Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

صفوف لا حصر لها في نهاية العالم 155

حرب الوحوش الستة الإلهية+


الفصل 155: حرب الوحوش الإلهية الستة

لم تكن عملية الاستدعاء تشبه العبور من صدعٍ أبداً.

فالعبور كان لحظياً تقريباً ؛ خطوةً إلى الداخل ، وخطوةً إلى الخارج ، يتغير العالم بين شهيقٍ وزفير.

أما هذه فكانت مختلفة.

لقد كانت أبطأ ، وكأن القوة التي استدعته أرادت له أن يرى المكان الذي هو قادمٌ إليه ، أو كأن المسافة نفسها جعلت من هذا الانتقال أمراً يستحيل تجاهله.

صار جسده موجوداً في مكانٍ ما بين الأماكن ، وبدأ العالم يتشكل من حوله تدريجياً.

في البدء ، رأى السماء.

كانت مريبةً ، لكنها بديعة في الوقت ذاته. شديدة الوضوح ، طاغية الحضور ، وزرقتها أعمق من أي شيء أنتجه غلاف الأرض الجوي ، تتداخل فيها غيومٌ تتحرك ضد بعضها البعض بأنماطٍ توحي بأن الطقس هناك يعمل بطريقةٍ تختلف تماماً عما هو عليه في الأرض.

وفي مكانٍ ما في الأعالي ، تحرك شيءٌ ضخم عبر تلك الغيوم ، أكبر وأسرع من أي طائرة بناها البشر. اختفى بالسرعة التي ظهر بها ، تاركاً خلفه سحباً منشقةً في مساره.

ثم جاءت الأرض.

كانت هناك سلاسل جبلية شاسعة جعلت جبال الأرض تبدو كأنها تلال ، تضيع قممها تحت غطاء الغيوم ، لتبلغ ارتفاعات لم يصل إليها متسلقٌ بشري قط.

وبين تلك الجبال تمددت وديانٌ من غاباتٍ كثيفة بألوانٍ تعجز الكلمات عن وصفها ؛ خضرةٌ تميل إلى الذهبي ، وظلالٌ تنحدر نحو البنفسجي. وأنهارٌ تلتقط الضوء في الأعماق كأنها خيوطٌ من فضةٍ ملقاة.

وتحت ذلك كله كانت كائناتٌ تتحرك عبر الغابات لم يستطع تسميتها ؛ ليس لأنها كانت متوارية ، بل لأن خبراته السابقة لم تمنحه مفرداتٍ تليق بماهيتها.

وصل إليه الهواء بعد ذلك حتى قبل أن يكتمل وصوله هو بالكامل. حيث كان نقياً لدرجةٍ بدت هجوميةً بعد أشهرٍ قضاها في مدينةٍ مدمرة يملؤها الغبار ، حاملاً معه برودة المرتفعات الممزوجة بشيءٍ زهريٍ ولاذع لا مثيل له في كل ما تنفسه من قبل.

لكن على الرغم من تلك النسمة اللاذعة كان ما زال يتحرك ، عاجزاً عن السيطرة على جسده.

بات الآن أقرب بكثير ، قريباً بما يكفي ليرى تفاصيل العالم في الأسفل.

جرفٌ صخريٌ يرتفع من غابةٍ كثيفة ، سطحه داكنٌ ومبلل ، وشلالٌ ينحدر بجانبه بهدوءٍ وثبات ، كشيءٍ يتدفق منذ زمنٍ أطول مما يمكن لأي كائنٍ حيٍ حاليٍ أن يتذكر.

وصله صوت الشلال حتى هنا ، منخفضاً ومستمراً ، يُحس به في الجسد أكثر مما يُسمع ، من ذلك النوع من الأصوات الذي يجعل الصدر يتردد صداه.

وهناك ، فوق الجرف الصخري نفسه ، وكأن الجبل هو من نما فى الجوار لا العكس ، بُني بناءٌ فريد.

خشبٌ مطليٌ باللك الأحمر وحجرٌ داكن ، مستوياتٌ متعددة تتصاعد مع واجهة الصخر ، وحوافٌ منحنية تلتقط الضوء بأسلوبٍ معماريٍ ينم عن فهمٍ عميقٍ للطقس ، وتصميمٍ وُجد ليدوم طويلاً.

كانت الفوانيس المحترقة على طول ممراتها تتوهج بلونٍ كهرمانيٍ دافئ ، مرئيةً حتى في ضوء النهار. وسلالمٌ نُحتت مباشرةً في الجرف ربطت بين المستويات ، صُقلت بفعل الاستخدام الذي يُقاس بقرونٍ لا بعقود.

لقد كانت أجمل شيءٍ رآه منذ تغير وجه العالم.

ثم تلاشت.

في لحظة كان يرى الجرف الصخري والشلال بجانبه وتلك السماء المستحيلة في الأعالي ، وفي اللحظة التالية كان يحدق في أربعة جدرانٍ وسقفٍ منخفض ، غرفةٍ يملؤها عبق شيءٍ يحترق ببطء ، بخورٌ أو خشب لم يستطع تحديد ماهيته فوراً.

داهمه شعور التوهان بالحدة المعهودة التي تعقب العبور ، لكن هذه المرة كان أشد ضراوةً بمراحل.

حبس أنفاسه للحظةٍ بينما كان يوازن وقفته.

كان الخشب الداكن يضغط من كل جانب. وتحت قدميه كان الحجر بارداً بشكلٍ غير طبيعي حتى عبر حذائه.

نافذةٌ ضيقةٌ تقطع الجدار ، تسمح بمرور خيطٍ شاحبٍ من ضوء الشلال. تدلت فوانيس في حوامل حديدية على طول الجدران ، شعلاتها منخفضة وساكنة تماماً ، كأن الغرفة لم تتعلم كيف تتنفس.

وفي نهاية الغرفة ، جلست شخصيةٌ بدأ يتعرف عليها ببطء ، مستقرةً على كرسيٍ أراد أن يكون عرشاً ، لكنه لم يبلغ ذلك المقام تماماً.

انسدل ثوبها فى الجوار من حريرٍ فضفاض ، بلون صباح الشتاء ، يضطرب نسيجه بخفةٍ مع تيار هواءٍ لم يستطع هو الإحساس به. وحيث تفتحت طيات الحرير ، برزت ساقاها المتقاطعتان ، ناعمتين وشاحبين كحجر اليشم الأبيض.

وتساقط شعرها الأبيض الفضي فوق كتفيها النحيلين بكمالٍ عفويٍ لا يحتاج إلى تكلّف.

وعلى رأسها ، انتصبت أذنان لم تنتميا لأي بشر ، وخلفها تمايلت الذيول التسعهٍ بإيقاعٍ بطيء ومستقر و كل واحدٍ منها بلون شعرها الفضي الأبيض ذاته.

كانت عيناها القرمزيتان اللتان تشبهان عيني السنور تحدقان به بالفعل.

ساد الصمت للحظةٍ طويلة بينما التقت نظراتهما.

استمر الشلال في انحداره خارج النافذة الضيقة ، غير مكترثٍ بكل ما يحدث في الغرفة.

قال أخيراً "أيامي " وفي تلك اللحظة ، انحنت شفتاها المكتنزتان بابتسامة.

"لقد طال الغياب يا عزيزي دامون. "

فكت تشابك ساقيها ببطء ونهضت عن الكرسي بتلك الرشاقة غير المتعجلة التي يتميز بها من لم يضطر يوماً للركض خلف ما يبتغيه.

استقر حرير ثوبها فى الجوار بينما وقفت ، وسحب حاشيته قليلاً على الأرضية الحجرية.

ثم سارت نحوه.

ارتطم كعباها بالحجر مع كل خطوةٍ بإيقاعٍ بطيء ومقصود ، ملأ الغرفة الهادئة كما ملأ الشلال الوادى في الخارج ؛ إيقاعٌ ثابتٌ ، غير متسرع ، ويستحيل تجاهله.

توقفت حين أصبحت على بُعد بوصاتٍ منه فقط ، تحدق في عينيه مباشرةً وكأنها تقرأ في نظراته كل ما مر به.

عن كثب ، بدت تماماً كما يتذكرها ، ولا تشبه شيئاً مما يتذكره في الوقت نفسه. سكنت ذيولها التسعة تماماً ، مما أخبره بأنها كانت أكثر تركيزاً مما يبدو على وجهها.

تحركت نظراتها ببطء عبر جسده ، تستوعب أكثر من مجرد ملامح وجهه ، كأنها تحصي كل ما فاتها منه.

ثم أغلقت المسافة الأخيرة بينهما ، والتفت ذراعاها حول عنقه كأنهما لم تفارقاه قط.



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط