انقسمت إلى شطرين، ولم تكن مجرد "سفنٍ" صماء، بل كانت أبعد من مجرد كتلٍ جامدة.
في تلك الهاوية السحيقة المتصدعة، كانت تسبحُ بقايا حطامٍ لا حصر لها، متمايلةً وسط الرمال والغبار.
كان هؤلاء ذات يوم "كائناتٍ حية".
بعضهم قد فارق الحياة بالفعل، بوجوهٍ شاحبةٍ غابت عنها الروح، وقد نزفت دماؤهم حتى جفت، ولم يتبقَّ لهم نبضٌ أو قول، بينما لا يزال آخرون في وعيهم، يصارعون الموت باستماتة، يحاولون تحرير أنفسهم من الهياكل المحاصرة في الشق، غافلين عن أن النصف الآخر من أجسادهم قد انفصل عنهم تماماً... هؤلاء القوم، كان مصيرهم واحداً: الموت.
وعلى الأفق الرمادي البعيد، عند حافة الأرض، يدوي صدى زمجرة العاصفة.
لكن هذا "المشهد الجحيمي" الذي لا يُطاق يتوقف عند هذه اللحظة.
تظهر يدٌ شاحبةٌ فوق السماء الرمادية.
خمسة أصابعَ تمسحُ برفقٍ ضوءَ السماءِ الخافت.
بعد ذلك، قال صاحب اليد الشاحبة بهدوء: "كما ترون... هذه العاصفة أشد رعباً بعشرات، بل بمئات المرات، من تلك التي واجهتها قلعة 'غو' للتو".
في قلعة الملكة، وتحديداً في الطابق الثاني من البرج.
كانت "مينغ شيتشو" تقف وسط الثلج المتساقط في "المجال الإلهي لفرن الصهر"، تحيط بها هالةٌ مقدسة، وتتحرك أناملها بخفة، محولةً الصور التي نسجها خيالها إلى رمادٍ وغبار، يتفتت ويتناثر...
هي تعلم أن هذا المشهد الذي عُرِض حتى هذه النقطة، كافٍ تماماً.
"وفقاً لتصنيفات الخطورة في حصون القارة الشمالية، ما هو مستوى هذه العاصفة؟" فتحت مينغ شيتشو فاها بخفة وسألت بصدق: "أخشى أن حتى المستوى (S)... لا يمكنه وصف الرعب الحقيقي لهذه العاصفة بشكل كامل، أليس كذلك؟"
مدت الإمبراطورة الجالسة على العرش إصبعين.
وقبضت برفق على شظية ضوءٍ كانت تنجرفُ من "مينغ شيتشو"؛ ذلك الضوء الأثيري الهلامي الذي تصلب في تلك اللحظة بين أنامل الإمبراطورة.
"هذا هو المشهد الذي وقعت أحداثه بالفعل قبل ستمائة عام،" تابعت مينغ شيتشو قائلة: "هؤلاء الموتى والمنازعون هم أسلاف البشرية قبل ستمائة عام. لقد هاجروا من العالم القديم القاصي، وخلال رحلتهم، واجهوا عاصفةً هوجاء من 'المواد المصدرية' لم يسبق لها مثيل، وقد ضحى عددٌ لا يحصى بأرواحهم لمواجهتها... تماماً مثل السفن الغارقة في هذا المشهد الآن، ولم تكن سفينةً واحدةً فحسب".
لم يكن بالإمكان رؤية وجه الإمبراطورة القابعة على العرش.
لكن مينغ شيتشو كانت تعلم أن إمبراطورة "بيتشو" لن تقف مكتوفة الأيدي دون رد.
وبعد لحظة من الصمت، تحدثت الإمبراطورة.
"من أين حصلتِ على هذه اللقطات المرئية؟"
أجابت مينغ شيتشو بهدوء: "من برج الكتب المحرمة في المنطقة المحظورة بمدينة النور. لا يُفترض بهذه الصور أن تظهر في التاريخ الرسمي بعد ستمائة عام، لذا طمستها مدينة النور باستخدام أكثر الطرق بدائية وعراقة... ومن المفترض أن هذه 'الأسرار' لا تخفى على بصيرتكِ".
عبثت الإمبراطورة بقطعة الضوء، وأقرت بذلك بهدوء.
فالنصوص هي أقدم وأعرق وسيلة لنقل الطاقة الروحية.
وأحياناً، لا تعني العراقة أنها قد عفا عليها الزمن.
فحتى الآن، لا تزال هذه الوسيلة هي الأكثر كفاءة.
وفيما يخص هذا التاريخ الممزق، استخدمت مدينة النور "النصوص الروحية القديمة" لإغلاقه تماماً، مما يضمن طمسه عن الأعين مع الحفاظ في الوقت ذاته على المواد البصرية الثمينة.
"بالنسبة للمجلس الأعلى، هذا ليس سراً".
قالت الإمبراطورة بنبرة رقيقة: "كل صاحبِ عرشٍ إلهي قام بتنقية 'بذور النار' قد ذهب شخصياً إلى [العالم القديم]، وبلغ أبعد نقطة فيه... أنتِ لا يمكنكِ استيعاب هذا التاريخ إلا من خلال النصوص المحرمة، بينما رأيتُ أنا بأم عيني تلك السفن المحطمة وهياكل أسلافنا الغابرين المتآكلة".
وعند قولها هذا، ظل صوت الإمبراطورة رقيقاً، تعلوه ابتسامة خفيفة.
فإذا كانت مينغ شيتشو قد جاءت إلى المدينة المركزية خصيصاً لإبلاغها بهذا الأمر، فقد تشعر الإمبراطورة بخيبة أمل.
"نعم، أنا أعلم ذلك".
قالت مينغ شيتشو بهدوء: "كل صاحب عرش إلهي زار [العالم القديم]، مثلكِ أيتها الوجود العظيم، يعرف بطبيعة الحال التاريخ المكسور والمأساوي الذي كان قائماً قبل ستمائة عام... لكنني اليوم لم أطلب مقابلتكِ لأتباهى بمعرفتي، بل لأقدم لكِ اكتشافاتي غير المتوقعة؛ التاريخ الحقيقي لـ 'المسافرين' كما سُجل في برج الكتب المحرمة".
وفي اللحظة التي نُطقت فيها كلمة "مسافر"—
تلاشت الابتسامة عن وجه الإمبراطورة تدريجياً.
إن نظام [البحر العميق] يربط القارات الخمس، ونظرياً، تُخزن فيه كافة المعلومات البشرية والتكنولوجيا والمعارف التي تراكمت على مدار الستمائة عام الماضية... ومع ذلك، هناك دائماً أمور يأمل المقر الأعلى ألا تقع في علم [البحر العميق].
وهذه الأمور لا تتعلق بالسلطة.
بل بالتاريخ الذي ترمز إليه كلمة "المسافر"، وهي حقبة سحيقة لا يمكن العثور عليها في قاعدة البيانات مهما بلغت دقة البحث.
"المسافر، صاحب بذرة النار الثامنة".
لم تعد مينغ شيتشو ترفع بصرها، بل أطرقت في خشوعٍ ووقار، وقالت ببطءٍ شديد، كلمةً تلو الأخرى: "لطالما ترددت شائعة العرش الإلهي الثامن بين أرجاء القارات الخمس... وبينما يراها معظم الناس محض ترهات، يجب أن تدركوا أن تلك الشائعة بوجود عرشٍ ثامن من المرجح جداً أن تكون حقيقة واقعة".
كانت بذور النار السبع هي القوة التي انشطرت عن "صندوق الإنجيل" عقب تشييد الجدار العظيم، وهذا ما دونه "التاريخ الرسمي".
"إن المشاهد التي عُرِضت للتو تجسد حقبة 'الهجرة الكبرى' قبل ستمائة عام. وأعتقد أن السبب وراء حظر المجلس لهذا التاريخ هو أننا كنا نمتلك مستوى عالياً جداً من التكنولوجيا قبل ستمائة عام".
هذا الخبر، بالنسبة للمجتمع البشري الحالي، لا يُعد خبراً ساراً.
فبعد الهجرة الكبرى، ورغم أن البشرية وجدت موطناً جديداً، إلا أنها تجرعت أيضاً مرارة خسائر فادحة.