«لونا ، لا داعي للقلق الزائد ؛ فإيفلين لن تُقدم على فعلٍ كهذا قبل الإحاطة بظروف الموقف ، كما أنها لن تقتله لمجرد هذا السبب ، فبإمكاني استغلال وجوده كذريعةٍ للنزول حين يحين الوقت» ، هكذا أوضحت سيرا بهدوء.
لكن لونا ظلت متشككة ؛ فهي تعرف إيفلين حق المعرفة وتدرك ما اقترفته في حياتها السابقة. ومع ذلك لم تنبس ببنت شفة ، وعزمت على تحذير لي وي بشأن هذا الأمر في الوقت المناسب.
***
بينما كانت غارقة في أفكارها ، تسلّل الصباح ليعمّ الأرجاء. استيقظ لي وي متأخراً قليلاً عن موعده المعتاد إلا أن الوقت كان ما زال باكراً ، حيث كانت لي شين ولي يين تغطان في نوم عميق وتتكومان بجانبه.
نظر إليهما لي وي بابتسامة حانية ، وداعب خصلات شعرهما ، وفجأة لمح ضوءاً برتقالياً صغيراً يطفو بهدوء فوق رأسيهما. وقبل أن يسعفه تفكيره ، ظهرت كرات ضوئية كثيرة بأحجام وألوانٍ متباينة ، مما أثار دهشته.
«أرواح!» تمتم لي وي في أعماقه وهو يراقب كرات الطاقة التي تحوم من حوله.
لم تكن تلك سوى أرواح غامضة أنشأها «نظام العالم» ؛ ونظراً لكون المنطقة من المستوى المنخفض ، فلم تكن أحجامها كبيرة ، وكانت أعدادها قليلة ، لكنها كانت تكفى لملء الغرفة بكثافة.
وقف لي وي مذهولاً أمام هذا المشهد ، فقد كانت تلك الأرواح تحجب عنه الرؤية. و لكن ، ما إن ركّز بصره قليلاً خلفها حتى تلاشت من أمامه ، ولم يتبقَّ سوى المعلومات المتعلقة بها ، مثل أماكن تواجدها ، وألوانها ، وأشكالها حتى وإن لم تكن لديه أي رابطة بها.
«يبدو أن عملية تفعيل الموهبة قد اكتملت» ، فكر لي وي بذهول ، إذ كانت العملية عالقة عند نسبة عشرة بالمئة ، ولم يتوقع بتاتاً أن تكتمل بهذه السرعة. و لكن باستحضار ما جرى في حلمه بالأمس ، استنتج أن نظام العالم ربما هو من أنهى العملية مبكراً لسبب ما.
وعندما شرع في تفقد سجلات النظام ، وجد أن عملية تفعيل الموهبة قد تمت أثناء وجوده في الحلم ، وعرف أيضاً اسم موهبته: «الرؤية الأثيرية».
تسمح له هذه الموهبة برؤية الأرواح والكيانات ذات الصلة ، بالإضافة إلى مزايا أخرى ، كتعزيز حدة بصره وقدرته على الرؤية الليلية دون الحاجة لتفعيل أي مهارة.
بينما كان يقرأ الوصف ، شعر لي وي بدهشةٍ بالغة ، لكنه لم يكترث كثيراً وانصرف لمراقبة الأرواح حوله ؛ إذ كانت تشبه كرات الطاقة ، وهدفها الوحيد العثور على كيان ذي مستوى عالٍ لتبقى بجانبه وتعاونه.
أدرك لي وي ذلك فشعر ببعض الإحباط لعدم قدرته على إبرام عقد مع أرواحٍ تفتقر إلى الوعي. ومع ذلك لم يطل به التفكير ، ونهض للاستعداد دون إيقاظ لي شين ولي يين اللتين كانتا تنعمان بنومٍ هادئ.
حتى بعد انتهائه من الاستحمام كانتا لا تزالان نائمتين ، فلم يوقظهما وتوجه للمطبخ لإعداد الإفطار ، ليتفاجأ بوجود أوليفيا بانتظاره ، وكانت تبدو مرهقةً بسبب قلة النوم ، مما أثار قلقه.
«أوليفيا ، ما الذي حدث ؟ إن كان هناك خطب ما ، أخبريني. سأساعدك مهما كلف الأمر» ، أكد لها لي وي وهو يداعب شعرها الفضي ، ظناً منه أنها قلقة بشأن ماضيها.
ولكن على غير المتوقع ، هزت أوليفيا رأسها خجلاً. «الأمر ليس كما تظن يا أخ لي» ، ردت بنبرة خجلة وهي تسترجع طلب ليلي بالنوم على صدرها في الليلة الماضية ، مهددةً إياها بحرمانها من «جرعة السماء» التي اشترتها لها ، وهو أمرٌ لم تستطع أوليفيا قبوله.
ولم تجد أوليفيا مفراً من الموافقة على طلب ليلي ، بشرط أن تكون على هيئة «وحل» ، وهو ما لم تمانع فيه ليلي ، لتنام في الفراش الوثير والناعم ، غير مدركةٍ أن أوليفيا كانت تعاني من الأرق.
ومع ذلك أقنعت أوليفيا نفسها بأن ليلي ليست سوى أليفة ظريفة ، قبل أن تحظى ببضع ساعات من النوم وتستيقظ باكراً لتعاون لي وي في الطهي. أما ليلي ، فقد كانت مستاءة من مغادرة الفراش الوثير ، لكن بالتفكير في الإفطار الشهي ، قررت التضحية بالراحة من أجل أحلامها في المستقبل ، لتترك أوليفيا أخيراً وهي في حالة إعياء من قلة النوم.
لم يكن لي وي على دراية بأي من ذلك فشعر ببعض الحيرة ، لكنه لم يستفسر أكثر ظناً منه أن الأمر خاص.
«أوليفيا ، إن كنتِ تشعرين بالنعاس ، يمكنك الذهاب للراحة. الأطباق قليلة ويمكنني التعامل معها وحدي» ، اقترح لي وي ملاحظاً عينيها المتعبتين.
لكن بمجرد ذكر ذلك تبدد نعاس أوليفيا ، واومأت بسرعة. «أخ لي ، لست نعسة. دعني أساعدك» ، ردت وهي تقف عند طاولة المطبخ منتظرةً توجيهاته بملامح حازمة.
عجز لي وي عن الكلام ، لكنه هز رأسه وبدأ في إعداد الإفطار بمساعدة أوليفيا.
في غضون ساعة ، أنهى إعداد إفطار فاخر ، وكان الجميع قد اجتمعوا حول المائدة بانتظاره ، لكن وجوههم كانت محمرة وبدت عليهم علامات الخجل ، مما أثار حيرته.
«ما الذي يجري بحق الجحيم ؟ هل يمكن لأحد أن يشرح لي ؟» فكر لي وي وهو يقطب حاجبيه ، فحتى آيرين استيقظت باكراً وكانت تجلس بوجه محمر.
كانت أوليفيا أيضاً تشعر بالخجل ، ولكن بدرجة أقل ، لأنها استخدمت «جرعة السماء» ليلاً ، لعلمها أنها ستطهو مع لي وي في الصباح الباكر ، بينما اتبع الآخرون نصيحة العمة إليزا بدقة لضمان مفعولها بنسبة مئة بالمئة.
وحدها ليلي التي لم تتمكن من استخدام الجرعة كانت تجلس متجهمة بحزن ، تنتظر الإفطار وتخطط لكيفية مباغتة أوليفيا مجدداً.
بقي لي وي ، الجاهل بكل ذلك في حيرة من أمره ، لكنه لم يطل التفكير وسكب الإفطار الشهي للجميع.
«ممم ، أخ وي ، طعامك لذيذ حقاً. و من المؤسف أنك لا تملك مكونات طهي نادرة» تمتمت آيرين بتعبير ينم عن خيبة الأمل.
«آنسة آيرين ، هذه مجرد منطقة من المستوى المنخفض ، فلا تعلّقي آمالاً كبيرة. بالمناسبة ، هل أنتِ جاهزة لما وعدتِ به ؟» استفسر لي وي وهو يتناول قضمة من شطيرة البيض.
أومأت آيرين برأسها بسرعة رداً عليه. «بالطبع يا أخ وي. و أنا جاهزة لضربك في أي وقت تشاء» ، أجابت بنظرة متحمسة ، مما فاجأ لي شين والآخرين الذين لم يكونوا على علم باتفاقهما.
«أخي ، هل ستتبارز مع الآنسة آيرين ؟» سألت لي شين بنظرة مستغربة ، متسائلةً متى أصبح يميل لتلقي الضرب من الفتيات.
نظر إليه الآخرون بالاستغراب ذاته ، مما جعل تعابير وجه لي وي تضطرب. «شين شين ، وأنتن جميعاً توقفن عن النظر إليّ هكذا. حتى لو استطاعت هزيمتي عليكن أولاً سؤالها إن كانت تجرؤ على ذلك أم لا» ، صرّح لي وي بضيق.
وعند سماع ذلك اتجهت أنظار الجميع نحو آيرين التي اومأت كفتاة تعرضت للتعنيف ، خوفاً من أن يحرمها من الثلج الذي تلعب به.
«يا للمسكينة الآنسة آيرين ، تتعرض للمضايقة من قِبَل أخي» تمتمت لي شين وهي تراقبها ، مما أفحم لي وي.
لكنه لم يكترث كثيراً ، فقد توقفت عن مناداتها بـ«أختي في القانون».
«ربما بدأت أخيراً في تغيير رأيها» ، فكر لي وي في شك ، بينما أنهى إفطاره مع الجميع وتوجه معهم نحو قاعة التدريب.
ومع ذلك وقبل أن يصل إلى الطابق السفلي ، رن جرس الفيلا عدة مرات متتالية ، مما أثار ذهول الجميع.
«الساعة التاسعة صباحاً فقط ، من الذي جاء في هذا الوقت الباكر ؟» تساءلت لي شين بحيرة. فلو أرادت إيميلي المجيء ، لأخبرتهم مسبقاً ، ناهيك عن أنها لن تأتي في وقت باكر كهذا.
كان لي وي يشعر بالارتباك حين رن الجرس مرة أخرى بحدة ، مما جعله يعقد حاجبيه.
«شين شين ، ابقين هنا جميعاً. أعتقد أن أحدهم جاء هنا لافتعال المشاكل» ، اقترح وهو ينظر إليهن ، فأومأن بالموافقة ، وتوجه لي وي نحو الباب منفرداً ، متسائلاً عن هوية الطارق.
«هل هو شخص مغرور ، أم ذلك العجوز الخرف لوسيوس قادم لخدعتي مجدداً ؟» فكر بضيق قبل أن يفتح الباب ، ليزداد عقده لحاجبيه أكثر حين رأى أربعة شبان في مقتبل العمر ، في الواحدة أو الثانية والعشرين من عمرهم ، يقفون عند الباب.
كانت تعلو وجوههم ملامح التعجرف التي تليق بملابسهم الفاخرة والمزينة بشعارات النبلاء. و كما قطب الأربعة حواجبهم وهم يراقبون لي وي ، محاولين استراق النظر للداخل ، لكن رؤيتهم كانت محجوبة بنظام «مكافحة التجسس» الذي يمنع أي شخص من الاطلاع على ما بالداخل.
«مهلاً ، ما الذي تحاولون النظر إليه بحق الجحيم ؟ أمواتكم وأخواتكم يمارسن البغاء في مكان آخر ، وليس هنا ، لذا أبعدوا أعينكم عما بالداخل» ، حذرهم لي وي بنظرة باردة وهو يراقب نظراتهم.
لقد أصبحت لي شين والفتيات شهيرات في الحفل ، لذا كثر الحديث عن الرجل الذي يمتلك الفيلا رقم (1) وعن أولئك الفتيات ، إذ رأى الكثيرون لي وي يدخل الفيلا بصحبة فتياتٍ جميلات.
لذا لم يتطلب الأمر سوى القليل من الوقت قبل أن يأتي بعض المغرورين إلى بابه طلباً للمتاعب ، إذ لم يكونوا يعلمون أنه هو «لوسيفر» الذي أباد هجوم الوحوش الغاضبة.