لقد فارق "يوان مي " الحياة ، وأحدث فناء هذا الخالد من رتبة "شبه الإمبراطور " عاصفةً هوجاء تلاطمت أمواجها في أرجاء "النطاق الخالد " من جديد.
وقف "شو لاي " يراقب برباطة جأش جسد خصمه وهو يضمحل محترقاً ببطء ، ومع رحيل صاحبه ، بدأ السيف الفضي —ذلك السلاح السحري المرتبط بجوهر حياة صاحبه— يتشظى شبراً فشبر ، ولم يتبقَّ منه سوى المقبض الذي فقد جُلَّ طاقته وسلطانه القديم.
كانت علامات الجدية ترتسم على وجه "سيكونغ جيو " وعيناه تمسحان الأرجاء في ترقب وحذر ، خشية وقوع أي تقلبات مفاجئة في هذا المكان. وبعد طول انتظار ، ساد صمتٌ مطبق ، وعلى عكس التوقعات لم تظهر أي خطط بديلة أو كمائن من العدو "يوان ينغ ".
سأل "سيكونغ جيو " بلمحة من الشك "ما الذي يرمي إليه ’يوان ينغ‘ بهذا ؟ هل أرسل ’شبه إمبراطور‘… ليلقى حتفه فحسب ؟ "
أجاب "شو لاي " بنبرة خافتة "آه ، يبدو أنه لم يكن يعلم شيئاً ".
إن التساؤل الذي طرحه "شبه الإمبراطور " المحتضر من قبيلة "تيان غوي " قد أجاب بالفعل على السؤال الذي كان يختلج في صدر "شو لاي " ؛ فعلى سبيل المثال حتى "تيان غوي يوان ينغ " نفسه لم يكن يدرك يقيناً ما إذا كانت هناك فرصة للخلود في الضفة الأخرى. و لقد كان كل ما جرى مجرد مقامرة من "يوان ينغ " بناءً على أوهامه المنفردة من "النطاق الخالد " ولم يكن فوزه بالرهان مضموناً بأي حال.
"هاهاها! "
ضحك "شو لاي " بملء فيه وأردف "إن ’يوان ينغ‘ مثير للشفقة حقاً ، يتحمل ويلات دورة التناسخ من أجل فرصة خلود لم يكن هو نفسه مستوثقاً منها ".
وقال "سيكونغ جيو " بنبرة يعلوها الندم "يا للأسف أنه تمكن من الفرار ، لو استطعنا القضاء عليه هنا لوفرنا على أنفسنا عناءً كبيراً ".
عقّب "شو لاي " قائلاً "لا بأس ".
في هذه اللحظة لم يعد "شو لاي " في عجلة من أمره ؛ فإذا كان وقته هو قد شارف على النفاد ، فكم بقي من الوقت لـ "يوان ينغ " ؟ كان من الجلي أن الطرف الآخر أكثر منه ذعراً ، وما إرساله لتلميذه "شبه الإمبراطور من السماء الثالثة " ليموت إلا برهانٌ على ذلك.
"سويش ، سويش ، سويش "
اقترب "شو لاي " من تابوت المرآة البرونزية ، فكان سطح المرآة يتغير عارضاً وجوهاً مشوهة واحداً تلو الآخر ، وكان كل وجه منها هو وجه "شو لاي " نفسه. لم يداخله الخوف ، بل نظر إلى الوجه المنعكس في المرآة بفضول واهتمام.
"… "
نفسٌ واحد.. نفسان.. عشرة أنفاس.
تصلبت ملامح "شو لاي " المنعكس في المرآة ، ثم استحال ظلاً داكناً كاد أن يتلاشى ، لولا أن "سيكونغ جيو " انتزعه بقوة ؛ لقد كانت نضوة من الإدراك الإلهيّ لـ "يوان مي " "شبه إمبراطور " قبيلة "تيان غوي " نضوة لا تملك قوة تدميرية.
هتف "سيكونغ جيو " بسخط "إن قبيلة ’تيان غوي‘ مجردة من الضمير حقاً لم يتركوا موبقة إلا واقترفوها! انظر أهذا صنيع الآدميين ؟ أن يتسلط ’شبه إمبراطور‘ على صاحب ’نواة ذهبية‘ صغيرة فهذا أمر ، ولكن أن يلجأ إلى مثل هذه الحيل الدنيئة لإخافة الناس… "
ربما تذكر "سيكونغ جيو " الرعب الذي هيمن عليه يوماً بسبب "تيان غوي يوان ينغ " فطفح كيله وهو يسرد مساوئ قبيلة "تيان غوي " حتى شعر "شو لاي " بالضجيج فقال بهدوء "أطبق فمك ".
أجاب "سيكونغ جيو " بخضوع "حسناً ، فُهم الأمر " ثم أغلق فمه مطيعاً.
فتح التابوت ، وعندما رأى "روان لان " أخت زوجته ، بعد فترة من الغياب ، شعر "شو لاي " بنوع من المودة والشفقة. أطعمها إكسيراً ، وقرص وجنتها بقوة ، مما جعلها تتلوى في نومها بغير راحة وهي تهمس:
"صِهري… "
أجاب "شو لاي " "أنا هنا ".
شعر "شو لاي " بذنب طفيف ، ظناً منه أن صلته بـ "البلاط السماوي " هي التي جعلت أخت زوجته هدفاً لقبيلة "تيان غوي ".
استمرت "روان لان " في تمتماتها "أنت تضايقني.. سأوسعك ضرباً.. هيهيهي ".
"… " صمت "شو لاي ".
"… " صمت "سيكونغ جيو ".
بعد تجرع الإكسير وبفضل تدخل "شو لاي " المباشر لم تستعد "النواة الذهبية " لـ "روان لان " عافيتها فحسب ، بل أصبحت أكثر صلابة وقوة ؛ فحقاً "رُبَّ ضارة نافعة ".
قال "سيكونغ جيو " بحيرة "أيها الإمبراطور الأعلى ، مهما أعملت فكري لا أستطيع أن أفهم لِمَ قيدت تلك السلحفاة الهرمة ’تيان غوي يوان ينغ‘ ’روان لان‘ في هذا المكان ؟ "
أجابت روح "رقعة شطرنج المصفوفات " بصوت أنثوي أثيري فيه نبرة تردد "ربما كان من المفترض أن يأتوا إلى هنا أصلاً ، وكان لقاؤنا بـ ’روان لان‘ محض مصادفة.. لولا تشكيل ’شوهتيان لقتال النجوم‘ لما علم ’شبه إمبراطور‘ قبيلة ’تيان غوي‘ أن لـ ’روان لان‘ علاقة وطيدة بالإمبراطور الأعلى ".
سردت "الأخت تشي " كل تفصيل من رحلتهم دون أن تغفل شيئاً ، فاستحالت تعابير "شو لاي " غريبة شيئاً فشيئاً. أيمكن أن تكون المسأله حقاً… مجرد مصادفة ؟
هتف "سيكونغ جيو " بإصرار "مستحيل! " رافضاً أن يصدق أنها مجرد صدفة عابرة. وكذلك "تيان غوي يوان ينغ " لن يصدق ذلك ؛ فمن بلغ رتبة "الإمبراطور " يدرك أن "لكل ساقطة لاقطة " وأن لكل قطرة ماء قدراً مرسوماً ، فلا مجال للصدف في حساباتهم.
لذا فبمجرد أن علم "يوان ينغ " بالرابط بين "روان لان " و "شو لاي " قطع حبال الوصل بحسم شديد ، وهو الحسم الذي زاد من ريبة "سيكونغ جيو ".
تساءلت "الأخت تشي " بشك "هل يعقل أن ابن زعيم تلك الطائفة الصغيرة الذي ضايق ’روان لان‘ كان مرسلاً من قِبل الإمبراطور العظيم ’تيان غوي‘ ؟ "
قال "سيكونغ جيو " برزانة "ربما ، لست متأكداً ".
تابعت "الأخت تشي " تفكيرها "إذن لا بد أنه أعد خطة بديلة ، وإلا… "
وقبل أن تتم حديثها ، بدأ الجليد القابع في الأسفل ، أو بالأحرى "البحر اللامتناهي " حيث يقع "النطاق الخالد الجنوبي " يرتجف ارتجافاً عنيفاً.
"آه! "
صرخت "الأخت تشي " بذعر ، وبصفتها روحاً لسلاح إمبراطوري كانت حساسة للغاية تجاه الخطر. و شعرت بوجود شيء مكبوت داخل "البحر اللامتناهي " يكاد يتحرر من أصفاده ، وصاحت بذهول "أهناك كيان حي في البحر اللامتناهي ؟! "
بالفعل كان هناك كيان حي. فبالإضافة إلى "زهرة الثلج " التي اتحدت لاحقاً ، اكتشف "شو لاي " أيضاً ، في أعماق سحيقة تحت "البحر اللامتناهي " إحدى "بوابات العوالم الثلاثة " المؤدية إلى "الضفة الأخرى " وسلاسل معدنية إلهية متآكلة ومحطمة تماماً. و لقد حُبس هنا يوماً ممارسان من "الضفة الأخرى " مثل "غو يان " ولم يُعثر على رفاتهما ، مما يعني أنهما نجحا في الفرار. هل كانا هما المقصودين ؟
بينما كان "شو لاي " غارقاً في تفكيره ، رمش "سيكونغ جيو " فجأة وقال "تمهل ، هناك أثر له هالة دورة التناسخ ، أيعقل أن يكون… "
"بحر السامسارا ".
زفر "شو لاي " نفساً عميقاً ، وفجأة تشابكت خيوط كثيرة لم يكن يفهمها لتشكل صورة واضحة في لحظة واحدة. و الآن استقام كل شيء ؛ فبالنظر إلى "النطاقات الخالدة الأربعة " وباستثناء الحوت العملاق المجهول في "عين بحر الشمال " لا يوجد مكان آخر سوى "البحر اللامتناهي " —حيث لا حياة تدبُّ وتنقطع فيه كل الإدراكات الإلهية ، وحيث لا تجرؤ ركاب ذوي "رتبة الإمبراطور " على المضي فيه بخفة— يمكنه إخفاء "بحر السامسارا " في صمت وسكون.
وعلى الرغم من ظهور "أراضي تناسخ " جديدة بفضل موازنة "الطريق السماوي " إلا أن "بحر السامسارا " ظل ورقة رابحة. ولا ريب أن "يوان ينغ " لم يكن ليلقي بهذه الورقة بسهولة ؛ فالأرجح أنه كان ينوي استخدام "بحر السامسارا " للقيام بمناورة ما ، وبمحض الصدفة ، التقى بـ "روان لان ". وبسبب رغبته في تجنب الصدام المباشر مع "شو لاي " ظن "يوان ينغ " خطأً أن وجودها هو مكيدة مدبرة من "شو لاي " لذا تخلى عن هذه الورقة الرابحة بقرار حاسم.
"إذن ، لقد كانت حقاً مجرد مصادفة ملعونة! "
لم يتمكن "سيكونغ جيو " من كبح شتيمته ، وشعر بإحباط لا يوصف ، كأنما سدّد ضربة بكل قوته فلم تصب إلا هباءً ؛ لقد كان يبارز السراب. فبعد كل تلك الفرضيات الجريئة والتدقيقات المضنية التي استنزفت خلايا عقله ، تبين أن الأمر برمته لم يكن سوى سوء فهم.
هز "شو لاي " رأسه بقلة حيلة وقال "الحقيقة أغرب من الخيال " ثم فجأة قشعر بدنه واستحال صوته بارداً كالثلج "سيكونغ جيو ، خذ ’روان لان‘ وارحل فوراً ".
لم يكن هناك أثر لطاقة التناسخ في قاع "البحر اللامتناهي " فحسب ، بل كان هناك شيءٌ جعل "شو لاي " يستشعر خطراً محدقاً.
"أمرك ".
لم ينبس "سيكونغ جيو " ببنت شفة ، وحمل التابوت ثم انطلق يعدو مبتعداً ، فقد استشعر هو الآخر أن خطراً جسيماً يطبخ تحت سطح البحر.
داس "شو لاي " بقدمه بقوة ، فاستقر "النطاق الخالد الجنوبي " الذي كان يهتز بعنف ، ثم وثب غائصاً في "البحر اللامتناهي " وهو يتمتم "باعتراض ’بحر السامسارا‘ قسراً ، أريد أن أرى ما تبقى في جعبتك من حيل ".