع لم يكن لينش وزيلفرا على دراية بما وقع، فقد كانا يجلسان في حانة يرتشفان المشروبات ويتذوقان أشهى المأكولات المحلية، مستمتعين بوقتهما وغير آبهين بنظرات الاستغراب التي تلاحقهما. حتى إنهما لم يلحظا ولوج الساحر ذي الرداء الأسود وجلوسه في زاوية قصية قرب الموقد.
"أتحاول مقايضتي بقطعة خردة بالية؟ يا للسخرية!" ارتفع صوت صاحب الحانة، ذي العرق الوحشي، وهو يقذف قطعة نقدية فولاذية على الطاولة: "لعل هذه القطعة التافهة تشتري لك جرعة ماء!"
"أريد قدحاً من الماء الساخن." مدّ الساحر ذو الرداء الأسود إصبعه النحيل ودفع العملة الفولاذية إلى الأمام فوق الطاولة.
التفت لينش برأسه وقد استبد به الفضول تجاه ما يحدث، ورغم أن الرجل ذو الرداء الأسود قد وارى وجهه تحت ظل قبعته، إلا أن لينش استشعر عينين متقدتين ترمقانه مباشرة من غياهب ذلك الظل.
خفت لينش بصوته وهمس في أذن زيلفرا قائلاً: "لسبب لا أفهمه، أشعر أن هذا الشخص مألوف، وربما كان بيننا سابق معرفة."
"إذن فلتدعُ الرجل إلينا،" ابتسمت زيلفرا وهي تدرك ما يرمي إليه.
وبينما كان صاحب الحانة يهمّ بطرد الغريب النحيل، تردد حين سمع هذا الكلام، وهو الأمر الذي أنقذ حياته من حتف محقق دون أن يدري. نهض الساحر ذو الرداء الأسود، وأومأ برأسه مرتين، ثم تقدم ليجلس بجوار لينش.
"هل التقينا من قبل؟" رحب به لينش بحفاوة.
لم ينطق الساحر ذو الرداء الأسود بكلمة، لكنه فجأة مد يده وأطبق على معصم لينش. ورغم نحالة جسده الظاهرة، إلا أن قبضته كانت كالقيد الفولاذي الذي يصعب الفكاك منه. وسرى في معصم لينش شعور كأنه كَيّ بحديد محمى، فاخترق الألم نقي عظامه، فلم يملك إلا أن يطلق صرخة مدوية.
استلت زيلفرا نصلاً قصيراً وسددت طعنة نحو الرداء الأسود بسرعة البرق.
وفي اللحظة التالية، وجدت نفسها جالسة في الساحة المفتوحة خارج الحانة، وما زال النصل ممسكاً بيده بإحكام. أومأت برأسها مذهولة عما حدث، ثم نهضت على عجل وعادت مسرعة إلى داخل الحانة.
كان لينش والشخص ذو الرداء الأسود قد تبخرا، لكن المشروبات والطعام على الطاولة ما زالت على حالها. قبضت زيلفرا على ياقة أحد الرواد محاولةً استنطاقه، لكنها وجدت أن ذاكرة الحاضرين قد غدت قاعاً صفصفاً، كأنما مُحيت تماماً فلا يذكرون مما جرى شيئاً.