الفصل 436: الفصل 92 ليلة ينتا الثلجية (الجزء 1)
إقليم التندرا؛ تلك المنطقة الشمالية النائية من القارة الشرقية، التي يُضاهي صقيعها في قسوته مناخ حصون القارة الشمالية، حيث يتجمد كل شيء على مدار العام، ويسود شتاءٌ قارسٌ لا ينتهي.
هنا، لا وجود لشيء سوى الرياح العاتية والثلوج التي لا تعرف الانقطاع!
"ينتا"، اسمٌ لمدينة صغيرة، بقعةٌ منسية لا تكاد تظهر على الخرائط المعتادة. فمناخ منطقة التندرا من القسوة بمكان لدرجة أن قلةً من البشر يجرؤون على المغامرة بالتوغل في هذه الأصقاع المنعزلة. وقد عمدت حكومة القارة الشرقية إلى نصب شبكة حديدية ممتدة حول الطرق الرئيسية المؤدية إلى "ينتا"؛ لتكون بمثابة تحذيرٍ صارم للمسافرين شمالاً بضرورة التوقف وعدم المضي قدماً.
وإلا…
فإن الرياح الهوجاء والثلوج المتراكمة ستواريهم الثرى تحت بساطها الأبيض.
وحدهم "المتسامون" من يملكون الجرأة للسفر إلى هذا الحد، ووحدهم القادرون على بلوغ هذه الوجهة بسلام.
وعلى مشارف مدينة ينتا الصغيرة، شُيِّدت "قبة وقائية" تحاكي في تصميمها "الستار السماوي" الخاص بحصن القارة الشمالية، وهي عبارة عن منظومة تتألف من عدد لا يُحصى من ألواح الطاقة العائمة المُرتبة على هيئة خلية نحل ضخمة. ومع ذلك، لم تكن هذه الألواح تُضاهي تقنيات القارة الشمالية من حيث التكلفة الباهظة، إذ اقتصرت وظيفتها الأساسية على صد العواصف الثلجية، بينما شيد اتحاد القارة الشرقية برجاً سامقاً في قلب مدينة ينتا.
وقد أدت العاصفة الثلجية التي استمرت أربعاً وعشرين ساعة متواصلة إلى انحسار مستوى الرؤية إلى أدنى مستوياته.
بات المتسامون مضطرين لاستحضار قواهم الروحية لمجرد ضمان أدنى درجات "البصيرة" لشق طريقهم.
وفي غسق الليل، كان البرج الشاهق يبث توهجاً مستمداً من "طاقة المصدر"، إشعاعاً وهاجاً بوسعه إنارة عشرات الأميال المحيطة. لترتفع معدلات استهلاك الطاقة في مدينة ينتا إلى مستويات هائلة، مما مكن ضياء البرج من اختراق الثلوج الكثيفة، وضمان سير العمل في المدينة الصغيرة بانسيابية طبيعية رغم حلكة الليل.
وثمة العديد من المدن المشابهة المنتشرة في الجزء الشمالي من التندرا.
بيد أن أولئك الذين امتلكوا الموارد لبناء مثل هذه الأبراج السامقة قلةٌ قليلة.
ففي منطقة "جيانغبي" بأكملها، لا تملك سوى خمس عائلات كبرى ثروةً طائلة تكفي لدعم تشغيل مثل هذه المناطق النائية، وهي عائلات لا تتوانى عن دفع التكاليف بسخاء.
و"ينتا" هي المعقل التابع لعائلة "باي".
وقبل ساعات خلت، تلقت ينتا أمراً عاجلاً بوقف كافة العمليات الاعتيادية، واستدعاء جميع العمال، ومنح تصريح الولوج لنظام "البحر العميق" (Deep Sea)، مع إغلاق كافة "المستودعات" فوراً. وبعد إتمام هذه الإجراءات، لم تعد ألواح الطاقة العائمة المعلقة خارج المدينة قابلة للإغلاق، بل مالت ببطء كحراشف السمك… وهذا ينذر بأن الرياح والثلوج ستجتاح "ينتا" قريباً دون أي عائق، ولن يمضي سوى بضع ساعات حتى تغمر الثلوج المتراكمة المدينة ومن فيها.
"هنا الرمز التعريفي (H-M-Q-H-Z-G-9873)، أبلغكم بأن بوابة المدينة الخارجية مفتوحة… تم الانتهاء من إجراءات التفتيش، وستغلق في غضون ثلاث ثوانٍ، بدء العد التنازلي للإغلاق: 3، 2، 1. اكتمل الإغلاق."
"هنا الرمز التعريفي (H-M-Q-H-Z-G-5782)، أبلغكم بأن بوابة السد الثانية مفتوحة… تمت عملية التخليص، وستغلق في غضون ثلاث ثوانٍ…"
وبعد انقضاء عدة ساعات.
وصل موكبٌ إلى أسوار المدينة تحت جنح الليل.
دوت أصوات التقارير واضحة عبر جهاز الاتصال المركزي لعائلة "باي"، وفُتحت البوابات الأربع المخصصة للدخول والخروج من "ينتا" لوقت وجيز، ثم أُطبقت مرة أخرى بعد التأكد من خلو المنطقة. وفي تلك اللحظة، بدت المدينة من الأعلى وكأنها حصنٌ مُسيج بالصفائح الحديدية.
أو بالأحرى… سجنٌ موصد.
سحقت الإطارات المدرعة للقافلة الثلوج الكثيفة، في مشهدٍ يُحاكي رتلاً من النمل على حقل جليدي، يتحرك في خط متعرج ويتقدم ببطء حذر.
وفي نهاية المطاف، استقر الموكب عند موقع البرج العالي، وهو المقر الرئيسي الذي أسسته عائلة "باي" في قلب المدينة.
كانت ملامح "باي زيشنغ" تنطق بالجدية والصرامة، فقد غادر "تشانغيه" شخصياً لمرافقة "سجين" هذه الرحلة… فتح الباب الخلفي للسيارة، حيث كان رجلٌ يلفظ أنفاسه الأخيرة مستلقياً على المقعد، وقوة حياته تخبو وتتضاءل، وقد جُرَّ جرّاً من السيارة.
وكما قضى أمر "باي شيو"، فسيتم إعدام هذا "المجرم" الليلة.
وقد فوض مجلس أعيان عائلة "باي" الأمر برمته ليد كبير العائلة الثاني.
وهكذا، انطلق "باي زيشنغ" يقطع الليل، حاملاً معه خيوط مؤامرة القتل بأكملها إلى "ينتا"… فبعد أن قاسى الرجل أهوال التطهير الروحي طوال الطريق، لم يتبقَّ في صدره سوى بضعة أنفاسٍ واهنة، وحتى لو اجتمعت له كل معجزات الأرض، فلن يُكتب له النجاة.
لقد كان، بحكم الواقع، رجلاً ميتاً بالفعل.
بيد أنه ما يزال يحمل في جعبته بعض القيمة التي يمكن اعتصارها منه قبل رحيله.
قال "باي زيشنغ"، وهو يجلس بهدوء في مواجهة "المجرم": "لقد وضعته في مستودع التندرا (B-12)… ولكن خلال عملية التفتيش الأخيرة لم يُعثر على أحد هناك. لا أظنك تجهل المكان الذي يتوارى فيه".
كانت ثمة كاميرا مثبتة فوق الغرفة المظلمة لتسجيل وقائع هذا الاستجواب الأخير… فقد تعين عليه ضمان إغلاق ملف هذه القضية بمنتهى الدقة، وتقديم نهاية مرضية للجميع، ولم تكن هذه النهاية تقتصر على مجرد إعدام المتآمر من مجلس الشيوخ.
بل كان عليه القبض على القاتل الحقيقي!
ومن خلال استجواب المسح الروحي… تأكدت عائلة "باي" الآن من أن القاتل ما يزال يقبع داخل المدينة الصغيرة، ولذا، وقبل المغادرة، أُغلقت "ينتا" بالكامل مع تفعيل ألواح الطاقة العائمة المصدرية.
كادت الرياح العاتية والثلوج أن تبتلع المدينة الصغيرة بأكملها.
لكن القاتل الذي نفذ هجومه في البراري المتجمدة اختفى كالشبح وسط الثلوج الكثيفة للمدينة.
لقد كان بمقدوره تحمل البرد القارس تحت بحيرة الجليد في تلك البراري الموحشة.
وكان يسعه أيضاً الصمود أمام عاصفة "ينتا" الثلجية… لكن حاله الآن تختلف عما كانت عليه حينما كان يتربص في تلك المساحات المتجمدة؛ فقد أثخنته الجروح، وفي ظل هذه الظروف المناخية القاسية ومع انعدام فرص العلاج، تُرى إلى متى سيصمد؟
كادت عينا "المجرم" أن تزيغا وتفقدا تركيزهما.
لم تكن إرادته بالصلابة الكافية، وتحت وطأة الاستجواب والتعذيب القسري بالقوة الروحية، وصل إلى "نقطة الانهيار".
لذا لم يكن أسلوب "باي زيشنغ" فظاً، بل اتسم بنبرة هادئة وهو يستهل حديثه قائلاً: "بالنظر إلى الأدوية التي فُقدت من المخزن… فإن إصاباته ليست بالهينة. إنه يشبهك إلى حد ما؛ رجلٌ يمشي نحو حتفه. حتى لو لم أحرك ساكناً واكتفيت بفتح ألواح الطاقة، فسيجمده البرد حتى الموت في ينتا في أقل من أسبوع".