الفصل 202: البطل ما وراء العصر المنسي
البطل ما وراء العصر المنسي
"أستشعر في داخلكِ ضياء البطل… ذاك الضياء ذاته الذي امتلكتُه منذ دهور خلت. "
الآن ، وبعد أن اقترب ذلك الكيان العتيق تمكنت "فيدل " من رؤيته بوضوح ؛ لقد كان رجلاً في منتصف العمر ذو ملامح صارمة. حيث كان وجهه يحمل آثار سنوات لا تُحصى ، ليست تجاعيد ضعفٍ وهوان ، بل ندوباً حفرها الزمن بنفسه. حيث كانت عيناه الحادتان بلون القرمزي الذهبي تحملان عمقاً سحيقاً يجعل التنفس ذاته أمراً شاقاً. انسدل شعره الداكن الطويل خلفه كظلالٍ تتراقص تحت أضواء القلعة الكريستالية ، بينما كانت الأجنحة الشبيهة بأجنحة التنانين المنبثقة من خلف ظهره تشع بضغطٍ طاغٍ.
كان الهواء من حوله يرتجف ، وكل حركةٍ يأتي بها كانت تحمل ثقلاً لا يوصف. لو كان "فيكتور " حاضراً لرأى هذا الشخص لصُعق ؛ فذلك الكيان ليس سوى من أسماه "فيكتور " بالبطل الرابع ، ذلك البطل الذي ظنه ميتاً. حيث كان هذا الكيان العتيق يُعرف لدى "فيكتور " أيضاً بـ "إمبراطور الشياطين أنوس " لكنه الآن كان ينظر إلى "فيدل " بنظراتٍ يملؤها المرح.
ارتسمت على وجهه ابتسامة خافتة ؛ لم تكن سخرية ، ولم تكن عدائية ، بل كانت شيئاً أقرب إلى الحنين. و بالنسبة إليه كان النظر إلى "فيدل " أشبه بالنظر إلى نفسه في الأيام التي كانت يُهتف باسمه فيها كبطل.
في ذلك الزمان..
قبل الخيانة.
قبل سفك الدماء.
قبل أن يدرك القبح المستتر خلف ابتسامات بني البشر.
قبل أن يصير شيئاً يهابه العالم.
كان البطل الرابع قد لاحظ بالفعل تلك العينين الصادقتين اللتين لا تريان سوى العدل ، العينين ذاتهما اللتين كان يمتلكهما في الماضي ، يراهما الآن في "فيدل ".
نقية.
عنيدة.
ساذجة.
وطيبة إلى حدٍ خطير.
ظل البطل الرابع يحدق فيها بصمتٍ للحظات. حيث كانت الفتاة الشقراء تقف أمامه وقد نال منها الإرهاق ، تقبض على سيفها الطويل بقوة رغم أنها كانت محاصرة تماماً. تلطخت ملابسها بالأتربة ، وتغطت بشرتها الظاهرة بجروحٍ عدة ، وكان التعب يغور تحت عينيها الزرقاوين. ومع ذلك حتى الآن.. كانت لا تزال تواجه الخطر بدلاً من الركوع أمامه.
كان هذا وحده يثير إعجابه بشدة. فمعظم الناس ينكسرون قبل الوصول إلى هذه النقطة بكثير. و لكن الأبطال.. الأبطال مختلفون ؛ فهم لا يتحطمون إلا بعد أن يسحقهم القدر تماماً.
تحولت نظراته ببطء نحو الفرسان الذين يطوقون القاعة. و في اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليهم ، ازداد جو المكان ثقلاً بشكل مفاجئ. ارتجف العديد من المرتزقة بوضوح ، وكاد أحد الفرسان يسقط من شدة الذعر. حينها نظر إلى الفرسان الذين كانوا على وشك مهاجمة "فيدل " ؛ فقد كان واضحاً للبطل الرابع أن البطلة التي تقف أمامه يتم التلاعب بها من قِبل أحد القويتقراطيين.
كان هذا هو النمط المعتاد ، مسرحيةٌ يمر بها جميع الأبطال ، وقد شهدها البطل الرابع مراتٍ لا تُحصى عبر التاريخ. ممالك مختلفة ، وجوه متباينة ، وأعذار شتى ، ولكن دائماً ما تكون النهاية ذاتها. يُعبد الأبطال حين يكونون نافعين ، ويُخشون حين يشتد بأسهم ، ويُنبذون عندما يصبحون عبئاً. قد يحدث ذلك بسبب خيانة صديق ، أو لأن نبيلاً ما أعجب بصديقة طفولة البطل ، أو لأن فرداً من العائلة المالكة شعر بالتهديد من قوة البطل. حيث كانت هناك أسباب كثيرة أخرى يمكن ذكرها ، ولكن مهما كان السبب ، فقد كان هذا مشهداً محتوماً في السيناريو الذي يُدعى "حياة البطل ".
عمّ الصمت أرجاء القلعة العتيقة ، ولم يضئ القاعة الحجرية الباردة سوى وميض المصابيح الكريستالية ، بينما خنق التوتر أنفاس الحاضرين. قطبت "فيدل " حاجبيها قليلاً ؛ فهي لم تفهم تماماً ما يعنيه ذلك الكيان العتيق ، لكن لسببٍ غامض ، شعرت أن كلماته تحمل حزناً. ليس غضباً ، ولا حقداً ، بل حزناً يشبه حزن من عاش المأساة ذاتها مراتٍ أكثر مما ينبغي.
دفع هذا البطل الرابع للضحك بصوتٍ منخفضٍ عميق تردد صداه في أرجاء القاعة. ورغم أن الأبطال خُلقوا لينازلوا نوائب القدر القاسية إلا أنه يبدو أنهم هم الذين يظلون مقيدين به. يا للسخرية ، ويا له من حالٍ مأساوي!
خبت الابتسامة عن وجهه ببطء ، وللحظةٍ خاطفة ، بدت عيناه متعبتين ، غارقتين في القدم ، كعينين لشخصٍ فقد إيمانه بالعالم منذ أمدٍ بعيد. ثم فجأة ، عادت نظراته إلى "فيدل " مرة أخرى ، وهذه المرة كان الفضول يملؤها.
"يبدو أنني العجوز الحكيم القوي في قصتكِ ، أيتها البطلة الشابة. "
رمشت "فيدل " بعينيها "…ماذا ؟ "
ارتسم الارتباك على وجهها الجميل ، وتلا ذلك صمتٌ محرج. حتى "أمورا " بدت مشوشة بجانبها في هيئتها الروحية. إن الكيان العتيق المرعب وهو يتحدث كقاصٍ متجول جعل الموقف يبدو سريالياً بشكل غريب. لم تفهم "فيدل " ما كان يتحدث عنه البطل الرابع وهو يضحك أمامها. ومع ذلك خففت من حذرها غريزياً ؛ ليس لأنها تثق به تماماً ، بل لأن كل غريزة في جسدها أخبرتها بشيءٍ واحد: إن أراد هذا الرجل قتلها حقاً.. فلن يستطيع أحدٌ هنا منعه.
بينما كانت "فيدل " تفكر في خطوتها التالية ، خطا البطل الرابع للأمام.
*بووم.*
اهتزت القلعة بأكملها بخفة تحت وطأة خطواته ، وازداد الضغط بشكل مكثف وفوري. استطاع الفرسان أن يدركوا بطريقةٍ ما أن هذا الكيان العتيق ليس في صفهم ، بل هو في صف "فيدل ". انتشر الذعر فوراً بين المرتزقة.
"تحركوا! "
"اهجموا الآن! "
"اقتلوا الفتاة أولاً! "
حاول العديد من الفرسان بيأس رفع أسلحتهم ، وبدأ ساحرٌ بالتلاوة على عجل ، لكن.. لم يحدث شيء. تجمدت أجسادهم ، ليس خوفاً ، بل لأن الضغط المحيط بهم قيدهم في أماكنهم مادياً. أرادوا الهجوم ، لكن ضغطاً غير مرئي جعلهم عاجزين عن الحراك. تصبب العرق على وجوههم ، وبرزت الأوداج في أعناقهم ، وحاول البعض دفع المانا عبر أجسادهم ليتمكنوا من تحريك إصبعٍ واحد.. ففشلوا. حيث كان تفاوت القوة ساحقاً ببساطة.
اتسعت عينا "فيدل " قليلاً ، فحتى هي كانت تكاد لا تتنفس بشكل طبيعي تحت هذا الضغط ، ومع ذلك كانت القوة فى الجوار أخف بشكل ملحوظ مقارنة بالآخرين ، وكأن الكيان العتيق يحميها عمداً. حيث كان البطل الرابع يلفهم بالمانا الخاصة به ، وبدأت الطاقة المحيطة بالقاعة مرئية ؛ طاقة قرمزيّة داكنة تدفقت حول البطل الرابع كبحرٍ لا نهاية له. عتيقة ، عنيفة ، وطاغية حتى الهواء ذاته تشوه حوله.
ثم رفع يده محيطاً جميع الفرسان في الجوار بالمانا الخاصة به. أصيب المرتزقة بذعرٍ تام الآن.
"ا-انتظر! "
"أرجوك..! "
"كنا ننفذ الأوامر فقط! "
حاول أحد الفرسان الزحف إلى الوراء بيأس رغم القوة الساحقة التي تثبته ، وبدأ آخر في البكاء. و لكن البطل الرابع لم يُبدِ أي رد فعل ، ظل تعبيره بارداً ، غير مبالٍ ، كملكٍ يصدر حكماً على حشراتٍ لا قيمة لها.
راقبت "فيدل " بصمت ، وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها. و هذه القوة.. كانت شيطانية. لا.. بل إن وصفها بالشيطانية قد يبدو تقليلاً من شأنها ، فهذا مستوى من الوجود يتجاوز كل ما شهدته من قبل. حتى "فيكتور ".. ولأول مرة منذ وقت طويل قد تساءلت عما إذا كان "فيكتور " نفسه يستطيع هزيمة شخصٍ كهذا.
ثم ما إن انتهى حتى نقر بأصابعه ، فتلاشوا جميعاً. لا صرخات ، لا دماء ، لا انفجارات ، لقد تبخروا ببساطة. و في لحظةٍ كان العشرات من الرجال المسلحين يملؤون القاعة العتيقة.. وفي اللحظة التالية.. لم يبقَ شيء. صمتٌ مطبق.. صمتٌ مرعب.
قبضت "فيدل " غريزياً على "أمورا " حتى "أمورا " ذاتها بدت مهتزة.
"ماذا.. فعلت بهم ؟ " سألت "فيدل " بحذر أخيراً ، وتردد صوتها برفق في أرجاء القاعة الفسيحة.
ألقى البطل الرابع نظرة عليها ، وللحظة ، درست عيناه الحادتان تعبير وجهها ، تفحصهما ، تحكم عليهما ، وربما كانت تبحث عن أثرٍ للخوف. ثم أجاب بهدوء:
"لقد أزلت الضجيج فحسب. "
كانت نبرته عفوية ، وكأن محو عشرات الرجال المسلحين لا يختلف عن نفض الغبار عن كتفه. ابتلعت "فيدل " ريقها قليلاً ؛ هذا الرجل.. كان مرعباً بحق. ومع ذلك وبرغم هذا كله لم تشعر منه بأي شر ، بل شعرت بالإرهاق ، والوحدة ، وشيءٍ مدفون بعمقٍ شديد تحت كل ذلك.. الندم.
التفت البطل الرابع ببطء بعيداً عن الجنود الذين تلاشوا ، ونظر إلى الجداريات القديمة التي تزين الجدران. وللحظةٍ خاطفة ، عاد الصمت ليملأ الغرفة مرة أخرى ، ثم قال بهدوء:
"إنكِ تذكرينني بنفسي أكثر مما ينبغي. "
كانت الكلمات رقيقة ، تكاد تكون بعيدة. و حيث بقيت "فيدل " صامتة ؛ فهي لم تكن تعرف كيف تجيب على ذلك.