الفصل التاسع والعشرون: إنجازٌ مذهل
في قلب السوق ، حيث تتقاطع الطرق الأربع الرئيسية كانت هناك ساحةٌ دائريةٌ فسيحة ؛ وهي المكان الذي يعتاد "المزارعون المستقلون " اتخاذه مركزاً لتجارتهم.
في اليوم الذي وصل فيه "سونغ تشانغ شينغ " إلى السوق لم يلحظ وجود حشودٍ غفيرة ، ولم يكن ذلك لخلوِّ السوق من الناس ، بل لأنَّ غالبيتهم كانوا متجمعين في هذه الساحة بالتحديد.
لقد غيَّرت "طائفة نار الأرض " موقع النزال ، وهو أمرٌ لم يجد "سونغ تشانغ شينغ " ما يبهجه أكثر منه ؛ فقد جاء وفي نيته أن يمرغ كبرياء تلك الطائفة في التراب ، فكلما زاد عدد الحاضرين كان ذلك أفضل.
وحين وصولهما كانت الساحة قد غصَّت بالحشود ، والجميع يطيلون أعناقهم في ترقبٍ وشغف ، بل إن بعض الانتهازيين عمدوا إلى إنشاء مراهنات على النتيجة ، وكان الكثيرون يضعون رهاناتهم بالفعل.
"لقد وصل رجال جناح صيد الكنوز. "
وما إن ظهر "سونغ تشانغ شينغ " ورفيقه حتى خطفا أنظار الحاضرين ؛ فبعد ما أقدم عليه بالأمس ، ذاع اسم "سونغ تشانغ شينغ " في أرجاء سوق "ليويون ". كان الجميع يتساءلون عمّا إذا كان باستطاعته -كما فعل بالأمس- أن يمرغ وجه "طائفة نار الأرض " في الوحل.
أحدق "سونغ تشانغ شينغ " ببصره نحو الأمام ، وسار إلى مركز الساحة ترافقه خطوات "سونغ لويوان " ثم وقف في مكانه ينتظر وصول الطرف الآخر.
وفي تلك الأثناء ، شقَّ رجلٌ ذو بطنٍ متدلٍ طريقه بين الحشود حتى بلغ المقدمة ، وحين وقع بصره على "سونغ تشانغ شينغ " ذهل للحظة وقال "أليس هذا المزارع شين تشانغ سونغ ؟ شين تشانغ سونغ.. سونغ تشانغ شينغ.. هيه ، أمرٌ مثيرٌ للاهتمام. " وارتسمت على وجه الرجل السمين ملامح الفضول.
بعد مضي وقتٍ يعادل تناول كوبٍ من الشاي ، وصل "باي روفنغ " أخيراً بصحبة "تشنج شياو " متأخرين عن الموعد المعتاد.
"أوه ، مدير المتجر سونغ ، لقد غيَّرتُ مكان النزال دون إخطاركم مسبقاً ، وآمل ألّا تأخذ ذلك على محمل الجد " قال "باي روفنغ " بهذه الكلمات التي تقطر تصنُّعاً وهو يمضي نحوهم.
تقدم "سونغ لويوان " لاستقباله بابتسامةٍ باهتة ، وبدأا فى تبادل عبارات الترحيب الرتيبة ؛ ومع أن كلاً منهما كان يتمنى في قرارة نفسه لو يقضي على الآخر إلا أن عليهما الحفاظ على قشرة من الود الزائف.
وبينما كان المديرون يتبادلون أطراف الحديث ، راح "سونغ تشانغ شينغ " يتأمل خصمه. حيث كان شاباً في العشرينيات من عمره ، يرتدي ثياباً بيضاء ، ورغم وسامته اللافتة إلا أن كيانه كله كان يفيض بغرورٍ مستفز.
وبينما كان "سونغ تشانغ شينغ " يراقبه ، بادر "تشنج شياو " بالكلام "إذاً أنت هو من يتحداني ؟ "
أجاب "سونغ تشانغ شينغ " بهدوء وثبات "سمعتُ أن مهاراتك في صقل الأدوات بارعة ، فجئتُ أطلب منك النصح والإرشاد. "
"هاه! جيد جداً. كيف تودُّ أن نتنافس ؟ " عقد "تشنج شياو " يديه خلف ظهره ، دون أن يكلف نفسه عناء النظر إلى "سونغ تشانغ شينغ " باهتمام ، فقد تملكه اليقين بأن النصر بات في قبضته.
لم يأبه "سونغ تشانغ شينغ " لموقفه ، وقال بخفة "بما أنني أنا من يطلب الإرشاد ، فالأمر يعود إليك لتحدد الطريقة. "
ومضت نظرة ازدراء في عيني "تشنج شياو " ثم لوح بيده مُخرجاً قطعتين من الأدوات السحرية ، وقال "حسناً ، ها هما قطعتان متطابقتان من الأدوات السحرية عالية الجودة من المستوى الأول لم تُنقش عليهما أيُّ مصفوفاتٍ بعد. سنتنافس لنرى أيَّنا يستطيع نقش مصفوفات أكثر ، وبجودةٍ أفضل ، في غضون ثلاث ساعاتٍ عتيقة. "
"لا مانع لدي. " أومأ "سونغ تشانغ شينغ " موافقاً ؛ فصناعة أداةٍ من المستوى الأول من العدم تتطلب وقتاً طويلاً ، وهذه الطريقة هي الأسرع لكشف المهارة الحقيقية للمرء.
سأل "تشنج شياو " وهو ينظر إلى "باي روفنغ " بنفاد صبر "يا عمي ، متى نبدأ ؟ "
أجاب "باي روفنغ " بعد تبادل نظرة مع "سونغ لويوان " "إذا كنتما مستعدين ، فيمكنكما البدء الآن. "
اختار كل منهما مكاناً خالياً وجلسا متربعين. رمى "تشنج شياو " قطعةً سحريةً دائرية لـ "سونغ تشانغ شينغ " واحتفظ لنفسه بواحدةٍ على شكل سيف طويل.
لم يكترث "سونغ تشانغ شينغ " بالأمر ، فقد التقط الأداة وفحصها ؛ ومن الواضح أن "تشنج شياو " لم يلجأ إلى تلك الحيل الرخيصة ، إذ لم يكن بالأداة أي عيب. غير أنه خلال الفحص ، اكتشف "سونغ تشانغ شينغ " بعض العيوب الدقيقة في الأداة ، مما كشف عن خللٍ في تقنية الصانع.
حدّث "سونغ تشانغ شينغ " نفسه قائلاً "ما زال هناك متسعٌ من الوقت ، سأقوم بصقل هذه الأداة قليلاً لأحسنها. " وألقى نظرةً على "تشنج شياو " الذي كان قد بدأ بالفعل في نقش مصفوفاته.
وتحت أنظار الحاضرين المذهولين في الساحة ، تصاعد لهبٌ برتقالي محمر أمام "سونغ تشانغ شينغ " وأحاط بالأداة السحرية.
سأل أحد المزارعين في حيرة "ما الذي يفعله ؟ أليس التنافس على نقش أكبر عدد من المصفوفات ؟ "
وما لبث أن ردَّ عليه مزارعٌ أكثر دراية "إنه يصقل الأداة السحرية ، فهذا العمل يرفع من جودتها. "
"لكن هذا لا يبدو مرتبطاً بالمسابقة. "
تردد المزارع للحظة قبل أن يومئ برأسه "هذا صحيح. "
خيم الذهول على الجميع للحظات بسبب تصرف "سونغ تشانغ شينغ " ؛ أكان هذا ثقةً بالنفس أم غروراً ؟
وبالطبع ، لاحظ "تشنج شياو " سلوك "سونغ تشانغ شينغ " الغريب ، وحين رأى أنه هو نفسه قد أنهى ثلث مصفوفته لم يملك إلا أن يسخر في سريرته "إن هذا الصبي مغرورٌ أكثر مما ينبغي. "
صحيحٌ أن الصقل يحسن جودة الأداة ، لكن "تشنج شياو " هو من صنع تلك الأدوات بنفسه ، وكان واثقاً من براعته تمام الثقة ؛ فقد جعلها مثاليةً إلى أقصى حد ، وحتى لو وُجدت عيوبٌ طفيفة ، فإن إعادة صقلها لن تزيد جودتها كثيراً. و في نظره كان "سونغ تشانغ شينغ " يقلب الأولويات رأساً على عقب!
لم يلتفت "سونغ تشانغ شينغ " لهمس المحيطين ، فقد كان قد غرق بالفعل في حالةٍ من التركيز المطلق.
مرَّ الوقت مسرعاً ، وقبل أن ينهي "سونغ تشانغ شينغ " صقل الأداة كان "تشنج شياو " قد أتمَّ بالفعل مصفوفتَه الأولى. لم تعد الغالبية العظمى من الحاضرين تراهن على فوز "سونغ تشانغ شينغ " بعد أن تأخر كثيراً ، وأخذ الذين راهنوا عليه يندمون ندماً شديداً ، ولو لم يهابوا وجود "سونغ لويوان " لربما انهالوا باللعنات على "سونغ تشانغ شينغ ".
همس "سونغ تشانغ شينغ " بخفوت "لم يتبقَّ سوى ساعتين ، عليَّ أن أسرع. "
وفي اللحظة التالية ، تدفقت طاقته الروحية داخل الأداة كالسد المنهار ، وبإرادته انشطرت طاقته إلى نصفين ، وبدأ فعلياً بنقش مصفوفتين في وقتٍ واحد!
ولأنها مسابقةٌ في الهواء الطلق كان العمل بأكمله معروضاً للعيان. فلم يكن الأمر واضحاً في البداية ، ولكن مع اتضاح معالم المصفوفات تدريجياً ، لاحظ أحدهم شيئاً غير مألوف.
صاح أحد صقالي الأدوات المستقلين "يا للسماء! هل يعقل أن "سونغ تشانغ شينغ " ينقش مصفوفتين مختلفتين في آنٍ واحد ؟ هل تخدعني عيناي ؟ "
رد عليه المحيطون بالتشكيك "عن أي هراء تتحدث ؟ " فكل مصفوفةٍ معقدةٌ للغاية وتتطلب تركيزاً كاملاً لا يتجزأ. ونقشُ نوعين من المصفوفات في آنٍ واحد... لا أحد يعلم إن كان قد حدث هذا من قبل ، ولكن على أية حال لم يسمع أحدٌ بمثل هذا الأمر منذ تأسيس مقاطعة "لينغ ".
"هاه ؟ إنه حقيقي! لقد ظهرت معالم مصفوفتين بالفعل. "
"هل هذا الفتى "سونغ تشانغ شينغ " وحشٌ ؟ كيف يفعل ذلك ؟ "
الحقائق أقوى من الكلمات ؛ فقد لاحظ المزيد من الناس المشهد ، وسرت موجةٌ من الذهول في أوساط الحشود. و لقد أُصيب الجميع بالصدمة من مهارة "سونغ تشانغ شينغ ".
جحظت عينا "باي روفنغ " وهو يحدق في "سونغ تشانغ شينغ " نظراتٍ مميتة ، وقال في كفرٍ وعدم تصديق "القدرة الأسطورية على تعدد المهام ؟ كيف يكون هذا ممكناً ؟ كيف يستطيع فعل ذلك! "
وحين رأى "سونغ لويوان " رد فعل "باي روفنغ " اتخذ بضع خطواتٍ للأمام بهدوء ليقف أمام "سونغ تشانغ شينغ " خوفاً من أن يُقدم الآخر على حماقةٍ يائسة.
أما "سونغ تشانغ شينغ " فكان في معزلٍ عن كل ذلك الصخب ، غارقاً في عمله بكل جوارحه.