الفصل 256: نصرٌ آخر
مرّت عشرة أيام أخرى ، وفي هذه الأثناء استقرّ حالُ "القرد النحيل " كما أتمّ "تشاو نينغ " بنجاح مرحلة بناء الأساس ، وانصرف إلى توطيد دعائم رتبته. ومع انضمام تابعين اثنين إضافيين في مرحلة بناء الأساس لم يعد "وانغ هونغ " يخشى الهجمات الخلفية ، فأعلن تحدّيه لعائلة "غاو ".
ولمّا كانت عائلة "غاو " تمتلك اثنين من المزارعين في المرحلة المتوسطة من بناء الأساس ، فقد قبلوا تحدّي "وانغ هونغ " دون تردّد. وفي هذه المرة ، تقدّم "غاو رونغ " كبير عائلة "غاو " بنفسه ؛ فقد أعدّ العُدّة لمواجهة أسلوب "وانغ هونغ " الفريد في القتال حتى الموت ، والذي رصده في المعركة السابقة.
وما إن وطئت قدما "غاو رونغ " ساحة النزال حتى كشف عن سلاح روحي من الطراز الرفيع توارثته عائلته ، وهو سلاح دفاعي روحي مكوّن من "صدفة سلحفاة ". هذا السلاح الروحي يمكنه الانشطار إلى ستٍّ وثلاثين قطعة تحيط به من كل جانب ، أو الالتحام في قطعة واحدة لصدّ هجومٍ من اتجاهٍ محدد.
اتبع "غاو رونغ " بصفته مزارعاً في المرحلة المتوسطة من بناء الأساس ، نهجاً حذراً ، واضعاً نصب عينيه تجنّب الأخطاء لا تحقيق نصرٍ سريع ؛ إذ خطط للاعتماد على رتبته الأعلى وطاقته الروحية الأعمق لاستنزاف "وانغ هونغ " ببطء. أما بالنسبة لـ "وانغ هونغ " فقد أدرك أن هزيمة "غاو رونغ " دون الكشف عن تقنياته الأخرى ستتطلب منه جهداً جهيداً.
"طنين.. طنين! "
اشتبك "وانغ هونغ " حاملاً رمحه الطويل ، مع أسلحة الخصم الهجومية والدفاعية. حيث كان السلاح الروحي المتوارث لعائلة "غاو " قوياً حقاً ، فإمكانية تشتّت قطعه الست والثلاثين مكّنته من صدّ الهجمات من أي اتجاه. وكلما بذل "وانغ هونغ " قصارى جهده محاولاً الاختراق من نقطة معينة ، تلاحمت القطع بسرعة لتصبح سداً منيعاً. حيث كان دفاع "غاو رونغ " كترس السلحفاة ، لا يلين أمام ضربات "وانغ هونغ " المتتالية ، ثابتاً كثبات جبل "تاي ".
في غضون ذلك كان سيفٌ طائرٌ من الدرجة المتوسطة يُضيّق الخناق على "وانغ هونغ " لاستنزاف المزيد من طاقته الروحية ؛ فعلى حدّ ظن "غاو رونغ " إذا ضعفت طاقة "وانغ هونغ " فسيشنّ هجوماً مضاداً كالعاصفة. ولكن ، بعد نصف ساعة من القتال ، بدا "وانغ هونغ " وكأنّ في جعبته المزيد من الطاقة ، ولم تظهر عليه أي علامات تدلّ على نفادها ، في حين أن أي مزارع عادي في بداية مرحلة بناء الأساس كان سيعاني من نضوب طاقته الروحية بحلول تلك اللحظة.
في الحقيقة لم تكن طاقة "وانغ هونغ " الروحية تقلّ قوةً عن طاقة "غاو رونغ " بل كانت تفوقها. فقد كان "بحر الدانتيان " لديه أوسع من نظيره لدى المزارع العادي في مرحلة بناء الأساس المتوسطة ، وهو ما أبطأ من تقدمه وتطلب منه موارد أكثر ، لكن فوائد ذلك كانت جلية: أساسٌ صلب وطاقة روحية تضاهي أضعاف طاقة أقرانه.
وفي تلك اللحظة ، تفكّر "وانغ هونغ " فيما إذا كان عليه إخفاء بعض قوته ؛ فكشف جميع أوراقه ليس بالحكمة. هاجم "وانغ هونغ " بضع هجمات إضافية ، وبدا وجهه شاحباً ، وتصبب العرق على جبينه ، وضعفت قوة ضرباته ، مما أوحى للناظرين بضعف طاقته الروحية. ثم صَدَّ سيفاً طائراً برمحه الطويل ، وتراجع بضع خطوات ، وأخرج قارورة من "نبيذ الروح " متهياً للشرب.
لم يفوّت "غاو رونغ " الخبير في المبارزات السحرية ، هذه الفرصة ؛ فأبى أن يترك "وانغ هونغ " يشرب نبيذه دون مضايقة ، وحرّك سيفه الطائر بسرعة البرق نحو خصمه. تحوّل "وانغ هونغ " إلى طيفٍ وانسحب إلى الجانب الأيمن من الساحة ، وبدا مصمماً على شرب نبيذ الروح بأي ثمن.
تجاهل "غاو رونغ " دفاعاته ، وطاف حول أطراف الساحة محاولاً قطع طريق التراجع على "وانغ هونغ ". اقترب السيف الطائر في الأجواء ومعه "غاو رونغ " من "وانغ هونغ " مستعدين لإنهاء النزال بضربة قاضية. أُعجب الجمهور باستراتيجية "غاو رونغ " وأشادوا بمهارته ومكره:
"الخبرة لها ثمنها حقاً ؛ فـ "غاو رونغ " يراوغ كالثعلب العجوز. "
"ما زال "وانغ هونغ " غِرّاً ؛ كيف له أن يغلب أحداً مثل "غاو رونغ " عاش أكثر من مائة عام ؟ "
في معارك المزارعين ، عندما لا يكون الفارق في القوة شاسعاً ، غالباً ما يعتمد النصر على الخبرة والاستراتيجية لا على القوة المحضة. وبالطبع ، إذا اتسعت الفجوة في القوة ، تصبح الاستراتيجيات بلا جدوى أمام القوة الساحقة. وبينما ظن "غاو رونغ " أنه حاصر "وانغ هونغ " وأصبح سيفه قاب قوسين أو أدنى من القضاء عليه ، ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه.
في تلك اللحظة ، وتجاهلاً للسيف الطائر الذي كان يهمّ بضربه من الخلف ، اندفع "وانغ هونغ " برمحه الطويل نحو صدر "غاو رونغ ". أُخذ "غاو رونغ " على حين غرة من هذا التكتيك الانتحاري ، وجاء دفاعه متأخراً ؛ إذ كان قد وزّع قطع صدفة السلحفاة على مساحة واسعة تمنع الاعتراض الفعّال. وفي يأسه لم يستطع سحب سوى بضع قطع لحماية صدره.
دار الرمح الطويل لـ "وانغ هونغ " بسرعة خاطفة ، مُطيحاً بقطع الصدفة. وأدرك "غاو رونغ " أنه وقع في فخ ، فحول التراجع ، لكنه لم يجارِ سرعة "وانغ هونغ ". انسلّ الرمح الأسود كالتنين من بين ثغرات الصدفة ، مُزيحاً إياها عند ملامستها ، ثم انغرز في صدر "غاو رونغ " ؛ فشعر الأخير بألم حاد ، غامت الرؤية أمام عينيه ، وهوت روحه في ظلامٍ دامس.
وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، رأى سيفه الطائر يصارع لاختراق ظهر "وانغ هونغ " دون جدوى ، ثم توقف كل شيء مع تلاشي وعيه وسقوط السيف على الأرض. سحب "وانغ هونغ " رمحه ، وهوى جسد "غاو رونغ " بثقلٍ على الأرض. ببراعة ، قام "وانغ هونغ " بتفتيش الجثة ثم محوها ، وهكذا أُزيل كبير عائلة "غاو " من عالم الوجود.
جمع "وانغ هونغ " مقتنيات "غاو رونغ " بما في ذلك سلاح صدفة السلحفاة الروحي الذي وجده مُرضياً للغاية. وخلال هذه العملية ، تظاهر بالإرهاق من المعركة ؛ إذ لاحظ مزارعاً آخر من عائلة "غاو " في مرحلة بناء الأساس المتوسطة بين الحضور. حيث كان هذا العجوز قد جادله سابقاً ثم انصرف بصمت ، ولعله كان يطمع في تحديه ، مما يوفر فرصة لـ "وانغ هونغ " للتخلص منه أيضاً. و لكن العجوز خيّب أمله وانصرف دون أن يبدي أي انفعال بعد مشاهدة مصرع "غاو رونغ ".
شعر "وانغ هونغ " بمرارة الخيبة ، وعاد إلى مسكنه ليفحص أغراض "غاو رونغ " ليجد أن حقيبة تخزينه لم تكن تحوي سوى قارورة صغيرة من نبيذ الروح وحبة شفاء ، ولا حتى حجراً روحياً واحداً! ولحسن حظه ، فقد ظفر بسلاحه الدفاعي الروحي من الطراز الرفيع وبالسيف الطائر المتوسط الدرجة ، مما جعل مجهوده ذا جدوى.
لم يكن "وانغ هونغ " يعلم أن "غاو رونغ " قد وضع خططاً للطوارئ قبل المعركة ؛ فلو انتصر ، لما كان هناك داعٍ للحديث ، أما في حال هزيمته ، فقد أُوكِلَت مهمة قيادة العائلة لمزارع آخر في مرحلة بناء الأساس المتوسطة ، مع توجيههم بتجنب المزيد من المواجهات مع "وانغ هونغ " على "منصة الحياة والموت " حفاظاً على قوة العائلة من أجل نهضة مستقبلية. حيث كان "غاو رونغ " قد اتخذ تدابير متعددة لضمان سلامة عائلته ، تاركاً خطة بديلة آمنة. وبالنسبة لعشيرة مزارعين ذات إرث يمتد لقرون ، فإن التقلبات أمرٌ مألوف ، ولن تنهار من هزيمة واحدة.