Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

الصحوة القمرية 18

ثلاث ضربات


الفصل 18: ثلاث ضربات

لغروره، أو لإيمانه الأعمى بقدراته، تجرأ الفتى على إعادة النظر.

اشتعلت عيناه بالأسى والغضب حين اخترقت هالة بصره الكائن الواقف أمامه، فلم يرَ سوى الموت. وتدفق كالسائل الأسود، كثيفًا لا نهائيًا، يتوالى في أمواج أغرقت كل ما سواه. لم يبقَ في ذلك الكيان أي أثر للإنسانية، لا دفء، ولا روح يمكن للمرء أن يتحاور معها.

فناءٌ محض.

قال وهو يرفع خنجره العظمي المعقوف، محاولاً تثبيت يده المرتعشة: "يجب أن أُبادرك هنا والآن. إن لم أفعل... فسيحدث ما هو أسوأ بكثير."

ابتسم زافاكس، وانعكست أسنانه الحادة في الضوء الخافت، وبدا على محياه تعبيرٌ عن مرحٍ هادئ. وقال بصوتٍ لا يعتريه اضطراب: "هذه هي الروح. هاجمني بكل ما لديك."

انطلق الفتى للأمام دون تردد. فقد صرخت أجزاء منه بأنها مكيدة، وأن كل غريزة فيه تحثه على الفرار، لكنه لم يستطع. ليس بعد ما أبصر. ليس بعد أن تحقق مما كان أمامه.

تجاهل الألم الحارق المنبعث من موضع ذراعه، وفقدان الدم الذي جعل إبصاره ضبابياً عند الأطراف. ومع ذلك، مضى.

في اللحظة الأخيرة، قام بمناورة ماكرة وانطلق جانبًا، يتوقع رد فعل، يتوقع شيئًا ما.

لم يكن هناك أحد.

حتى وهو يغرز خنجره في جانب خصمه، لم تكن هناك أي استجابة. لا ارتجافة. لا مقاومة تتجاوز صلابة اللحم غير الطبيعية. اجتاحه الخوف، فقفز إلى الوراء، مبتعدًا عنهما بينما كان قلبه يدق بعنف في جنبات صدره.

قال وهو يلهث: "هذا مستحيل. لماذا ما زلت قائمًا؟ خنجري مسموم."

تحدث زافاكس بهدوء، وكان صوته خالياً من أي امتعاض.

"الضربة الأولى."

لم يكن في تلك الكلمات أي انفعال. وقد أرعبه ذلك أشد مما كان ليفعله أي زئير.

شدّ الفتى على أسنانه، وانطلق مجددًا، مستخدمًا كل طاقته في الهجوم الثاني. طعن خنجر العظم في قفص صدر خصمه بكل ما أوتي من قوة.

"وشعرت وكأنني أطعن فولاذًا صلبًا."

انتابه ألم حاد في ذراعه. واتسعت عيناه بينما استقر الخوف عميقًا في أحشائه.

"الضربة الثانية."

"تبًا!" تراجع الفتى متعثرًا، وهو يلعن في قرارة نفسه. فقد ضاعت فرصته الثانية. وبينما بقيت فرصة واحدة.

هذه المرة لم يندفع إلى الداخل.

راقب.

تأمل.

تساءل عما إذا كان الشيء الذي أمامه بشريًا في الأصل، وهل يمكن قتله من الأساس. ولو كان ذلك ممكنًا، لما أمهله ثلاث ضربات بهذه السهولة.

لا بد أن لهذا معنى. سبب.

"لماذا قادتني قدرتي إلى هنا؟" فكر بيأس. "إذا لم أُبادِر هذا الكيان... فسيكون العالم في خطر."

اشتعلت بداخله رغبة متجددة في تحقيق هدفه، ثقيلة ومرهقة. وشعر بأنه مختار. مُحمّل. مُرقّى ومدان في آن واحد.

لقد مُنح العيون غير الطاهرة، وهي صفةٌ تهدف إلى البحث عن الشر ومحوه من الوجود. حيث كانت هذه محاكمته. حكمه.

كل ما كان عليه فعله هو الالتزام.

بشكل تام.

ركز على زافاكس.

لم يتحرك الكيان. ذراعاه ما زالتا مفتوحتين. ونظرته جامدة.

عندها رآه.

همس قائلًا: "العنق. وإذا قطعت رقبته بعمق كافٍ، فسوف ينزف حتى الموت. وهذه هي فرصتي الوحيدة."

أحكم قبضته على الخنجر، مدركًا أنها فرصته الأخيرة ليس فقط لأنها كانت ضربته الثالثة، بل لأن جسده كان ينهار. وقد بدأ النزيف ينهكه بالفعل.

قال لنفسه: "لا تخطئ. أصِب الهدف بدقة. وقد تم اختيارك لهذا."

انطلق للأمام وكأن قوة إلهية تقوده. كل خطوة كانت تحمل هدفًا. ازدادت حدة بصره. خفق قلبه بشدة حتى كاد يؤلمه. همست التعاويذ على الخنجر، وكأنها تطمئنه.

تأرجح.

شقّت الشفرة لحم رقبة زافاكس اللين ببراعة، قاطعةً بعمق الأوعية الدموية، وممزقةً العضلات حتى بلغت العظم. حاول دفعه أكثر، لكن الخنجر لم يتحرك.

لم يكن ذلك مهمًا.

كان ذلك كافيًا.

كان ينبغي أن تسيل الدماء. وكان ينبغي أن ينتشر السم.

تراجع إلى الوراء، وهو يلهث بشدة، معجبًا بما اعتقد أنه النهاية.

ثم...

"الضربة الثالثة."

حطمت الكلمات قلبه كما لو أن زجاجًا انفجر إلى ملايين الشظايا.

ابتسم زافاكس ابتسامة عريضة، وظهرت في عينيه لمحة قديمة وقاسية. رفع يده ببطء، ولف أصابعه حول الخنجر المغروس في رقبته، وسحبه بسهولة، ثم ألقاه جانبًا.

قبل أن تصطدم بالأرض، شاهد الفتى في رعب الجرح وهو ينغلق، أملسًا وخاليًا من العيوب، كما لو أنه لم يكن موجودًا قط.

"لا..." همس.

استدار وركض.

بكاء. عويل.

"لا، لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا! لقد كان هذا هو غرضي الإلهي! لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا، لا أريد أن أموت!"

لم يبتعد كثيرًا.

اخترقت يد صدره، فأوقف على الفور. ارتجف جسده بعنف بينما تحطمت أضلاعه كالأغصان الهشة. وخرجت اليد من صدره، غارقة في الدماء.

متشبثًا بها...

...كان قلبه ما زال ينبض.

حدق فيه في حالة من عدم التصديق، متسائلًا عما إذا كان الخوف وحده هو ما أبقاه ينبض بهذه الشدة.

ثم انزلق من قبضة زافاكس وسقط على الأرض.

خفتت رؤيته.

وأتبعه جثمانه.

وقف زافاكس فوق الجثة لعدة ثوانٍ، يتنفس بعمق، وارتسمت على وجهه نظرة حنين.

"آه..." همس مبتسمًا، "كم نسيت رائحة الدم بعد كل هذه السنوات."



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط