الفصل 607: الفصل 366: معاملة الأرواح كأنها أحجار وقطع طوب
في أعماق الغابة الواقعة في براري الغرب القصية ، ينمو نوعٌ عجيب من الخنافس. و هذه الحشرة لا تُصدر ضوءاً من تلقاء نفسها ، لكن إذا ما اقترب منها أي جسدٍ يحمل حرارة ضمن نطاق مئة متر ، فإنها تستشعر وجوده وتُطلق توهجاً خافتاً. وبفضل هذه الخاصية الفريدة ، يمكن لمن يُعالج هذه الحشرات بطريقة خاصة ، ويطحنها حتى تصير مسحوقاً ، ثم يمزجها بجرعةٍ تُطلى بها عدسات المقراب (التلسكوب) ، أن يرى الأجسام بوضوح في دياجير الليل.
وهكذا لم تكن كل حركة يقوم بها "تشين جون تشنج " لتغيب عن عيني ذلك الرجل.
وعندما رآه يتراجع إلى حافة الغابة ، أطلق الرجل ضحكةً ساخرة صامتة قبل أن يثب في الظلام بخفة حركة خاطفة. و شعر "تشين جون تشنج " الذي كان يزحف على الأرض ، باقتراب الخطر فجأة ؛ ورغم أنه لم يدرك ماهيته إلا أن استجابته كانت بالغة السرعة. فقد وثب واقفاً وانطلق مسرعاً إلى أعماق الغابة ، وبينما كان يعدو ، دأب على تغيير اتجاهاته باستمرار ليتفادى أن يكون هدفاً سهلاً لنصل القوس.
ولا يسع المرء إلا الاعتراف بأن ردود فعله كانت دقيقة وفعالة ؛ فلو كان مكانه شخص آخر ، لربما استطاع النجاة بالفعل. و لكن الرجل لم يعبس بهذه الأمور قط ، فبينما كان "تشين جون تشنج " يفرُّ مذعوراً في الغابة ، استلَّ الرجل بهدوء قوساً ميكانيكياً ذا شكل غريب من حقيبته ، وصوَّب قليلاً ثم ضغط على الزناد.
تسبب صوت انطلاق السهم وهو يشق عباب الهواء في جعل شعر "تشين جون تشنج " يقف هلعاً ، وظل جسده يرتجف محاولاً تفادي أن يتم تثبيته كهدف. ولكن في اللحظة التالية ، غُرز سهم القوس في شجرة لا تبعد عنه كثيراً أمام وجهه. وقبل أن يتسنى لـ "تشين جون تشنج " أن يلتقط أنفاسه ، انطلقت خيوط لا حصر لها من ذيل السهم ، لتلتف حوله وتغلفه بالكامل. ذُهل "تشين جون تشنج " وأخذ يصارع بكل قوته ، لكن دون جدوى ؛ فمادة تلك الخيوط كانت مجهولة ، وشديدة المتانة ، وكلما زاد مقاومته لها ، زاد ضيق التفافها عليه. وفي لمح البصر ، ظهرت جروح غائرة ودامية على ذراعي "تشين جون تشنج " وساقيه.
عند رؤية هذا المشهد ، أُصيب الموجودون في المعسكر بالذهول ، ثم لا أدري كيف ، بدأ أحدهم بالهرب ، فتبعثر هؤلاء القوم مذعورين وانطلقوا في اتجاهات شتى داخل الغابة. لم يلقِ الرجل بالاً لأولئك الناس ؛ فقد لاحظ بوضوح خلال النهار أن هذه المجموعة تُجِلُّ "تشين جون تشنج " أكثر من أي شيء آخر ، لذا فإنه طالما أحكم السيطرة عليه ، فإن بقية الصغار لا يستحقون عناء الالتفات إليهم.
سار الرجل متمهلاً نحو "تشين جون تشنج " الذي كان مستلقياً في تلك اللحظة مستسلماً على الأرض ، ووجهه يطفح باليأس. فلم يكن أمامه خيار آخر ؛ فهذه الخيوط كانت غريبة حقاً ، وكلما زاد صراعه ، زاد انقباضها عليه. وإذا ما توغلت أكثر ، فمن المرجح أنها ستقطع لحمه حتى العظم. ولم يجد "تشين جون تشنج " مفراً من الاستسلام.
وبينما كان يُصغي إلى خطوات الرجل وهي تقترب ، رفع "تشين جون تشنج " رأسه بكل ما أوتي من قوة ، وقلبه يفيض بالوجل. وحين وصل الرجل أخيراً وبدا أمام ناظريه ، أصيب "تشين جون تشنج " بالذهول. أليس هذا هو الرجل الأشعث الذي قابله في مقهى الشاي خلال النهار ؟ هل كان ينتمي بالفعل إلى طائفة الميكانيكا ؟
ورغم خوفه ، أجبر "تشين جون تشنج " نفسه على الهدوء ، وتحدث بصوتٍ مستقر قدر الإمكان دون أن يشي بمشاعره "يا صديقي ، لا ضغينة سابقة ولا عداوة حديثة بيني وبينك ، فلماذا تتصرف بهذه القسوة ؟ "
جثم الرجل ببطء وقال "هل أنتم ذاهبون إلى مدينة بحر الحبر ؟ "
خفق قلب "تشين جون تشنج " بقوة ؛ فقد كان محقاً في ظنه ، هذا الرجل على صلة بعائلة "غوي " في مدينة بحر الحبر. وبمجرد تفكيره في هذا ، ازدرى "تشين جون تشنج " صنيع "بي تشوان آن " الذي حثه على المجيء. تباً له! فقد زعم أن عائلة "غوي " لا تملك ظهيراً قوياً. ألم يكن هذا الظهير قوياً بما يكفي ؟ لكن فات الأوان على الندم.
لم يجرؤ "تشين جون تشنج " على الكذب ، فلم يكن أمامه سوى الرد بصدق "نعم ، نحن بالفعل في طريقنا إلى مدينة بحر الحبر ، لكننا لم نكن نعلم أنها مرتبطة بطائفة الميكانيكا. لو كنا نعلم ، لما ارتكبنا هذا الحماقة أبداً ، لذا أرجوك ، امنحني فرصة ، ألا يمكن ذلك ؟ "
عندما قال هذا كان قلب "تشين جون تشنج " مفعماً بالمهانة. فمنذ نعومة أظفاره وحتى الآن لم يتوسل لأحد بهذا الأسلوب قط. و لكن لم يكن هناك خيار ، فقد كان تحت رحمة غيره ؛ فـ "العين بصيرة واليد قصيرة " ولم يكن بوسعه إلا أن يحني رأسه.
ابتسم الرجل قائلاً "كيف عرفت أنني من طائفة الميكانيكا ؟ "
تذمر "تشين جون تشنج " في سره "معك سهام القوس والمتفجرات الميكانيكية ، فمن ذا الذي لن يتبادر إلى ذهنه طائفة الميكانيكا ؟ "
بدا أن الرجل أدرك أن سؤاله كان تحصيل حاصل ، فأومأ برأسه وقال "أجل ، أنا بالفعل من طائفة الميكانيكا ، ولديَّ عهد قديم مع عائلة غوي في مدينة بحر الحبر. ورؤيتكم قادمين بكل هذه الشراسة لا تدل على أي نوايا حسنة ، لذا فقد اعترضت طريقكم ".
كاد "تشين جون تشنج " أن يبكي "وماذا لو لم نقصد شراً ؟ "
ابتسم الرجل "هل تصدق أنت نفسك هذا الكلام ؟ مدينة بحر الحبر مجرد مكان صغير ، والزوجان غوي هيشو يتسمان بالتواضع الشديد. ومن أي زاوية نظرت ، لا يبدو أن لديهم علاقة ببرج وانغهاي الخاص بكم. لذا وبصرف النظر عن الاستيلاء على ممتلكات مدينة بحر الحبر ، لا أجد سبباً آخر لهذه الرحلة. وبالطبع ، إذا كنت مخطئاً عن طريق الصدفة... "
توقف الرجل قليلاً ، ثم تابع بلامبالاة "فلا تلم إلا سوء حظك ".
سرت قشعريرة في جسد "تشين جون تشنج " ؛ لأنه لم يستطع استشفاف أي عاطفة في نبرة الرجل ، فكأنما الأشخاص الذين لقوا حتفهم للتو على يديه ليسوا بشراً ، بل مجرد قطع طوب لا قيمة لها. و لقد رأى أناساً قساة لا يكترثون بحياة البشر ، بل إن هو نفسه لم يكن يلقي بالاً لحياة الآخرين.