الفصل السابع: خيارٌ فوقَ العالي
تحتَ أنظارِ الرجلينِ المترقبة ، وضعَ الصبيُّ الصغيرُ يدهُ على البوصلةِ بملامحَ يكسوها الجمودُ واللامبالاة.
في اللحظةِ التالية تملكَّ الذهولُ "سونغ تشانغ شينغ " الذي كانَ شارداً بذهنِهِ قليلاً ، حينَ خطفَ بصرَهُ وهجٌ ساطعٌ ومبهر.
انبعثَ ضوءٌ فيروزيٌّ قويٌّ من "عمودِ اختبارِ الروح " فهتفَ "سونغ لودينغ " بذهول "جذرُ روحِ الريحِ من فئةِ الخمسِ بوصات! "
اتسعت عينا "سونغ تشانغ شينغ " من هولِ المفاجأة ؛ لقد كانَ "جذراً روحياً استثنائياً " وهو من النوعِ الذي نادراً ما تراهُ العينُ حتى في المائةِ عامٍ مرة.
"يا للروعة! لقد أنعمَ القدرُ على عشيرتِنا! بهذا الصبيِّ ، ستستعيدُ عشيرتُنا بالتأكيدِ مجدَ عصرِ الجدِ الأكبر "تايي " الذي عاشَ قبلَ أربعمائةِ عام. " كانَ "سونغ لودينغ " متأثراً لدرجةِ أنَّ دموعَهُ ترقرقت في عينيه ، وكادَ يفقدُ رزانتهُ في تلك اللحظة.
أدركَ "سونغ تشانغ شينغ " سببَ حماسِهِ ؛ فقد كانَ الجدُّ المؤسسُ لعشيرةِ "سونغ " "سونغ تايي " يمتلكُ هو الآخرَ جذرَ روحِ الريح. و لقد أتقنَ "فنَّ السيفِ السريعِ " لدرجةٍ إلهية ، مما أكسبهُ لقبَ "صاعدِ تشنج فينغ ". وبفضلِ زراعتِهِ في مرحلةِ "القصرِ الأرجوانيِّ الأوسط " استطاعَ يوماً أن يتحدى شيطاناً عظيماً في مرحلةِ "الطبقةِ الثالثةِ المتأخرة " ويهزمَهُ حتى ذاعَ صيتُهُ في أقاليم "داكي " التسعةَ عشرَ جميعِها.
وبعدَ رحيلِ الجدِّ المبجل ، دوَّنَ كلَّ رؤاهُ وتجاربِ حياتِهِ ، آملاً في تخريجِ "سادةِ طريقِ السيفِ " من أبناءِ عشيرتِه.
ولكن ، جاءتِ الأجيالُ اللاحقةُ مخيبةً للآمال ؛ فقد حاولَ عددٌ لا يُحصى من أفرادِ العشيرةِ على مدى القرونِ الماضيةِ إتقانَ "فنِّ السيفِ السريع " لكن لم ينجحْ أحدٌ منهم في استيعابِ جوهرِهِ الحقيقيِّ قَطّ.
لكنَّ "سونغ لودينغ " رأى في هذا الصبيِّ بصيصَ أمل.
جذرٌ روحيٌّ استثنائيٌّ ، وبذرةٌ حقيقيةٌ لـ "القصرِ الأرجوانيِّ " ؛ فإذا ما حققَ إنجازاتٍ مرموقةً في "طريقِ السيف " فسيغدو "صاعدَ تشنج فينغ " التالي ، و "سونغ تايي " الجديد!
"أيها الصغيرُ الطيب ، ما اسمُكَ ؟ " انحنى "سونغ لودينغ " نحوَهُ ، ونظراتُهُ تفيضُ حناناً كأنَّهُ يتأملُ كنزاً نادراً لا يجودُ بهِ الزمانُ إلا مرةً في العُمر.
"سونغ شينغ. " أجابَ الصبيُّ ببرودٍ ، دونَ أيِّ اضطرابٍ عاطفيٍّ يظهرُ على محياهُ.
"حسناً ، حسناً ، حسناً. اذهبْ وانتظرْ هناك. " انفرجت أساريرُ "سونغ لودينغ " عن ابتسامةٍ عريضة ، وخفضَ صوتَهُ عمداً ، كأنَّهُ يخشى أن يُفزِعَ الصبيَّ.
مشى "سونغ شينغ " نحوَ "سونغ تشانغ شينغ " ورفعَ رأسَهُ ليسألَهُ "أهليّتي... هل هي جيدةٌ جداً ؟ "
ابتسمَ "سونغ تشانغ شينغ " وأومأَ برأسِهِ "إنَّها الأعلى بينَ العالي. "
"أوه. " أومأَ "سونغ شينغ " بهدوء. فأيُّ طفلٍ آخرَ كانَ ليطيرَ فرحاً لو علمَ أنَّهُ يمتلكُ جذراً روحياً.
لكنَّهُ كانَ وحدهُ يبدو غيرَ مبالٍ بكلِّ شيء ؛ فمنذُ لحظةِ دخولِهِ وحتى الآن لم يلحظْ "سونغ تشانغ شينغ " فيهِ أيَّ ذرةِ انفعال.
'هذا مقلقٌ قليلاً ، ' فكَّرَ "سونغ تشانغ شينغ " 'فمثلُ هذهِ الميولِ قد لا تكونُ خيراً للعشيرة... '
في العادة ، تطلُبُ اكتشافاتٌ كهذهِ تقريراً فورياً ، يتبعُهُ مرافقةٌ شخصيةٌ من مُزارعٍ في مرحلةِ "بناءِ الأساس ".
لكنَّ "سونغ لودينغ " كانَ الأكثرَ خبرةً وحنكةً بينهما.
ورغمَ حماسِهِ العارم لم يفقدْ صوابَهُ ؛ ففي هذهِ اللحظةِ ، ومع عدمِ علمِ أحدٍ غيرِهم بالخبر كانَ "سونغ شينغ " في أمانٍ تام.
ولو أنهما أنهيا "مؤتمرَ الصعودِ الخالد " الآن ، لكانَ ذلكَ سبباً في تنبيهِ جواسيسِ الفصائلِ الأخرى ، وسيكونُ اعترافاً واضحاً بما حدث. لذا كانَ الأفضلُ أن يتصرفا كأنَّ شيئاً لم يكن ، وأن يبلغا الأمرَ سراً بعدَ انتهاءِ المؤتمر.
في الوقتِ الراهن كانَ هناكَ هدفٌ واحدٌ لا بدَّ من التركيزِ عليهِ: الكتمان. فمَن يدري كم من الأعينِ تترصَّدُهم ؟
كلَّما كانَ السرُّ أكثرَ حصانةً كانَ "سونغ شينغ " أكثرَ أماناً. وبالأمانِ وحدهُ سيجدُ المساحةَ التي تكفيَ لينمو.
فالعبقريُّ يحتاجُ إلى وقتٍ لينضج ، أما مَن لا يُمهَلُ ليترعرعَ ، فمآلُهُ أن يصيرَ كالعظامِ النخرةِ في التابوت.
تبادلَ "سونغ تشانغ شينغ " و "سونغ لودينغ " نظرةَ تفاهمٍ صامتة ؛ فواصلا المؤتمرَ كالمعتادِ حتى اكتملَ اختبارُ الروحِ في المدنِ الأربع.
حينها فقط ، جمعوا الأطفالَ الذينَ ظهرت لديهم جذورٌ روحيةٌ وتوجهوا إلى "قصرِ الحامية ".
وما إن وصلوا حتى كانت أولى خطواتِ "سونغ تشانغ شينغ " هي اصطحابُ "سونغ شينغ " إلى والدتِهِ ليطلعَها على تفاصيلِ الأمر...
"ماذا ؟ جذرُ روحِ الريحِ من فئةِ الخمسِ بوصات! " كانت ردةُ فعلِ "شيا يونشيو " مطابقةً لردةِ فعلِ "سونغ لودينغ " ؛ صدمةٌ ممزوجةٌ بابتهاجٍ عظيم.
"أماه ، هذهِ مسألةٌ بالغةُ الأهمية. هل ينبغي لنا إبلاغُ العشيرةِ وطلبُ شيخٍ يأتي لمرافقتِهِ شخصياً ؟ "
عقدت "شيا يونشيو " حاجبيها الرقيقينِ وهزت رأسَها "ليسَ هذا من الحكمةِ في شيء. فمؤتمرُ 'الصعودِ الخالدِ ' ليسَ مجردَ حدثٍ لعشيرتِنا ، بل هو حدثٌ لإقليمِ 'لينغ ' بأسره. ولا نعلمُ كم من العيونِ تراقبُ حركاتِنا داخلَ المدينةِ وخارجَها. "
"إذا استخدمنا 'سيفَ نقلِ الصوتِ الطائرِ ' بتهور ، فقد يُعتَرَضُ في الطريق ، وهذا سيجلبُ لنا متاعبَ جِساماً. "
"فما العملُ إذاً ؟ إذا سافرَ معنا ، فالمسافةُ تزيدُ عن مائةِ ميل. أخشى أن يقعَ مكروه. "
"وصلنا في نصفِ ساعةٍ بساعةٍ ورقية ، لكنَّ طريقَ العودةِ مختلف. فمع وجودِ أكثرَ من عشرةِ أفرادٍ إضافيين ، لن تسعَنا الورقة. سنضطرُّ لقطعِ الطريقِ سيراً على الأقدام. "
"ما رأيُكَ بهذا: عندما تستعدونَ للمغادرة ، سآخذُ أنا 'سونغ شينغ ' وأسبقُكم ؛ سأرافقهُ سراً إلى العشيرةِ بنفسي. "
"ولكنكِ مسؤولةٌ عن حمايةِ المدينة. و إذا تركتِ منصبَكَ ، فماذا لو... " لم يكمل "سونغ تشانغ شينغ " جملتَهُ ، لكنَّ المعنى كانَ جلياً.
قالت "شيا يونشيو " بثقةٍ تامة "الأمرُ بسيط. بسرعةِ تحركي ، وحتى دونَ استخدامِ 'التحكّمِ في السيف ' ، لن تستغرقَ رحلةُ الذهابِ والإيابِ أكثرَ من ساعةٍ واحدة. ولن يحدثَ شيءٌ في هذا الوقتِ القصير. "
"حسناً إذاً. سأذهبُ لأبلغَ عمَّ العشيرة. حيث يجبُ أن ننطلقَ في أسرعِ وقتٍ لئلا يفسدَ الترددُ الأمور. "
دخلَ "سونغ تشانغ شينغ " إلى القاعةِ الرئيسيةِ ووجدَ "سونغ لوزي " الذي وصلَ بعدَهم بخطوة ، وكانَ يبتسمُ وهو يتجاذبُ أطرافَ الحديثِ مع "سونغ لودينغ ".
"عمَّ العشيرة ، يبدو أنَّ الحصادَ كانَ وفيراً في جانبِكَ " قالَ "سونغ تشانغ شينغ " بضحكةٍ خفيفة.
كانَ "سونغ لوزي " في قمةِ نشاطِهِ "بالفعل! وجدنا طفلاً بجذورٍ روحيةٍ مزدوجةٍ (أرضي-معدني)! إنها موهبةٌ فوقَ المتوسطة! "
تبادلَ "سونغ تشانغ شينغ " و "سونغ لودينغ " نظرةً وابتسما. ففي الماضي كانَ اكتشافُ موهبةٍ بجذورٍ روحيةٍ مزدوجةٍ يُعدُّ صيداً ثميناً بلا شك.
ولكن ، بوجودِ "سونغ شينغ " وجذرِهِ الاستثنائي ، بدا هذا الاكتشافُ باهتاً بالمقارنة. وبالطبع و كلَّما قلَّ عددُ مَن يعرفونَ بشأنِ ذلك الصبي كانَ أفضل ، لذا لم يكنْ بإمكانِهما إخبارُه الآن.
"ابنَ أخي الكريم ، ماذا قالتِ الشيخُ الخامسة ؟ " سألَ "سونغ لودينغ " وهو يرمقُه بنظرةٍ ذاتِ مغزى.
قالَ "سونغ تشانغ شينغ " بغمزة "قالتِ الشيخُ الخامسةُ إنَّ خيرَ البرِّ عاجلُهُ ، لئلا يفسدَ الترددُ الأمور. وقد تلقيتُ بالفعلِ 'لفافةَ يشمِ طلبِ المساعدة '. ستأتي لنجدتِنا إذا حدثَ أيُّ مكروه. "
"إذاً ، أيها الأخُ الكريم ، فلنتبعْ نصيحةَ الشيخِ الخامسةِ ولننطلقْ باكراً. " وما إن رأى "سونغ لودينغ " أنَّ "سونغ شينغ " لم يخرجْ معه حتى فهمَ الأمرَ فوراً.
كانَ "سونغ لوزي " في مزاجٍ رائقٍ ولم يلحظْ تلكَ الإشاراتِ المتبادلةَ بينَ الرجلينِ مطلقاً ، بل أومأَ بالموافقةِ ببساطة.
بعدَ نصفِ ساعة ، انطلقَ الخمسةُ الأصليون ، ومعهمُ الأطفالُ الأربعةَ عشرَ من أصحابِ الجذورِ الروحية ، في رحلةِ العودةِ إلى الديار. وفي الوقتِ ذاتِهِ ، غادرت "شيا يونشيو " المدينةَ سراً بصحبةِ "سونغ شينغ ".
وفي الطريق ، علَّقَ "سونغ تشانغجيو " بشيءٍ من خيبةِ الأمل "ظننتُ أنَّ العددَ سيكونُ أكبر. و اتضحَ أنَّهم هؤلاءِ فقط. "
قالَ "سونغ تشانغ شينغ " بابتسامةٍ باهتة "هذا جيدٌ بما فيهِ الكفاية. قد يكونُ العددُ قليلاً ، لكنَّ الجودةَ عالية. "
'ما دمتُ قد ظفرتُ بجذرٍ روحيٍّ استثنائي ، فلا شيءَ آخرَ يهم. '
ظنَّ "سونغ تشانغجيو " أنَّهُ يقصدُ صاحبَ الجذورِ المزدوجةِ فتمتمَ قائلاً "كنتُ آملُ أن نجدَ صاحبَ 'جذرٍ سماوي '. فليسَ كلُّ يومٍ تتاحُ لنا فرصةُ الخروجِ إلى هنا. "
قالَ "سونغ لودينغ " وهو يداعبُ لحيتَهُ بابتسامة "أنتَ يا بني ، ستُتاحُ لكَ فرصٌ كثيرةٌ لتقضي وقتَكَ هنا في غضونِ عامين. "
حكَّ "سونغ تشانغجيو " رأسَهُ ضاحكاً ولم يزدْ شيئاً.
فالمرءُ حينَ يكونُ فوقَ الجبل ، لا يفكرُ إلا في النزول ، لكنَّهُ لا يدركُ قيمةَ تلكَ الأيامِ فوقَ القمةِ إلا بعدَ أن يغادرَها...
كانَ الكبارُ يحيطونَ الأطفالَ بهالتِهم الروحيةِ وهم يمضون بسرعةٍ عبرَ الغابة ، يتبادلونَ الأحاديثَ والضحكاتِ على طولِ الطريق.
لم يدركوا قطُّ أنَّ الخطرَ كانَ يقتربُ منهم في صمت...
فمنذُ اللحظةِ التي غادروا فيها المدينة كانوا هدفاً لمجموعةٍ من الناس!
"رئيس ، نظرتُ بتمعّن. لا يوجدُ سوى خمسةِ مُزارعين - اثنانِ في المرحلةِ المتوسطة ، واثنانِ في المرحلةِ المتأخرة ، وواحدٌ في مرحلةِ الكمال - وأربعةَ عشرَ طفلاً. "
أبلغَ شخصٌ متشحٌ برداءٍ أسودَ بالكامل ، تفوحُ منهُ رائحةٌ كريهة ، زعيمَه الذي كانَ في المقدمةِ ويرتدي قناعَ "راكشاسا " الحديديَّ بوجهٍ صارم.
أومأَ المقنَّعُ برضاً ، وكانَ صوتُهُ مبحوحاً "ما دمنا سننهبُ هذهِ القافلة ، فستكتملُ المهمةُ التي أوكلَها إلينا 'السيدُ الوكيل '. "
سألَ أحدُ الرجالِ ذوي الرداءِ الأسودِ بتردد "رئيس ، هؤلاءِ من عشيرةِ 'سونغ '. هل سنقومُ حقاً بمهاجمتِهم ؟ "
فرغمَ تراجعِ عشيرةِ "سونغ " إلا أنَّهم ما زالونَ قوةً لا يُستهانُ بها في أراضي إقليم "لينغ " وبوسعِهم سحقُ أمثالِهم بلمحةِ بصر.
زمَّ المقنَّعُ شفتيهِ بسخط "همف ، أنسيتُم مَن نخدم ؟ عشيرةُ 'سونغ ' لا تساوي شيئاً! حاصروهم وانتظروا إشارتي. ومَن تجرأَ على المقاومة ، اقتلوه دونَ رحمة! "
"أمْرُكَ يا سيدي! "