قالت الصغيرة "شيمو " مباغتةً: «حين أغادر كنف عائلة "وي " يتحتّم عليّ زيارة الأخت "باي "!»
استفهم (يوتشي) في دهشة: «الأخت "باي " ؟»
تراءت لمخيلة (يوتشي) على الفور صورة (باي سيسي) من قصر "وانجيان " لكنه استبعد أن تكون "شيمو " الصغيرة تعرفها ، ثم ما لبث أن تذكر (باي رو) من عائلة "باي " تلك التي كانت تهاديه بـ "حليب البابايا " سابقاً.
«يا لها من ذكريات! لقد طال العهد منذ آخر مرة رأيتها فيها ، إنها لامرأة دمثة الأخلاق ، رفيعة الشمائل. أيعقل أنها كانت تعتني بالصغيرة "شيمو " أيضاً ؟ إن كان الأمر كذلك فمن أوجب الواجبات أن أزورها لأعرب عن امتناني ، فالإحسان لا يُجزى إلا بالإحسان.»
استطردت "شيمو " الصغيرة وهي تُعدد مآثرها بزهو كمن يَعرض كنوزاً ثمينة على عمها الثالث: «الأخت "باي " عطوفةٌ جداً معي ، ورغم أنها لا تأتي كثيراً إلا أنها لا تأتي خالية الوفاض أبداً ، بل تحضر لي دائماً "حليب البابايا " الدافئ ، إنه لذيذ المذاق! ثم تلاعبني لبعض الوقت!»
أجابها (يوتشي): «آه ، حسناً إذاً. وبدلاً من مغادرة عائلة "وي " الآن ، فهذا هو الوقت الأنسب ، هيا بنا لنزورها. وفي غضون ذلك إن رغبتِ في تذوق أي صنف من الطعام في هذه البلدة ، فما عليكِ إلا إخبار عمكِ ؛ فعمكِ لا يضمنكِ شيئاً في هذه الدنيا كما يضمنكِ إشباع هذه المعدة الصغيرة!»
خرج (يوتشي) مع الصغيرة "شيمو " يتنزهان ، وشعر بغبطة غامرة وهو يرى ابتسامة الطفلة البريئة التي لا تحدها حدود ، فارتسمت على محياه هو الآخر ابتسامة عريضة....
وفي تلك الأثناء ، ساد القلق والاضطراب جنبات قصر عائلة "وي " ؛ إذ كان هناك شخص يتملكه الذعر. فبمجرد سماعه بعودة (يوتشي) ، انزوى في غرفته لا يجرؤ على الظهور ، ولم يهدأ روعه قليلاً إلا حين نقلت إليه إحدى الخادمات خبر خروج (يوتشي) و "وي شيمو " معاً.
قالت امرأة مسنة بنبرة ملؤها الانكسار للشاب الواقف أمامها: «يا بني ، لقد جانبت الصواب ، والخطأ يظل خطأً مهما حاولنا تجميله. إنني نادمة أشد الندم لأنني أفرطت في دلالك سابقاً ، ولكن في ظل هذه الظروف لم يعد هناك سبيل لمواراة السوءة. الأفضل لك أن تذهب إليه بنفسك ؛ فالحق أحق أن يُتبع ، والمبادرة بالإيضاح خير من أن يكتشف هو الأمر لاحقاً.»
تابعت العجوز: «كل بني آدم خطاء ، لكن إياك والتمادي في الغي لئلا يتفاقم الأمر ويخرج عن السيطرة ، وحينها ، وبالنظر إلى طباع (يوتشي) الحادة ، فلن يكون بمقدوري حمايتك أبداً.»
تضاعف رعب الشاب فور سماع كلماتها ، وصاح منفعلاً: «أتريدينني أن أذهب إلى (يوتشي) الآن ؟ أنى لي ذلك ؟! لو اكتشف الحقيقة ، فسيكون مصيري الهلاك لا محالة. وأنتِ ، بصفتكِ أمي ، أليس من واجبكِ التستر عليّ ؟ إنكِ تدفعين بي إلى التهلكة ، أهكذا تضحين بفلذة كبدكِ ؟! ولماذا لم تحاولي تدارك الأمر من قبل ؟!»
ارتبدت ملامح الشاب ، وخفض صوته تدريجياً ، لكن نبرة الخوف كانت تطل من بين كلماته. حيث كانت وجهة نظره بسيطة حد السذاجة: لقد أخطأ فعلاً ، فما الضير في التكتم على هذا الخطأ ؟ فما دامت الحقيقة طي الكتمان ، فكأن الخطأ لم يقع أصلاً.
لماذا عليه مواجهة (يوتشي) الآن ؟ فذاك الرجل ذو الهيبة المرعبة في عائلة "وي " يحيط نفسه بهالة من الغموض ، وأهل البلدة لا يحترمونه فحسب ، بل يهابونه ويجلونه إجلالاً يخالطه الذعر.
أرادت العجوز أن تستفيض في النصح ، وأن تثني ولدها عما يدور في خلده ، لكن الشاب قاطع حبل أفكارها ، منهالاً عليها بسيل من اللعنات المريرة حتى غادرت المكان وهي تذرف الدموع.
وقف الشاب وحيداً ، وسرعان ما أصدر أوامره لتابعه: «ابحث عنها ، ومهما كلف الأمر وافق على كل مطالبها ، واحرص كل الحرص على ألا تصل إلى (يوتشي). وإن دعت الضرورة... فأجهز عليها.»
تغلغل القلق في نفس التابع بمجرد سماع الأمر ، وقال بصوت مرتجف: «سيدي الشاب ، إن (يوتشي) ما زال في القصر ، وإذا افتُضح أمرنا ، فستكون نهايتنا جميعاً.»
ضحك الشاب بمرارة وتملكه مسّ من الوعيد: «هه! وهل لدينا خيار آخر ؟ كل هذا بسببه هو ، فلو لم يعد لما واجهنا أي مشكلة!» ثم أردف بنبرة ملؤها التهديد: «تذكر ، هذا الأمر يمسك أنت أيضاً ، فإذا علم (يوتشي) بما حدث ، فماذا ستفعل حينها ؟ قد أنجو أنا من العقاب ، ولكنك ستكون في حيص بيص ولن تجد لك مخرجاً!»
تصبب العرق من جبين التابع ، وقد تملكه رعب مميت ، فأومأ برأسه قائلاً: «سيدي الشاب ، لقد فهمت ، سأذهب فوراً.» قال ذلك وغادر الفناء على عجل ، تاركاً الشاب واقفاً هناك ، وقد ازدادت ملامحه إصراراً وقسوة.
تمتم في نفسه: «سأكون بخير... ما إن تنقضي هذه الغمة ، أقسم أنني لن أعود لمثل هذا الفعل أبداً! لا بد أن الأمور ستسير جيد!»...
وفي هذه الأثناء كان (يوتشي) يجوب بلدة "شوفو " برفقة "شيمو " الصغيرة ، ينهلان من لذائذ الطعام والشراب ، وقد استمتع العم وابنة أخيه بوقتهما أيما استمتاع. واغتنم (يوتشي) الفرصة للسؤال عن أحوال الناس ، متقصياً في خفية عن الجمعيات التجارية وعن عائلة "وي " ليرى إن كان هناك ثمة خطب ما في عيون الآخرين.
ليتبين له في النهاية أنه لا يوجد ما يستوجب القلق. وهكذا ، توجه (يوتشي) أخيراً مع الصغيرة "شيمو " لزيارة عائلة "باي " ولم ينسَ بالطبع أن يحمل معه بعض الفواكه والقرى التقليديه.