**الفصل 124: الاقتناع**
أُشير عليه بالجلوس ، فامتثل لي تشنجزي وهو يتخبط مرتبكاً في محاولة لاستجماع قواه. وما إن استقر في مجلسه حتى انتابه شعور بأنه قد طرح للتو أكثر الأسئلة حماقة في حياته.
في تلك اللحظة ، واتته فكرة مفاجئة وهو الذي طالما كان مؤمناً مخلصاً بالجسديه: «لا بد أن هذا المكان يضاد طالعي».
قال بتلعثم: «أوه ، شكراً».
شعر لي تشنجزي بحرج طفيف وهو يجلس على كرسي صغير في مواجهة آن نينغ التي كانت تجلس بظهر منتصب كأنها سيف مسلول. وبينما كانا يتوسطان المجلس ، جلس السيد تشانغ عن يسارها ، والمدير جين عن يمينها ، وإلى جانبهما فتى صغير.
قالت آن نينغ: «هذا أخي الأصغر ، مهاراته محدودة ، لكن بإمكانه الاستماع إلينا».
بعد هذا التقديم الخاص لـ «آن غوبينغ» ، أمعنت آن نينغ النظر في معصمها وقالت: «أمامك نصف ساعة ، فنحن نشعر بجوع شديد».
«حسناً ، حسناً».
شعر لي تشنجزي بالرهبة أمام سيطرة آن نينغ الواثقة على الموقف ، فخلا ذهنه من الأفكار للحظات ولم يدرِ ماذا يسأل. ساد صمت مطبق ، فلم ينطق هو ، ولم ينبس أحد ممن كانوا في الجهة المقابلة ببنت شفة. ظلت آن نينغ جالسة على كرسيها ، هادئة ووقورة ، تنتظر.
«ما هو الملاءمة الصحيحة بين الحلقة الداخلية للمحمل الدوار والعمود ؟»
«نظام أساس الثقب ؛ أي النظام الذي يتم فيه دمج منطقة تفاوت الثقب ذات الانحراف الأساسي الثابت مع مناطق تفاوت الأعمدة ذات الانحرافات الأساسية المختلفة لتشكيل ملاءمات متنوعة».
طرح لي تشنجزي سؤاله ، فأجابته آن نينغ دون أدنى حاجة للتفكير.
«إجابة صحيحة. السؤال التالي».
توقف لي تشنجزي للحظة مفكراً ، ثم قال: «كيف تجعل الأسطوانة الهوائية مستجيبة وتتخلص من حركتها المتقطعة ؟»
«باستخدام طريقة خنق هواء العادم».
رفع لي تشنجزي رأسه وأومأ موافقاً: «صحيح. كله صحيح».
بعد ذلك طرح لي تشنجزي ثلاثة أسئلة أخرى كان يعرف إجاباتها مسبقاً ، فأجابت آن نينغ على كل منها بطلاقة.
«صحيح. لا تزال الإجابات صحيحة».
نظرت آن نينغ إلى لي تشنجزي الذي اعتراه الذهول وقالت: «لا أحتاج إلى تأكيدك ، أمامك ثماني عشرة دقيقة».
فقال آن غوبينغ: «كل ما تقوله أختي صحيح بلا شك ، إذا كان هناك شيء لا تعرفه ، يمكنك سؤالها ببساطة».
جعلت كلمات آن غوبينغ لي تشنجزي يبتسم ابتسامة باهتة متكلفة ، ثم طلب من آن نينغ ورقة وقلماً ، وشرع في الرسم والتدوين. حيث كانت مسألةً لطالما عجز عن حلها.
«كيف تحلين هذا الضباب ؟»
تناولت آن نينغ الورقة ، طالعت المسأله مرة واحدة ، ثم أمسكت بالقلم وبدأت في الكتابة. حيث كان صوت احتكاك القلم بالورق «خربشة.. خربشة» يجعل لي تشنجزي يمد عنقه بفضول ، مراقباً انسيابية كتابة آن نينغ ؛ فلم يبدُ عليها أنها بحاجة للتفكير ، أو حتى لإجراء حسابات أولية.
«كلا ، ليس هذا هو الأمر. لم تكن المسأله أنها لا تحتاج إلى حسابات ، بل إن مسألة كهذه بالنسبة لها كأنها (واحد زائد واحد يساوي اثنين). لم تكن بحاجة لأي مسودة على الإطلاق».
منذ اللحظة التي بدأت فيها آن نينغ الكتابة حتى انتهائها من النتيجة ، أصبح لي تشنجزي موقناً بأنها عبقرية فذة حقاً.
«إذن ، العباقرة موجودون بالفعل».
كان لي تشنجزي يعلم بوجود العباقرة ، بل إنه يعرف عدداً منهم ، وكان «جيانغ شيا» أحدهم. إلا أن وضع جيانغ شيا كان مختلفاً عن وضع آن نينغ ؛ فالتعليم الذي تلقاه جيانغ شيا في طفولته لا يقارن بتعليم عائلة عادية ، وحتى بعد انتقاله إلى الريف لم يجرؤ أحد على الاستهانة به ؛ لأن الجد جيانغ كان رجلاً مهيباً ، ومن المحال ألا يكون قد لقّن حفيده بعضاً من علمه.
لكن آن نينغ كانت مختلفة تماماً ؛ فقد كانت عبقرية خاماً لم تُصقل ، من ذلك النوع الذي ينجز في مقتبل العمر ما يعجز الآخرون عن إنجازه في حياة كاملة بمجرد تقليب صفحات بعض الكتب. عبقرية كهذه تجعلك تشعر بعجز مطبق.
«ألقِ نظرة ، لقد سهلت الأمر عليك وكتبت الخطوات».
سلمت آن نينغ الورقة للي تشنجزي. ثم أخذها بتعبير يمتزج فيه الحيرة بالانكسار ، وقرأها من بدايتها لنهايتها ، مرة ثم ثانية. تنامى إحساس العجز في قلبه ، وذوت رغبته في منافستها.
«شكراً لكِ ، وأعتذر».
وقف لي تشنجزي معتذراً لآن نينغ: «كنت أعمى البصيرة ولم أدرك عظمة قدرك. و أنا آسف ، وأعتذر عن تصرفي».
كانت آن نينغ قد وقفت بالفعل حين كان يعتذر: «قبلت اعتذارك ، ولا داعي للوقوف عند هذا الأمر».
فيما يتعلق بالعلم ، ما لم تكن القضية مبدئية كانت آن نينغ متسامحة وواسعة الصدر. «في عصر ما بين النجوم كانت التكنولوجيا شيئاً للمشاركة ، وجدت لتوفر حياة أفضل للبشرية جمعاء».
بعد الاعتذار ، شعر لي تشنجزي بخجل طفيف. وجه المدير جين بضع كلمات لتلطيف الأجواء ، ومن الجانب ، نادى «آن سان تشنج» الجميع لتناول الطعام. حيث كان هناك الكثير من الضيوف اليوم ، لذا أضافت «لين تسويهوا» -بعد عودتها من العمل في الحقول- أطباقاً أخرى لتقديمها لهم.
جلس الجميع حول مائدة مستديرة كبيرة ، وبدأ آن سان تشنج ، بصفته المضيف ، في خدمة الضيوف. حيث كانت المائدة عامرة بطبق من الأرانب المطهوة ، ونقانق الدم المطهوة مع الفجل ، والكرنب الصيني المقلي مع فتات لحم الخنزير ، والبيض المخفوق مع الطماطم ، ولحم البطن المقلي مع شرائح اليقطين ، ووعاء كبير من حساء السمك بالتوفو.
بالنسبة لشخص مثل المدير جين كانت وليمة كهذه طعاماً نادراً لا يُفوّت. و في البداية كان لي تشنجزي ينظر بتعالٍ بسيط إلى أطباق الطعام المشتركة ، فقد اعتاد في الخارج على تناول الطعام من أطباق فردية ، لكنه أدرك وجوب اتباع مقولة «عندما تكون في روما ، افعل كما يفعل الرومان» ، فاحتفظ بأفكاره لنفسه.
وحين تذوق لقمة من رأس الأرنب المطهو ، وجد أن مذاقه مقبول ، وعندما جرب السمك بالتوفو ، وجده لذيذاً للغاية. وبعد أن ذاق كل صنف ، وجد لي تشنجزي نفسه يتراجع عن رأيه السابق: «الطعام الصيني ما زال هو الأفضل!».
مع نهاية الوجبة كان الظلام قد خيّم تماماً. ونظراً لتأخر الوقت على المدير جين ورفاقه للمغادرة ، رتب لهم آن سان تشنج المبيت في غرفة «آن غومينغ» ، حيث يمكن لسرير «الكانغ» الكبير أن يتسع لعدة أشخاص دون أي مشكلة.
كانت الليلة حالكة السواد ، وقد تسلق القمر فوق رؤوس الأشجار. وفي غرفة جانبية ، استلقى ثلاثة رجال على سرير الكانغ وأعينهم مفتوحة على اتساعها ، يصارعون الأرق.
«سيد لي ، ما رأيك في يومنا هذا ؟»
أصدر لي تشنجزي الذي كان مستلقياً في طرف السرير ، صوتاً مخنوقاً: «دوماً هناك جبلٌ أعلى ، وأهل الريف حقاً في حالٍ صعبة».
«هذه حقيقة جيدة تدركها...».
لم يقل المدير جين الكثير ، بل اكتفى بقول: «لننم قليلاً» ، وساد الصمت بين الثلاثة.
غمض لي تشنجزي عينيه ، لكن النوم جافاه ، ففتحهما مجدداً في عتمة الغرفة. حيث كان عقله يعج بالاضطراب ، لكنه كان يعاني من ألم جسدي حاد. حيث كان هناك وجع نابض في جسده ، وحين حاول تدليك موضع الألم ، سرعان ما سرى الوجع ليصل إلى ساقه بأكملها. أراد حقاً أن يصرخ من الألم ، لكن صوت الشخير بجانبه جعله يكتم صوته.
«يا للإذلال!».
في تلك الليلة لم ينم لي تشنجزي إلا قليلاً ، وحتى حين كان يغفو كان وجع جسده يوقظه في كل مرة. ومع صياح الديك عند الفجر ، بدأت القرية تعج بالحياة والنشاط. أيقظ المدير جينُ لي تشنجزي ، فنهض مثقلاً بالنعاس ، وحين خرج ، رأى آن نينغ وهي ترتدي غطاء رأسها ، مستعدة للتوجه إلى الحقول.
«هل يستيقظون دائماً في هذا الوقت المبكر ؟»
«بالطبع ، هكذا هي الحال دائماً خلال موسم حصاد الخريف».
تناول المدير جين وعاءً وغسل وجهه بسرعة. اقترب منه لي تشنجزي متسائلاً بصوت منخفض: «لماذا لا تزال آن نينغ تعمل في الحقول ؟ ألم يكن بإمكانها ، بقدراتها ، القيام بأمور أكثر أهمية ؟»
لم يكن المدير جين يملك إجابة لذلك السؤال أيضاً.
«أنا وأنت لن نفهم أبداً عقلية العباقرة».
تظاهر المدير جين بالمعرفة ، وتخلص من ماء الوعاء ، وطلب من لي تشنجزي أن يتجهز للمغادرة. حيث كانت آن نينغ قد أخبرته في الصباح أنها ستنادي عليهم فور انتهائها من التصميم.
تواصل حصاد الخريف ، وكانت آن نينغ تعمل بلا كلل كل يوم ، بينما كانت طاقتها الروحية تتجدد هي الأخرى.
«في منتصف أكتوبر ، أسدل الستار أخيراً على حصاد الخريف».
بدأ منزل عائلة «آن» غير المكتمل -الذي كانوا يعملون عليه كلما سنحت لهم الفرصة- يتخذ شكلاً ملموساً. فقد تم الانتهاء من السقف في وقت سابق ، وكان آن سان تشنج يأخذ كل صباح آن غوبينغ ، برفقة العم «آن» وابنيه ، للعمل فيه قليلاً.
الآن تم تركيب الأبواب والنوافذ الزجاجية ، ولم يتبقَّ سوى بناء سرير الكانغ وتجفيفه بالنار ، ومن ثم يمكنهم الانتقال للعيش فيه.