تأوه زعيم عائلة "شيو"، وهو يكبح جماح نفسه عن الصراخ. حيث كان كل نَفَسٍ صغير يتنفسه وكأنه يمزق رئتيه إرباً. حيث كانت الإبر تخترق جسده، تقطع رئتيه ببطء مع كل نَفَس، وأي محاولة للكلام ستزيد الأمر سوءاً. ومع ذلك، لم يستطع كبح جماحه تماماً، إذ اخترقت شفرتاه الاحتياطيتان فخذيه، كما فعل مع أحد أفراد عائلة "شششش" قبل بضع معارك. حيث كان ألم التأوه مبرحٌ، أشد بكثير من ألم اختراق الشفرات لفخذيه. ولكنه كان يعلم أن ألمه لم ينتهِ بعد، إذ شعر ببركته تُصلح ببطء الضرر الذي لحق برئتيه، وتحاول ترميم المنطقة المحيطة بالأشواك، مما جعله يشعر بألم حارق يتكرر مراراً وتكراراً. استجمع قواه ونظر إلى نوح الذي عاد إلى هيئته الطبيعية بعد أن كان شيطاناً دون وعي منه، وتوسل إليه قائلاً: "اقتلني، أرجوك". لقد استهان بعدوه. فلم يكن لديه أدنى فكرة أن نوح قادر على صنع مثل هذه الشفرات بهذه السرعة، فضلاً عن استخدام العديد منها لشل حركته. لو كانت قدماه تلامسان الأرض، لكان بإمكانه الفرار، لكن مع شلل ذراعيه، وتدلي جسده من قميصه الذي اخترقته شوكتان في كليتيه، بالكاد كان قادراً على الحفاظ على وعيه، فضلاً عن الهرب. حيث كان صوته الأجش، المصحوب بصوت قرقرة صادر من صدره، بمثابة موسيقى لأذني نوح.
"بكل سرور"، وافق نوح، ولكن قبل أن يتمكن من اختراق قلب الرجل بشفرة من نار، قاطعه صوت عالٍ.
"سيدي الشاب!" دوى الصوت العالي من خارج قبة النار، لكن نوح أدرك أن الوقت قد حان للاستعداد. حيث كان هذا الصوت صوت المبارك ذي الدرع، وقد أوشكت طاقته السحرية على النفاد. "تباً، كيف أتعامل مع هذا الرجل؟!" فكّر نوح، وهو يتخيل أن المبارك من الرتبة "ب" في الخارج سيفعل شيئاً متهوراً ويتمكن من عبور النار حتى لو أحرق نفسه بشدة في هذه العملية. نقر بلسانه، منزعجاً من أنه سيضطر إلى القضاء على هذا الرجل بالفعل، لكن لم يكن هناك الكثير مما يمكنه فعله. "لننهي هذا الأمر"، قال، بينما امتدت شوكة كبيرة أخرى من القبة النارية خلفه، موجهة نحو قلب زعيم عائلة "شيو".
"توقف، هنا، بالضبط!"
اتسعت عينا نوح دهشةً عندما انشق جدار اللهب الهائل من الجانب بفعل عاصفة من الرياح البيضاء. ولجزء من الثانية، اتسع الجدار بما يكفي لمرور إنسان واحد، قبل أن ينغلق مجدداً. وفي تلك اللحظة، ساد صمت مطبق في المكان بأكمله. لم يقتصر الأمر على المتفرجين، بل حتى المضيف صمت لثانية واحدة مذهولاً، بينما التقطت إحدى الكاميرات مشهداً من داخل القبة النارية، من فوق كتف حامل الدرع. مشهد لنوح واقفاً بلا حراك، يحدق في الكاميرا بتعبير خالٍ من التعابير، بينما أمامه كان شخص يكافح من أجل التنفس، وقد اخترقت جسده أكثر من ستة أسلاك.
كان ذلك بمثابة جحيم حقيقي للمشاهدين.
رجلٌ يتدلى في الهواء من نفس القضبان التي اخترقت جسده، داخل قبة من نارٍ حقيقية، والمسؤول عن ذلك يقف أمامه دون أن يقتله بعد. صحيحٌ أن هناك شوكةً هائلةً كانت تنمو نحوه في تلك اللحظة بالذات، لكن لم يكن بوسع الجمهور المذهول أن يعرف ما حدث بعد ذلك إذ انهارت القبة وتلاشت في أقل من ثانية.
"يا سيدي الشاب!" صاح نوح مبتعداً، بينما اندفع الدرع المبارك نحوه. ما حدث بعد ذلك جعل نوح يبتلع ريقه بصعوبة. حطم الدرع جذوة النار الهائلة والإبر، فكسرها كزجاج هش، قبل أن تختفي في اللهب.
انطلقت صرخة مدوية، بينما شعر ضحية نوح بأحشائه تتلوى بالنيران. حيث شاهد نوح في ذهولٍ حامل الدرع وهو ينزل ليتفقد رئيسه. "أنت! ماذا فعلت بالسيد الشاب؟!" صرخ حامل الدرع من بعيد، ناظراً إلى قائد الفريق وهو يتلوى من الألم على الأرض.
كان لدى نوح فهم مبهم لما حدث للتو، إذ اشتعلت أسلاكه فجأةً عند تحطمها، لكنه لم يكن يتوقع ذلك. ومع ذلك، كانت فرصةً سانحةً لاستفزاز العدو قليلاً. "أنا؟ لم أفعل شيئاً. ألا ترى أنني كنت أتحدث معه حديثاً ودياً قبل أن تقتحم المكان وتجعله يتلوى كالدودة؟" هز كتفيه، يكبح ابتسامته وهو يرى الدرع المبارك ينهض ويخطو نحوه بضع خطوات، تاركاً الزعيم يصرخ ويتلوى خلفه. ولكن نوح لم يكن يكبح ابتسامته بسبب صرخات زعيم عائلة "شيو" المدوية، وكلا. حيث كانت تلك الصرخات بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. ابتسامته كانت نابعةً من مخزون "المانا" المتجدد لديه. وهذا يعني شيئاً واحداً فقط، أن ذلك الوغد يحترق من الداخل. وشيء واحد كان نوح يعلمه، وهو أن موته، بفضل سرعة تعافيه، سيكون بطيئاً، مما يسمح له بتغذية "المانا" لبضع ثوانٍ أخرى على الأقل.
قال نوح وهو يُظهر خنجراً نارياً في يده: "حان وقت العرض".
خارج قبة النار، غافلين عن الصور التي التقطتها الكاميرا، واصل الناجون من المُباركين القتال حتى انطلقت صرخة مُفزعة. للحظة، توقف المُباركون عن القتال ليستمعوا إلى صرخات الألم التي انطلقت من قبة النار، وتعرّف كلا الجانبين على الصوت. ولكن لم يكن للشياطين أي علاقة بذلك. في هذه الأثناء، وضع أحد المُباركين يده على صدره في صمت، بينما مزّقت مخالب النار قلبه من الخلف، ليسقط على الأرض ميتاً. كسر صوت سقوطه حالة الغيبوبة التي انتابت العديد من مُباركي عائلة "شيو"، ولكن ليس قبل أن يُقتل مُبارك آخر في الخطوط الخلفية على يد أحد الشياطين الذي ظهر فجأة خلف خطوط العدو الخلفية.
انتابه الذعر، وأدرك أن الكائنات الصغيرة لم تكن حريصة على إلحاق جروح أقل من المميتة، فبدأ المبارك من عائلة "شيو" بالقتال بشراسة.
"ما الذي يحدث بحق الجحيم؟!" صرخ أحد أفراد عائلة "خان" المباركة بينما اشتد القتال فجأة.
"لا أعرف! كل ما أعرفه هو أن هذا الوغد يحتجز أقوى اثنين هناك، لذا من الأفضل أن نبذل قصارى جهدنا!" أجاب المحارب الملتحي بصوت عالٍ، موضحاً أنه كان يتحدث إلى كل من حوله.
لكن المعركة اتخذت منحىً غريباً. انتزع سحرة العدو سيوفهم وانضموا إلى الرماة، ليحموهم من العفاريت. وتجمّع محاربو عائلة "شيو" المتبقون، محولين القتال المتفرق إلى معركة مركزة. حيث كانوا محاصرين، لكنهم أصبحوا هدفاً أصعب. سحرة "الخان"، مثل غيرهم، كانوا قد استنفدوا طاقتهم السحرية، ولم يتراجعوا إلا إلى الخطوط الخلفية لينضموا إلى المعالجين والعفاريت التي تحميهم. لم يتبقَّ على انتهاء المعركة سوى دقائق معدودة، وكان التوتر يتصاعد مع ازدياد الإصابات لدى كلا الجانبين. والفرق هو أن أحدهما كان لديه معالج، بينما لم يكن لدى الآخر.
"تباً!" لعن نوح حين توقفت ضربته بفضل بركة حامل الدرع التي بدت وكأنها عصية على الوصف. حيث كانت ضرباته قوية، ودرعه محمي ببركة جعلت نوح يرغب في لعن الآلهة أنفسهم. "ما نقطة ضعفه؟ ما حدود هذه البركة؟!" فكّر وهو يحاول قراءة نمط العدو. "لا يمكن أن يكون دفاعه مثالياً، لا بد من وجود شيء يمكنني فعله!" واصل نوح تركيزه وهو يقرأ نمط العدو حتى سنحت له فرصة بفضل محض الصدفة. ما إن توقف زعيم عائلة "شيو" عن الصراخ حتى تشتت انتباه حامل الدرع المبارك، واستعد نوح للهجوم.
في صمت، أطلق نوح شيئاً لم يره حامل الدرع طوال هذه المنافسة، حركته المميزة في لعبة "فالور واتش": كرة نارية. وفي اللحظة التي ظهر فيها موت زعيم عائلة "شيو" لنوح على هيئة مربع نص يطفو في الهواء، انفجرت الكرة النارية قرب قدمي حامل الدرع.
"أصبتُه!" هتف نوح في داخله فرحاً، بينما دفعه الانفجار إلى الوراء، وكاد أن يصل إلى حافة القبة. و غطت سحابة صغيرة من الغبار والدخان رؤيته للعدو، بينما كان ينظر إلى الأمام. حيث كان متأكداً من أنه أصابه، لكن "البياكوغان" كانت تخبره بعكس ذلك. "هل هذا الرجل بشريٌّ أصلاً؟" سأل نفسه، بينما انقشع الغبار، ووقف رجل يلهث بشدة، لم يمسه الانفجار القريب تقريباً. "مستحيل..." فكّر نوح، عندما رأى أن الضرر الذي أحدثته كرة النار يقتصر على بضعة شقوق صغيرة في الدرع والواقي. "كيف لي أن أتعامل معه بحق الجحيم؟!" قبض على خنجره الناري وهو يجز على أسنانه. لم يستطع رؤية سوى عيني الرجل من تحت الخوذة، لكنه أدرك أن شيئاً ما قد انكسر فيه.
"كيف تجرؤ؟" جاء صوت عميق بالكاد يُسمع من الرجل، مما ترك نوح في حيرة من أمره.
"عفواً؟" سأل نوح، وهو يخفض وقفته، مستعداً للانقضاض عليه عند أول فرصة.
"كيف تجرؤ على فعل ذلك بسيدي الشاب؟!" صرخ الرجل وهو يصرخ باتجاه السماء رافعاً درعه وسيفه.
"هل أصيب بالجنون؟" تساءل نوح في نفسه عندما رأى الرجل يندفع نحوه وهو يصرخ كالمجنون.