الفصل 551: تطهير الوطن
لم تكن عملية نقل السكان المتناثرين في مختلف أرجاء "دولة تشو الخالدة " العظيمة إلى "مدينة الملك " بالمهمة الهينة ، فقد واجهوا في خضم هذا المسعى صعوبات جمة ؛ إذ كان أحد جوانب تلك التحديات هو إحجام البعض عن ترك ممتلكاتهم التي كدّوا في جمعها لسنوات طويلة ، الأمر الذي تطلب منهم بذل جهود حثيثة لإقناعهم.
علاوة على ذلك كان معظم هؤلاء الأفراد من عامة الفانين (البشر العاديين) ، غير القادرين على التحليق باستخدام أدوات الخلود ، ولم تكن أجسادهم مهيأة لتحمل مشاق السفر والارتحال مما استلزم توفير عدد كبير من "سفن التحليق " لنقلهم. وحتى مع حشد كامل أسطول سفن التحليق في دولة تشو الخالدة لم يكن بوسعهم نقل أكثر من مائة ألف شخص في المرة الواحدة.
وإلى جانب الكثافة السكانية كانت هناك ثروات تراكمت على مر السنين في مختلف المقاطعات والأقاليم عبر أرجاء البلاد ، فضلاً عن نتاج المواقع الروحية. تضمنت هذه الثروات أحجاراً روحية ، وخامات روحية ، ومواد متنوعة ، وهي تختلف كلياً عما يملكه الفانون في منازلهم ، ولا يمكن تركها تضيع سدى.
اقترح البعض على "وانغ هونغ " التخلي عن هؤلاء الفانين ، بحجة أنهم في الوقت الراهن لا يشكلون أي نفع مباشر ، بل إنهم في حقيقة الأمر يمثلون عبئاً ثقيلاً. و لكن وانغ هونغ رفض هذه الفكرة رفضاً قاطعاً ، مؤكداً أن كل فرد منهم هو مواطن في دولة تشو الخالدة ، وبصفته ملكاً عليهم ، فإنه لا يمكنه التخلي عن أحد. حيث كانت كلمات وانغ هونغ حازمة ، تركت أولئك الذين حاولوا إقناعه يشعرون بالخجل من أنفسهم.
في الواقع ، في الوقت الحاضر ، وبجانب ممارسي الخلود رفيعي المستوى كانت القوة القتالية القاعدية لدولة تشو الخالدة تتألف بالكامل من المحاربين الفانين. فقد كان "جيش قمع الشياطين " برمته مكوناً من هؤلاء المحاربين ، وكذلك عشرات الآلاف من الجنود المجندين حديثاً. ولم يكن معظم هؤلاء المحاربين قد نشأوا في هذا الوضع القاسي ، بل كانت لهم عائلات وأصدقاء ، وعلى الأقل بعض الجيران المألوفين. لذا فإن التخلي عن أحبائهم ثم مطالبتهم بالخوض في غمار المعارك كان سيؤدي بلا شك إلى تقويض معنوياتهم. بالإضافة إلى ذلك كانت لدى وانغ هونغ اعتبارات أخرى تتعلق بهؤلاء الفانين العاديين.
بينما كانت سفن التحليق تنقل الناس باستمرار إلى مدينة الملك كان هناك أفراد مسؤولون عن استقبالهم ، وتدبير مساكنهم ، وحفظ سجلاتهم. وخلال هذه الفترة ، خُصصت عشرون سفينة تحليق لنقل المحاربين المسلحين خارج المدينة يومياً ، وكانت هذه السفن تعج بالجنود المدججين بالسلاح. حيث كان هؤلاء الجنود جميعاً من المجندين الجدد خلال السنوات القليلة الماضية ، ورغم خضوعهم لسنوات من التدريب إلا أنهم لم يختبروا أهوال الحرب الحقيقية بعد. حيث كان الغرض من إخراجهم الآن هو تعويدهم على القتال مسبقاً ، ورؤية الدماء ، واكتساب خبرة ميدانية.
كان هدفهم في القتال هو وحوش الشياطين التي تفرقت في أرجاء دولة تشو الخالدة. فلم يكن بينهم أي وحش شيطاني من الدرجة الثالثة ، بل كان أعلاهم من الدرجة الثانية فقط ، لكن أعدادهم مجتمعة كانت تفوق إجمالي عدد سكان دولة تشو الخالدة. حيث كانوا منتشرين في أرجاء المنطقة ، ولم يكونوا في الظروف العادية يشكلون تهديداً يذكر ، لكن الظروف الراهنة اختلفت ؛ فلو شنت "عشيرة الشياطين " هجوماً واسع النطاق ، فإن هذه الوحوش المتفرقة ستقع حتماً تحت سيطرتهم ، لتصبح قوة تابعة لهم. لذا كان الهدف الآن هو القضاء على كل وحوش الشياطين داخل حدود دولة تشو الخالدة قبل غعشيرة زو الشياطين ، بحيث لا يُبقى لهم أثر.
بغض النظر عن نتيجة هذه المعركة ، إذا خرجوا منتصرين ، فسيحصلون بطبيعة الحال على المزيد من وحوش الشياطين منخفضة الدرجة. أما إذا هُزموا ، فلن يعد لأي من هذا أهمية.
على متن إحدى سفن التحليق ، جلست "يانغ تييزو " متربعةً ، وكان يرافقها شاب يُدعى "غو وي ". منذ أن شهد وفاة والده "غو تشنج يانغ " واختفاء والدته ، عانى غو وي الذي كان بريئاً فيما مضى ، من اضطرابات عاطفية شديدة. استغرق الأمر منه سنوات عدة ليتعافى تدريجياً ، لكن مزاجه لم يعد مرحاً ومنطلقاً كما كان ، بل أصبح أكثر انطواءً وكآبة. طوال تلك السنوات ، كرس نفسه لـ "تدريبه " (تنمية قدراته الروحية) ، متجنباً الاتصال بالغرباء. وعندما وصل أخيراً إلى ذروة مرحلة "بناء الأساس " أهداه وانغ هونغ حبة "الجوهر الذهبي ". كان محظوظاً ، وبمساعدة تلك الحبة ، ارتقى أخيراً ليصبح ممارساً في مرحلة "الجوهر الذهبي ".
تطوع "غو وي " للانضمام إلى الجيش ، وكان يقود الآن عشرة آلاف من المجندين الجدد. واليوم كان دور القوة التي يقودها للخروج إلى ساحة المعركة. أما يانغ تييزو ، فقد انضمت للمعركة بدافع الصداقة ، لتدعم غو وي.
قالت يانغ تييزو مطمئنة إياه "يا شياو وي ، لا داعي للتوتر. لا يوجد حتى وحش شيطاني واحد من الدرجة الثالثة بين هؤلاء. و لديك عشرة آلاف جندي تحت قيادتك ، فقط نظّمهم في تشكيلات ، وسيكفيهم هجوم واحد لتشتيتهم ".
رد غو وي نافياً توتره "لست متوتراً على الإطلاق ، لكنكِ تصرين على تذكيري بأنها مرتي الأولى ، وتلحين في تقديم النصائح لي ".
ابتسمت يانغ تييزو بوجهها الطفولي الجذاب وقالت "حسناً! لقد أصبحت جريئاً جداً ، ما رأيك أن نتنازل (نتدرب على القتال) لاحقاً ؟ ".
شعر غو وي بالخوف من كلماتها ، فتراجع سريعاً عن تصريحه ، معترفاً بأنه كان متوتراً بالفعل. لم يدرك قط كيف تورط مع هذا الكائن الشيطاني ذي الوجه الطفولي. و على أي حال انتهى بهما المطاف بقضاء الكثير من الوقت معاً ، ولسوء حظه لم يكن غو وي قادراً على هزيمتها في أي نزال. و لقد رضخ ذلك الشاب الناري للواقع بعد هزائم متكررة ، ولم يعد بوسعه إبداء أي مقاومة.
استغرق الأمر يوماً كاملاً لسفن التحليق العشرين لنقلهم إلى وجهتهم ، وبعد أن أنزلتهم ، استدارت السفن وغادرت ، إذ كانت هناك مجموعات أخرى من القوات بانتظار دورها في مدينة الملك. أخرج غو وي لفافة من اليشم للتأكد من المعلومات ، ثم هتف "الجميع ، اتخذوا مواقعكم! ".
بسرعة ، تشكل عشرة آلاف جندي في هيئة قتالية ، واقفين بصمت على حافة سهل عشبي. ووفقاً للمعلومات الاستخباراتية كان هناك تجمع لما يقرب من خمسة عشر ألفاً من وحوش الشياطين هنا. حيث كانت مهمتهم الأولى هي القضاء على هذه المجموعة. جمع غو وي القادة العشرة ورتب خطة الهجوم "ستهاجم الفرق الأولى والثانية والثالثة من الشرق ، بينما تهاجم الفرق الرابعة والخامسة والسادسة من الجنوب ، وتهاجم الفرق السابعة والثامنة والتاسعة من الغرب. أما الفرقة العاشرة المتبقية فستنصب كميناً على بُعد خمسين ميلاً شمال الفجوة. هل الخطة واضحة للجميع ؟ ".
بعد أن أنهى غو وي ترتيباته ، هتف عالياً "هل الخطة واضحة ؟ ".
بعد أن رد القادة العشرة بصوت واحد ، استداروا وبدأوا في تنفيذ الخطة كما اتفقوا. وبينما كان غو وي يضع الخطة القتالية ويوزع المهام ، وقفت يانغ تييزو جانباً تنظر إليه بابتسامة وعيناها كالهلالين. فعندما كان غو وي يؤدي مهامه الرسمية لم تكن تزعجه أبداً ، ولأي شخص لا يعرفها كانت تبدو كسيدة وديعة.
بعد الانتهاء من توزيع المهام ، حلق غو وي ويانغ تييزو في السماء لمراقبة الوضع بالأسفل. وصلت الفرق العشر بسرعة إلى مواقعها المحددة. ومن المثير للدهشة أن وحوش الشياطين منخفضة الدرجة في السهل العشبي لم تكن تدرك وجود حصار ، واستمرت في اللهو في عالمها الخاص. ومع وجود غو وي في الأعلى ، انطلقت "تقنية كرة النار " الضخمة من السماء وهوت كالرعد نحو مجموعة الوحوش بالأسفل. وفي الوقت ذاته ، اندفعت الفرق الثلاث نحو الداخل من اتجاهاتها.
حافظت كل فرقة من ألف جندي على تشكيلها أثناء تقدمها السريع ، وكانوا يمسكون أسلحتهم بقوة مشكلين جداراً صلداً ، ضاغطين في اتجاه وحوش الشياطين. حيث كان كل واحد منهم يرتدي درعاً صُنعت من جلود وحوش الشياطين المكررة ، مع تعزيز بعض المناطق الحيوية بأصداف متينة. سمحت لهم هذه الدروع بمواجهة هجمات الوحوش بثقة.
اصطدمت أعداد لا تحصى من وحوش الشياطين المذعورة -في خضم ارتباكها- مباشرة بالجدار البشري المكون من الجنود ، فلم تجد أمامها سوى الموت. ولم يجد سوى القليل المحظوظ منها فجوة نحو الشمال وفروا هاربين ، لكن لسوء حظهم كانت الفرقة العاشرة في انتظارهم على بُعد خمسين ميلاً.