الفصل 149: الفصل 137 الأخوات (الجزء 2)
هبّت نسمة عليلة، حملت معها ذؤابات الريح الأوراق الذابلة فوق التلة الجرداء. كان هواء مدينة "دادو" في أواخر الخريف جافاً، وقد امتصت الرطوبة من عروق الشجر، فتشابكت الأوراق اليابسة معاً، مصدرةً حفيفاً هشاً ينم عن انكسار.
لطمت بضع أوراق جافة وجنتي "سونغ سي" بقوة، في حين كان نعيق الغربان القاسي يتردد صداه من أعالي الجبل، وكأن كل نبرة فيه تؤكد له أن كل ما يحدث حقيقي تماماً.
لقد عادت "شياو لو" بالفعل.
لطالما أمعن "سونغ سي" التفكير فيما سيقوله إن جاء اليوم الذي تعود فيه "شياو لو"… تخيل الكلمات التي سينطق بها حين يجمعهم اللقاء مجدداً، لكن حين حانت اللحظة وباتت واقعاً، تلاشت كل تلك الاستعدادات هباءً؛ إذ فرغ ذهنه تماماً، ولم يسعفه عقله بكلمة واحدة من تلك العبارات التي طالما تدرب عليها أمام المرآة.
على قمة الجبل في خريف العمر، ومع تطاير أوراق الشجر، تسمّر هذا المشهد في الذاكرة، مخلفاً وراءه غلالة من شجن خفيف. وبما أن أحداً لم ينطق ببنت شفة، غرق المكان في صمت مطبق.
انحنت المرأة ذات الشعر الأحمر المربوط إلى الخلف ببطء أمام الشاهد الخشبي، دون أن تغير وضعيتها، ولم يكسر صمت الهواء سوى حفيف الأوراق الذابلة وهي تدور في فلك الريح. وبعد أن أتمت مراسم التكريم، التقطت "نان جين" غمدها ونهضت، ثم خفضت عينيها وهي تقبض على مقبض سكينها المخبأة تحت سترتها الواقية، وبدأت تسير ببطء عائدة من حيث أتت.
"اعذريني."
خرج الصوت خالياً من أي عاطفة. لم تتحرك السيدة، بل وقفت سداً أمام أختها، تحدق في ذلك الوجه الذي نُحتت عليه معالم العناد، وترى انعكاس نفسها في تلك العيون المثقلة بذكريات الغابرين.
"لقد مرّت عشر سنوات…" قالت "لو نانزي" بصوت خفيض: "كنتُ أظن أنكِ لن تعودي هذا العام أيضاً."
"أوَيصنع ذلك فارقاً؟" رفعت "نان جين" رأسها وقالت بنبرة حادة: "سواء عدتُ أم لا، سواء كنتُ حية أم ميتة… هل يعنيكِ ذلك في شيء؟"
"أنتِ أختي." نطق السيدة بهذه الكلمات، لكن حديثها انقطع على الفور.
"لستُ كذلك…" هزت "نان جين" رأسها بإنكار: "لقد نبذتُ اسم عائلتي، وقطعتُ كل صلة تربطني بهذا اللقب. ومنذ اليوم الذي غادرتُ فيه 'دادو'، لم أعد أختكِ."
"لكنكِ ما زلتِ تحملين دماء عائلة 'لو' في عروقكِ." قطبت "لو نانزي" حاجبيها، وهي تجاهد لتبقى نبرتها هادئة ورزينة.
"أجل… إن محو اللقب لا يغير من الواقع شيئاً، فأنا ما زلتُ جزءاً من عائلة 'لو'؛ لأنني الوحيدة التي ما زالت تنبش في مأساة 'زقاق الأسد' التي وقعت قبل عقد من الزمن. ما زلتُ أذكر 'لو' العجوز وهو غارق في بركة من دمائه، وما زلتُ أذكر الزقاق وهو يغص بالمتفرجين، وما زلتُ أذكر الحزن والغضب اللذين أكلَا قلبي. طفتُ في أرجاء القارة الشرقية بحثاً عن الحقيقة والأدلة، لا لشيء إلا لأنني أنتمي لهذه العائلة." رفعت "نان جين" رأسها، وعيناها تتقدان بغيظ مكتوم، وسألتها ببرود يقطع كالسيف: "لكن، ماذا عنكِ أنتِ؟"
أُلجم لسان "لو نانزي" من المفاجأة، وفتحت فاها لتخرج كلمات متقطعة، لكنها في تلك اللحظة لم تستطع صياغة جملة واحدة.
"كانت لي أخت فيما مضى، يراها الجميع عبقرية فذة، بعيدة المنال كالنجم في السماء، تملك من العلم والفضائل ما يفوق أقرانها، وشجاعة نادرة قلّ نظيرها." بدأت "نان جين" حديثها بمرارة: "كنتُ أتخذها قدوة لي، وبذلتُ قصارى جهدي لأكون نسخة منها… لكنني أدركتُ لاحقاً كم كنتُ واهمة. لقد كان كل ذلك مجرد قناع زائف، ولم تكوني تستحقين ذرة من احترامي."
"أجيبي، ماذا فعلتِ بعد وفاة العجوز 'لو'؟" سألت "نان جين" بحزم لا يلين: "بعد سقوط العائلة، من الذي خرج رابحاً من الحطام؟ هل تدركين ما يتهامس به الناس في الأزقة؟ حتى الطفل الصغير بات يعرف الحقيقة التي تتجاهلينها. أنتِ أختي، فكيف طاوعكِ قلبكِ على وضع يدكِ في يد عائلة 'تشاو' التي استباحت إرثنا؟!"
بعد أن ألقت بكلماتها تلك كالقذائف، استدارت قليلاً وتجاوزت "لو نانزي"، لتبدأ رحلة هبوط الجبل وحيدة. أما السيدة، فلم تنطق بحرف واحد منذ ثورة غضب "نان جين"؛ بل لزمت الصمت، ساكنةً كدمية هامدة. كان كل سؤال وجهته إليها "نان جين" بمثابة رصاصة تخترق قلبها، وهي واقفة تتلقى الطعنات بصمت.
وقفت عند آخر درجة حجرية على قمة الجبل، حيث لم يعد بإمكانها رؤية قبر والدها.
"سيدتي… هل أنتِ بخير؟" سأل "سونغ سي" بتعابير وجه مختلطة ومعقدة بعد سماعه لتلك المحادثة القاسية.
لوحت "لو نانزي" بيدها إشارةً إلى أنها بخير، ولم يتغير تعبير وجهها إلا قليلاً؛ فالانتقادات لم تكن غريبة عليها، وهي التي اعتادت على هجمات لفظية وإساءات أشد قسوة… لكن، لو أمعن أحد النظر في عينيها، لمَحَ ومضة عابرة من الحزن العميق حين رأت "نان جين" تبتعد بحزم، وهي الومضة التي سارعت بإخفائها.
"بما أنها قررت العودة إلى 'دادو'، فهذا بحد ذاته خبر طيب." قالت السيدة وهي تتنفس بصعوبة، وصوتها يخرج متحشرجاً: "أنت و'نان جين' صديقان منذ الصبا، اذهب خلفها، ولا تتركها ترحل هكذا."
"… حاضر." تنهد "الغراب" من أعماق قلبه، ثم انطلق مسرعاً نزولاً من الجبل.
لم يبقَ على القمة المهجورة سوى "لو نانزي" وحيدة. اقتربت من قبر والدها، وأخرجت زجاجة نبيذ صغيرة كانت تخبئها في صدرها، وسكبتها ببطء أمام الشاهد الخشبي، لتبلل الأوراق الذابلة، في حين كانت الرياح تعوي حولها بصوت أشبه بالنوح. كان نبيذ "إيقاظ الأسد" من صنع "لو تشنغ" نفسه، وبما أن الكمية المتبقية منه ضئيلة، فقد احتفظ "سونغ سي" بجزء، واحتفظت "لو نانزي" بالآخر، ليُسكب فقط في هذه المناسبة السنوية.
بدأت اللوحة التي نقش عليها اسم "الناظر المجهول لو تشنغ" تكتسي باللون الأحمر القاني نتيجة تشربها للنبيذ. كان ذلك العنصر الروحي يشتعل، محطماً قواعد المنطق، وكأن شخصاً ما قد فتح عينيه فجأة، يحدق في "لو نانزي" بهدوء.
"أبي… هل ترى؟ لقد عادت 'نان جين' وقد كبرت." قالت السيدة برقة، وابتسامة واهنة ترتسم على ثغرها: "لكنها لا تزال كما عهدتها، عنيدة وتتمسك برأيها… في الواقع، أنا فخورة بها؛ فأن تغيب لعشر سنوات وتظل محتفظة بجوهرها دون أن تلوثها البيئة المحيطة، ليس بالأمر الهين."
"لكنها ما زالت عاجزة عن فهم ما أقوم به."
"أدركُ تماماً… ما كنتَ تسعى إليه أنت، وما أسعى إليه أنا."
"ولكني أؤمن أن ذلك اليوم الذي ستفهم فيه كل شيء بات وشيكاً."
ارتشفت "لو نانزي" جرعة صغيرة من نبيذ "إيقاظ الأسد"، فاصطبغت وجنتاها بحمرة خفيفة وظهرت حبات العرق على جبينها.
تابعت بمرارة: "لقد انقضى عام آخر، والجميع يهرولون بيأس بحثاً عن 'المفتاح'… ومن دون هذا 'المفتاح'، قد تنهار قاعة المؤتمرات في منطقة المياه العميقة في أي لحظة، فأولئك القابعون في الغرفة لا يجرؤون على كشف وجوههم الحقيقية." ثم ابتسمت بسخرية: "أحياناً يراودني الشك، هل هذا 'المفتاح' موجود حقاً؟ أم أن الأمر برمته مجرد كذبة كبرى؟"
أومض الضوء الأحمر على الشاهد الحجري كعين ترمش، لكن لا مجيب يوافيها بالجواب.
"في الاجتماع الأخير… زعم أحدهم أنه عثر على 'المفتاح' بل وقام بتسليمه إلى مدينتي…" ضحكت "لو نانزي" بخفة وتابعت: "لكن 'الباب الأحمر' لم يستجب، وذلك الشخص الملقب بـ '031' لم يبدُ لي محلاً للثقة… على أية حال، لا بأس، فليست هذه المرة الأولى التي أبني فيها قصوراً من الأمل ثم أعود بخفي حنين. يمكننا الصمود لسنوات أخرى، لكن أعماق البحار تتطور بوتيرة متسارعة، وأخشى ألا يسعفنا الوقت."
أمام هذا القبر فقط، كانت السيدة تخلع قناعها وتعود كفتاة صغيرة، تبث لواعجها وشجونها دون تحفظ.
"أجل، وهناك نبأ هام آخر…"
"ستبدأ قريباً عملية الترشيح لملء المقعد الشاغر في المجلس."
وبينما كانت تنطق بهذا، لم يكن في عينيها أثر للفرح، بل سخرية لاذعة: "لم يعد بإمكان 'تشاو شيلاي' الاحتمال أكثر، وطالما أنني وافقتُ على تنفيذ 'قانون الصحوة'، فبإمكاني نيل مقعد المجلس في 'دادو' بكل سهولة."
استجمعت شجاعتها، ونظرت إلى شاهد القبر بجدية بالغة وقالت: "لكنني… لا أريد الموافقة."