**الفصل 507: نصرٌ مؤزر**
قاد وانغ هونغ أكثر من سبعين من مزارعي «الجوهر الذهبيي» في حصارٍ شاملٍ ومحكم حتى أثخن في عدوه «تشنج يو» وأنهك قواه الروحية تماماً ، ثم أحال جسده رماداً بنيران «غراب الشمس الذهبي».
ويا له من أسفٍ على خسارة وحشٍ شيطاني من الدرجة الرابعة كهذا ؛ إذ لم يترك خلفه شيئاً ، لا جسداً ولا لُبّاً شيطانياً ، ولا فراءً أو دماءً جوهريةً أو أوتاراً ، وكلها كانت كنوزاً لا تُقدّر بثمن.
غير أن وانغ هونغ عثر في النموذج الذي تفحم فيه «تشنج يو» بنيران الغراب الذهبي على صفيحةٍ معدنية ، وقد أدهشه أنها بقيت سليمةً تماماً رغم ألسنة اللهب. ولخبرته الواسعة في صياغة الأدوات ، وقف حائراً أمام المادة التي صُنعت منها تلك الصفيحة ؛ فهي في حجم كف اليد ، ليست ذهباً ولا خشباً ، باردة الملمس ، ومزخرفة برموز غامضة.
حاول وانغ هونغ بث طاقتة الروحية فيها ، لكنها لم تستجب ، فأمعن النظر فيها طويلاً دون أن يدرك كنهها ، فآثر الاحتفاظ بها جانباً.
في هذه المعركة كان عدوهم اللدود هو «بطريك الثعالب الزرقاء» من الدرجة الرابعة ، ولم يكن وانغ هونغ يملك يقيناً في هزيمته ، لذا لجأ إلى شن هجومٍ مباغتٍ حين كانت «جبال تشنجشو» في أضعف حالاتها. والآن ، وقد زال هذا الخصم الجبار لم تعد الوحوش الشيطانية المتبقية -رغم قوتها- تشكل تهديداً يذكر.
أبلغ العجوز «سلوبي داو» وانغ هونغ قائلاً: «أيها الأخ الأصغر وانغ ، خسرنا في هذه المعركة ثمانية رجال ، وأُصيب خمسة وعشرون آخرون جرى علاجهم».
تنهد وانغ هونغ قائلاً: «ما زال الأمر دون المأمول ؛ فنحن أمام وحوش الدرجة الرابعة نبدو أضعف من أن نصمد أمام كامل بأسهم».
لو لم تكن الأمور قد بلغت بهم شأواً اضطروا فيه للقتال قتال المستميت ، لكان العشرات من الناس كافين لصد وحشٍ من الدرجة الرابعة ، لكنهم حين واجهوا وحشاً يقاتل قتال اليائس لم يكن أمامهم بدٌ من منازلته وجهاً لوجه. وإلا ، فإنه حتى مزارع «الروح الوليدة» قد يهزم خصمه دون عناء ، لكن منعه من الفرار يظل معضلةً كأداء. لذا فإن آخر موجة من الإصابات كانت ثمناً لمنع «بطريك الثعالب الزرقاء» من الهرب.
خاطب وانغ هونغ ليو تشانغشنغ أمام مرؤوسيه شاكراً: «أيها الأخ الزميل ليو ، شكراً لمساندتك في هذه المعركة ، وستلقى منّا تكريماً يليق بك لاحقاً». فقد كان الجميع ينظرون إلى علاقتهم بـ «شركة طريق الخلود التجاري» كشراكة عمل ، وكان لزاماً عليهم الحفاظ على هذا المظهر.
أجاب ليو تشانغشنغ: «أيها الأخ الزميل وانغ ، لا داعي للتكلف ، فنحن أبناء جنسٍ واحد ، ومن واجبنا أن نتآزر».
تبادل وانغ وليو عبارات الود ، ثم رتّبا لنقل المصابين إلى مكانٍ قصيٍّ للتعافي ، قبل أن يعلن وانغ هونغ: «أيها الجميع ، لقد قُتل بطريك الثعالب الزرقاء ، وعلينا اغتنام الفرصة لاجتثاث بقايا طائفة الشياطين الغازية». وأضاف: «سأقود الهجوم في المقدمة ، وسيتولى الأخ الأكبر تشو الميمنة ، وجيا ليانغ الميسرة ، فاتبعوني لننغمس في قلب جحافل الوحوش».
دون تردد ، قاد وانغ هونغ أكثر من أربعين من مزارعي «الجوهر الذهبيي» واقتحموا جحافل الوحوش ، مخترقين صفوفهم من الخلف كسكينٍ حامٍ يخترق الزبد ، فلم يجدوا أي مقاومة. شقوا لأنفسهم مساحةً واسعة وسط حشود الوحوش ، ثم انقسموا إلى أربع فرقٍ صغيرة لإحاطة الوحوش وقتلها ، فكانوا كالجزار الماهر الذي يفري الفريسة بحد سيفه حتى لا يترك منها شيئاً.
وسرعان ما انتشر نبأ مقتل «بطريك الثعالب الزرقاء» بين جحافل الوحوش ، مما أفقدها الرغبة في القتال. ومع اقتطاع وانغ ورجاله للقسم الثاني من الحشود ، انهار التنظيم تماماً ، ولم يعد أي وحشٍ يجرؤ على مواجهة أبناء البشر. وفي الوقت ذاته ، انقسم مزارعو «جبال يونشيا» إلى ثلاث مجموعاتٍ كبرى بقيادة «لوه تشونغجي» ، و«تشانغ تشونفنغ» ، و«هو جيان» ، لمطاردة فلول الوحوش.
وبما أن طائفة الشياطين قد هُزمت شر هزيمة لم يرد وانغ هونغ إضاعة الوقت في ملاحقة الوحوش الضعيفة ، فقد كان هناك من المزارعين الأقل رتبة من يتولى أمرهم.
أمر وانغ هونغ قائلاً: «تفرقوا ، وأعطوا الأولوية لصيد وحوش الدرجة الثالثة». كان في هذه الجحافل أكثر من مئة وحشٍ من الدرجة الثالثة ، ورغم مقتل بعضها سابقاً ، فقد بقي منها ما يقرب من ثمانين إلى تسعين وحشاً. وتحت قيادة وانغ هونغ ، انطلق مزارعو الجوهر الذهبي ، وانضم إليهم الثمانون عضواً من شركة طريق الخلود الذين كانوا متخفين وسط الحشود.
ورغم بقاء العديد من وحوش الدرجة الأولى والثانية إلا أنها فقدت الكثير من قوتها في الجولات السابقة ، ولم يبق منها سوى عشرة آلاف تقريباً ، لكنهم عند تراجعهم اصطدموا فجأة بجمعٍ غفيرٍ من «الفانين» الذين سدوا طريقهم. حيث كان هؤلاء الفانون مختلفين عن المعتاد ؛ فقد كانوا أقوياء الأبدان ، وثابتين في وجه الوحوش.
وما زاد من حنق الوحوش وشعورها بالضيق ، تلك النظرات الجائعة المتقدة في عيون هؤلاء الفانين ، وكأنهم عُجّازٌ عطاشى وقعت أعينهم على غانيةٍ حسناء. حيث كان الفانون في قمة حماسهم ؛ فصيد وحشٍ أو اثنين كان يُكلفهم جهداً جهيداً ، أما الآن ، فقد صار أمامهم هذا الكم من الوحوش الهاربة الذليلة ، فغمرتهم السعادة.
فكل وحشٍ يقتلونه يعني لهم حبة «جوهر» إضافية ، وقد تعلموا من المعلمين الخالدين فنون معالجة لحوم الوحوش التي صار مذاقها لا يُنسى. و لقد باتت تلك الوحوش في أعينهم مجرد الحبوب جوهرٍ تمشي على الأرض ووجباتٍ شهيةٍ تنتظر القطاف.
وبين مطاردين خلفهم ، وحواجز أمامهم لم ينجُ من الوحوش الضعيفة المنسحبة إلا القليل.
بعد انقضاء المطاردة ، أبلغ «شو لون» قائلاً: «يا سيد الشرق ، لقد عاد جميع المزارعين الذين خرجوا لصيد وحوش الدرجة الثالثة».
سأله وانغ هونغ: «جيد ، كم كان إجمالي ما قضيتم عليه ؟».
أجابه «شو لون»: «حسب الإحصاء ، قضينا -مع فرق الصيد وشركة طريق الخلود- على ثمانية وستين وحشاً من الدرجة الثالثة ، لكننا فقدنا رجلاً واحداً وأُصيب خمسة».
تنهد وانغ هونغ: «آه ، رغم تفوقنا ، تظل الخسائر في المعارك أمراً لا مفر منه». ففي الحرب قد تقع المفاجآت ، ولا يمكنهم الركون للراحة حتى وهم في قمة النصر. وأضاف: «دعونا من هذا الآن ، فمن المرجح أن فصائل طائفة الشياطين قد ضعفت كثيراً بعد هذه المعركة. لذا يا تشانغ تشونفنغ ، ويا لوه تشونغجي ، نظّما فرقكما بسرعة لتطهير كافة معاقل طائفة الشياطين في هذه المنطقة».
بعد أن قُضي على معظم وحوش الدرجة الثالثة في أراضي عشيرة الثعالب الزرقاء ، رأى وانغ هونغ فرصةً لاخذ الأراضي التي كانت تحتلها تلك الطائفة ، أما عن المجموعات الصغيرة ، فقد أضاف: «اتركوا العشائر الصغيرة ذات الأعداد القليلة والوحوش الضعيفة لتمضي لحال سبيلها ، فقد تكون مفيدةً في تزويد الفانين مستقبلاً ، خاصة إذا توسعنا في هذه الأنحاء».
فبعد أن كان تدريب الفانين مقتصراً على محيط جبال «يونشيا» ، أصبحت الفرصة مواتية لتعميم هذا النظام في أرجاء المنطقة كافة. و انطلق «لوه تشونغجي» و«تشانغ تشونفنغ» بفرقهما لبدء المهمة.