الفصل 486: الفصل 109: الأمل هو أثمن هدية
تناثرت الدماء بغزارة فوق سطح السفينة.
وفي لحظة خاطفة، ابتلع البحر السطح وحوّله إلى حطام متهالك من الحديد.
وفي اللحظة التي تلتها، تلاشت مياه البحر هي الأخرى، وتبخرت لتتحول إلى ضباب كثيف يلف الأرجاء.
هدرت العاصفة بزمجرة مدوية.
أما بالنسبة للرجل الواقف فوق ذلك التمثال الإلهي، فلم يطبق الصمت التام على العالم إلا في هذه اللحظة بالذات.
لم يعد هناك صوت مزعج لأمواج "التسونامي" العاتية.
ولم يعد هناك أيضاً… صخب نداءات الاستغاثة.
تساقطت قطرات الماء التي لا تُحصى في سكون، عائدةً إلى أحضان المحيط. وظلت السماء فوق هذا الامتداد الشاسع من المحيط مُلبدةً بالغيوم القاتمة، لكن البرق لم يجرؤ إلا على التواري داخل السحب، ولم يضرب مرة أخرى… لأنه بالمقارنة بها، كان الرجل الذي يقف على قمة التمثال الإلهي هو السيد الفعلي لهذا البحر الممتد.
كان "سيد عرش العاصفة" يرقب ارتداد مياه البحر، ويشهد كذلك هلاك عباده.
ولم تحمل تعابير وجهه ذرة واحدة من الرحمة.
عندما رمق سطح السفينة المحطم والأرواح التي زُهقت… لم تكن نظرته تختلف عن نظرته إلى مياه البحر العادية.
لقد تناهت إلى مسامعه بالطبع تلك الصرخات، ونداءات الاستغاثة، ونوبات الجنون الأخيرة، والنشوة العارمة التي اجتاحت من كانوا على متن السفينة.
كل ما في الأمر أنه سمع الكثير من مثل هذه الأصوات.
وكان الأمر… صاخباً فوق الاحتمال.
يحتاج البشر دائماً إلى الإيمان لإنقاذ أنفسهم، متغاضين عن جوهر المعضلة، وهو الوهن المتجذر في ذواتهم.
صرخوا مستنجدين.
وهكذا تجلى أمامهم.
بمفهومٍ ما… كان هذا التدخل بحد ذاته عملية إنقاذ.
لأن حياة بني آدم ومياه البحر في هذا المحيط سيّان.
فبعد أن يتحطموا، يعودون إلى العالم في هيئة أخرى…
كان التمثال الإلهي شامخاً فوق لجة البحر، والعملاق الذي يحمل "المذراة" الثلاثية مشتبكاً مع طبقات العاصفة المتراكمة.
ومع سكون العالم، تلاشت العاصفة التي كانت تشتعل عند طرف الرمح الثلاثي تدريجياً.
سار "سيد عرش العاصفة" فوق تمثاله العملاق، واقترب بوئيدٍ من الموضع الذي استقر فيه الرمح الثلاثي، وقد عقد حاجبيه ضيقاً.
فقد طرأت أمامه مسألة استعصى عليه فهمها.
إذ بصفته حاكم القارة الجنوبية بأسرها، فقد كان يتمتع بسلطة مطلقة على محيط القارة وأراضيها المترامية.
وكان يمنح العطايا لـ "أتباعه المخلصين" الذين يتقربون إليه بالعبادة.
كانت الرموز المصنوعة من رقائق الفضة بمثابة هبات إلهية.
أما الرماح الثلاثية المشبعة بالقوة الروحية، فكانت هدايا لا تحظى بها إلا الكنائس التي بلغت شأواً عالياً من الإخلاص والولاء.
كان كل رمح ثلاثي يحوي خيطاً من القوة الروحية الخالدة.
وكان ذلك، في جوهره، نوعاً من "الحماية"… ووسيلة للمراقبة في آنٍ واحد؛ فلم يكن انهيار الكنائس في القارة الجنوبية بالأمر الجلل، إذ كانت الكنائس تتداعى في كل عام، وعندما يتحطم الرمح الثلاثي وتعود روحه إليه، لم يكن الأمر يستغرق سوى دقائق معدودة ليقف شاهداً على نهاية "عمر" تلك الكنيسة.
لكن، وبشكل يثير الريبة،
اختفى خيط من تلك الروح.
ضيق "سيد عرش العاصفة" عينيه، محدقاً في التمثال الإلهي الضخم.
كانت التماثيل من هذا الطراز، والمنتشرة في أرجاء محيط القارة الجنوبية، كثيرة جداً… وجميعها نُحتت على صورته؛ حيث كانت هذه قرابين من الكنيسة، يتمكن من خلالها من سماع الهمسات التي تمجد العاصفة من داخل المحاريب.
وفوق هذا البحر، وبمجرد إعمال فكره، يمكنه النفاذ إلى مواقع "المبجلين".
وفي الواقع.
كانت أصداء ترانيم المديح تتردد يومياً فوق هذا المحيط.
في بداية تشييد التماثيل، كان لا يزال مستعداً للاستمتاع بهذا "الثناء"، ولكن عندما تكاثرت أصوات المديح بشكل مفرط… است استحالت إلى مصدر إزعاج وتشتيت.
إن نداءً بمثل الحجم الذي حدث للتو لم يكن ليجتذب نزوله الإلهي.
لقد جاء إلى هنا… لمجرد التحقق، ولفهم ما حلّ بالضبط بخيط الروح المفقود.
ضيق "سيد عرش العاصفة" عينيه مجدداً.
إذا كانت ذاكرته تسعفه… فإن التمثال القائم أسفله كان قرباناً من "كنيسة الجرس المتأخر".
وكهدية متبادلة، كان من المفترض أن يكون للروح الكامنة داخل ذلك الرمح الثلاثي صلة خفية بهذا التمثال الإلهي… ولكن في تلك اللحظة، انبتت الصلة تماماً، وفُقدت قوته الروحية دون أدنى شك.
توالت في ذهنه ذكريات تخص "كنيسة الجرس المتأخر"… لقد كانت حقاً كنيسة ضئيلة الشأن، لا يكاد يُذكر فيها شيء، والأمر الوحيد الذي استدعى الانتباه هو… أنه قبل نصف عام، قدمت هذه الكنيسة لوحاً حجرياً أثرياً إلى معبده، قيل إنه نُقل من "سهوب التندرا" في القارة الشرقية، لكن لم يفلح أحد في فك رموز النقوش الموجودة على اللوح.
كانت مثل هذه المقتنيات شائعة جداً.
فكل "أثر قديم" يكتنفه الغموض والإبهام يُرجح أنه زيفٌ أو مجرد قطعة تالفة. وعندما أُرسلت تلك اللوحة الحجرية القديمة، صنفها المعبد تلقائياً ضمن هذه الفئة. وبعد أن نقلت كنيسة الجرس المتأخر اللوحة إلى القارة الجنوبية، ورُفض استقبالها كقربان رسمي، اضطرت الكنيسة إلى محاولة فك رموزها بجهودها الذاتية.
وحتى اللحظة… يبدو أنه لم يتحقق أي تقدم يُذكر.
لقد كان وجوداً طواه النسيان سريعاً.
والآن، وبسبب تلاشي القوة الروحية، التفت "سيد عرش العاصفة" إلى هذه الكنيسة الصغيرة.
كان فقدان ذلك النزر يسير من القوة الروحية في حقيقته أمراً تافهاً.
فلو شُبّهت قوته الروحية بهذا المحيط الأثيث،
فإن خيط الروح الضائع… لن يكون إلا كالعاصفة التي سحقها للتو بمنتهى السهولة؛ وبالنسبة لهذا المحيط، سواء وجد ذلك الخيط أم غاب، فلم يكن له أي تأثير يُذكر على الإطلاق.
بيد أن هذا الأمر كان يجافي المنطق.
فهو الإله الأعلى!
وروحه تضاهي محيطاً بأكمله، وما لم يشأ هو ذلك، فلا ينبغي أن تشذ عن طوعه قطرة واحدة!
انغمس "سيد عرش العاصفة" في تأمل عميق، محاولاً استحضار بصيرته الإلهية لاستقراء النتائج المحتملة لهذا الأمر، ليجد أن العاقبة كانت تكتنفها الفوضى والضبابية.
فداخلته الحيرة.
فيما يتعلق بفقدان تلك القوة الروحية، هل يجدر به انتظار عودتها في هدوء، أم يتعين عليه السعي حثيثاً لتقفي أثرها والعثور عليها؟