الفصل 101: كيف حالكم يا رفاق ؟ لسنا بخير يا أدريان.
تحت قبة السماء السوداء المزدانة بالنجوم كان هناك ضوء ذهبي يتلألأ ببريق يفوق كل ما يرى فوق بحر الرمال. حيث كان أليكس يتقدم الطلاب من مختلف الأعراق لم تتباطأ خطاه وكأنه لا يعرف للكلل طريقاً ، غير أن وجهه كان يشي بعكس ذلك تماماً.
بدأ تنفسه يتسارع متهدجاً من فرط الإجهاد ، وشرع العرق البارد يغزو صفحات وجهه ، بينما كست الشحوب شفتيه ، لكنه ظل صامتاً ، يواصل مسيره دون توقف.
كانت أذناه لا تزالان تلتقطان أصوات غناء الطلاب التي تضفي عليه سكينة زائفة ، بينما كانت عيناه تجولان في الأرجاء ، تراقب حركة الكثبان الرملية التي لم تكف عن محاولة الاقتراب منهم.
أطلق أليكس زفرة متعبة ، تلاقت فيها صرخة حادة لعقاب صحراوي مع ترانيم الطلاب. وفجأة ، لامست يد رقيقة كتفه الأيسر وكأنها لم تفارقه قط ؛ كانت تلك يد سيسا.
"ألا تزال قادراً على المشي يا أليكس.. ؟ " أومأ أليكس برأسه عدة مرات رغم أن سيسا لم تكن لتبصر ذلك لكونها معصوبة العينين ، وقال "بالطبع... سأخبرك حين أصل إلى نهايتي. "
عاد أليكس يركز في خطاه وما يلوح أمام ناظريه ، لكن بعد خطوات قليلة على رمال بدأت تكتسي ببرودة غير معهودة ، طنين حاد مزق أذنيه ، مما جعله يغمض عينيه ألماً.
بدأت أصوات غناء الطلاب تتوارى خلف ذلك الطنين ، وشرعت عيناه في الانغلاق ، فلم يعد يرى الكثبان الرملية المحيطة بهم ، وبدأ الضوء الذهبي المنبعث من جسده يضطرب ويخبو.
جزَّ أليكس على أسنانه "تباً! كريستال ؟! هل هذه هي النهاية ؟! " صمتت كريستال للحظات ، قبل أن يتردد صراخ مفاجئ في رأس أليكس ضاعف من وطأة الألم الذي يعتصر أذنيه "أليكس!!! غرفتي بدأت تتغير!! "
عقد أليكس حاجبيه ، وببطء بدأ الطنين في أذنيه يتلاشى "ماذا ؟! ماذا تعنين بأن الغرفة تتغير ؟! " تردد الصراخ مرة أخرى متبوعاً بصوت كريستال المذعور "لا أعرف!! كل شيء تغير فجأة.... أليكس... ألي... ألـ... "
اتسعت عينا أليكس السوداوان ، ونظر فوراً إلى الضوء الذهبي الذي ما زال يشع من جسده ، جز على أسنانه محاولاً الحديث إلى سيسا والآخرين.
لكن فاه توقف عن الحركة ، ولم ينبس ببنت شفة ؛ فقد شعر بشيء غريب تحت أخمص قدميه. و نظر أليكس إلى الأسفل وهو يواصل مسيره وقوفاً على رأس الطلاب كانت أصوات غنائهم لا تزال تتردد في أذناه.
تسارع خفقان قلبه ، فقد تلاشى بحر الرمال ، وتحول المكان الذي يطؤه إلى أرضية خرسانية باردة. حاول أليكس استيعاب ما حدث ، لكنه لم يتوقف عن السير ، ولم يحاول إبلاغ رفاقه. و بدأ يتطلع أمامه ؛ فالعشرات من الكثبان الرملية قد اختفت ، ولم يتبقَّ سوى أرضية خرسانية لا نهاية لها تحت سماء بيضاء.
كان قلبه يخفق بعنف ، حاول مراراً مناداة كريستال لكنها لم تجب. التفت أليكس قليلاً نحو اليسار حيث كانت سيسا تتبعه ممسكة بكتفه الأيسر ، وقال بصوت بدا مخنوقاً لكنه وصل إلى مسامعها "مهلاً.. يا سيسا. كيف تشعر قدماكِ بملامسة رمال الليل ؟ "
صمتت سيسا للحظات ، وتوقفت عن الغناء لتجيب "كالمعتاد... لا أشعر إلا بالضيق. " صار تنفس أليكس أكثر اضطراباً ، ونظر إلى الأرضية الخرسانية التي باتت موطئ قدمه "ما هذا ؟ هل أنا الوحيد الذي يرى ويشعر بهذا ؟ "
سطع ضوء ببطء جعل أليكس يرفع رأسه ، فظهر مصنع قديم مظلم. و بدأت السماء السوداء تتلون ، ودوت أصوات الرعد وكأنها عازمة على ضرب مجموعة أليكس. و لكن الطلاب لم يبدوا أي رد فعل ، بل ظلوا يغنون ويضحكون.
في تلك الأثناء ، حدق أليكس في المصنع القديم بنظرات خاوية ، استمر في المشي حتى بدأ يدخل باحة المصنع ، وظل ضوؤه الذهبي ينير نفسه ومن معه وسط هذا المشهد المتغير.
وضع أليكس يده على جبهته "هذا... هذا المصنع لا ينبغي أن يكون هنا... " أراد أليكس الكلام مجدداً ، لكن ظهر شخصان يقتربان منه ومن الطلاب الذين لم يتوقفوا عن الغناء.
توقف أليكس ببطء ، مما جعل الطلاب يتوقفون فجأة. حاولت سيسا التي تقف خلفه مباشرة السؤال "ما الأمر يا أليكس- " قاطعها أليكس على الفور "عذراً ، لنسترح قليلاً. "
لم يعد أليكس يكترث لحديث الطلاب ، فقد تركزت عيناه السوداوان على الشخصين المسرعين نحوهما. حيث كان أحدهما رجلاً مسناً يرتدي قميصاً أبيض ويقبض بيده على مسدس.
وأمام ذلك الرجل كانت فتاة قصيرة القامة ذات شعر أصفر تركض بسترته السوداء التي كانت يبرز من داخلها مقبضا سكين ، وكانت تحمل المسدس ذاته الذي بيد الرجل خلفها.
كاد قلب أليكس يتوقف حين رأى العجوز والفتاة ذات الشعر الأصفر ، وأصبح تنفسه خارجاً عن السيطرة "العجوز ؟ لوسي ؟ ما هذا ؟ ليست لدي ذكريات كهذه- " انقطع تمتمة أليكس حين سُمع صوت يشبه صرير الفئران من خلف الشخصين.
نظر أليكس نحو مصدر الصوت ، ورأى رصاصة تنطلق بسرعة نحو مؤخرة رأس الفتاة كان أليكس يراها بوضوح كما لو أن حركتها تباطأت.
دفع العجوز -الذي سمع الصوت أيضاً- الفتاة بقوة ، مستبدلاً رأسها برأسه ليتلقى هو الرصاصة.
سُمع دوي اختراق الرصاصة للجمجمة ، وقف أليكس مذهولاً أمام ذلك المشهد. لم يوقظه إلا ارتطام جسد الفتاة بالأرض الخرسانية ، ظل جسده متصلباً وهو يرى الدماء تنزف من الثقب في رأس العجوز ، وتتجمع حوله على الأرضية.
صار تنفس أليكس لاهثاً ، ولم يعد قادراً على التنفس بشكل طبيعي ، بينما أحاط به الطلاب الذين أدركوا حالته وبدأوا يسألونه وهم ما زالون يقفون في صفوف منتظمة:
"أليكس ؟ ما الذي حدث ؟ هل نفدت قوتك ؟ "
"يا صديقنا... إن لم تستطع المضي قدماً ، فسنستعد... "
"بصراحة ، لقد سئمت من الانتظار وأرغب بشدة في سحق هؤلاء الوحوش. "
لم يجب أليكس على أسئلة الطلاب ، لكنهم لم يشكوا في أمره لأنهم لم يتعرضوا لهجوم من الوحوش أيضاً رغم صمته.
خفض أليكس رأسه ببطء نحو الأرضية الخرسانية كانت عيناه ترتجفان بعنف ، وانعكس الضوء الذهبي من جسده في عينيه السوداوين.
سُمع نحيب في أذني أليكس جعله يرفع رأسه مجدداً ، ليرى الفتاة ذات الشعر الأصفر تبكي فوق جثة العجوز. اختلط صوت بكائها بهمسات الطلاب خلفه.
هزت الفتاة جسد العجوز الذي بدأ يتصلب ، وبللت دموعها ظهره "ما الذي فعلته أيها العجوز المنحرف!! و لماذا قمت بهذا ؟!... "
ضربت الفتاة جسد العجوز الذي غدا جثة هامدة "كان يجب أن أكون أنا من يرحل... وماذا عنهم ؟! ماذا عن الانتقام ؟! "
أمسك أليكس جبهته ، فقد بدأت حرارة رأسه ترتفع كأنه على وشك الانفجار. وببطء ، تساقطت قطرات المطر على المصنع العتيق وعلى الفتاة ، وبللت القطرات أليكس أيضاً ، لكنها لم تلمس الطلاب الذين كانوا ما زالوا مشغولين بتبادل الأطراف الحديث.
تلاشت تعابير وجه أليكس حين غمرت مياه المطر الباردة جسده ومحت عرقه البارد ، ولم يتأثر ضوؤه الذهبي بالمطر ، بينما بدأ شيء ما يزعزع جمود ملامحه.
من الاتجاه المعاكس له وللطلاب ، بدأت عشرات الأشكال المقنعة بالأبيض تظهر تدريجياً ، ساروا بملابس سوداء موحدة ، وكان كل منهم يحمل سيفاً قصيراً.
توجهت خطاهم نحو الفتاة التي كانت عالقة بين أليكس وهذه الحشود المقنعة.
حوّلت الفتاة نظرها نحوهم ، جزّت على أسنانها ووجهت مسدسها نحوهم.
أطلقت النار عدة مرات ، خفت دوي الرصاص تحت وطأة المطر ، لكن أليكس سمعه بوضوح ، في حين لم يصل إلى مسامع الطلاب الذين بدوا وكأنهم في عالم آخر.
لم يتفادَ المقنعون الرصاص ؛ فمن أُصيب منهم سقط ولم ينهض ، بينما ملأ الباقون ثغرات الموتى وواصلوا سيرهم دون التفات.
لم يتوقفوا إلا حين وقفوا أمام الفتاة مباشرة.
جزَّ أليكس على أسنانه ، وبدأ جسده يرتجف "لا.. لا... لوسي... لا يجب أن تفعلي ذلك لا لا... " بدأت الدموع تنهمر على وجه أليكس ، لكن قطرات المطر أخفتها.
وقفت الفتاة ببطء وسط المطر لم يعد لوجهها تعبير ، وتوقفت دموعها ، ثم استلت سكينين من خلف سترتها السوداء المبللة.
تحركت حشود المقنعين وأحاطوا بالفتاة ، حاجبيّن رؤية أليكس لها.
لم يستطع أليكس إلا سماع صرخات الفتاة ، صرخات تلتها أصوات تمزيق اللحم وتناثر الدماء.
غلت دماء أليكس فوراً كانت عيناه السوداوان تريان الفتاة وهي تواصل طعن أعدائها رغم إصاباتها. تقدم أليكس خطوة دون وعي منه ، لكن قبضتي يدين على كتفيه أوقفتاه.
"أليكس... إلى أين أنت ذاهب ؟ ألسنا معصوبي الأعين الآن ؟ "
"يا صديقنا ، لِمَ تود الرحيل ؟ لن تتخلى عنا ، أليس كذلك ؟ "
ارتجفت شفتا أليكس ، وشهد بأم عينه سيفاً قصيراً يخترق ساق الفتاة. و سقطت ولم تستطع النهوض ، وانقضت عشرات النصال على جسدها ومزقته مراراً وتكراراً. أصوات تهشم العظام وتمزق اللحم جعلت أليكس ينهار على ركبتيه لعدم قدرته على الوقوف.
ارتسمت على وجهه ملامح الألم ، وبكى بصمت تحت المطر الغزير ، حاول الطلاب مخاطبته ولمسوا أليكس الذي كان جاثياً ، لكن أصواتهم القلقة بدأت تتلاشى تدريجياً ، واختفت أصواتهم مع أجسادهم.
لم يبقَ أليكس إلا وحيداً وسط المطر ، بدأت الأشكال المقنعة في الانصراف بسيوف ملطخة بالدماء لم يكترثوا حتى لرفاقهم القتلى.
تركوا جثة الفتاة ممزقة ، وتدفقت دماؤها لتغمر الأرضية الخرسانية ، وباتت هي الأخرى متصلبة كالعجوز الذي بكت عليه.
لم يستطع أليكس رفع رأسه ، وظل ساكناً لفترة طويلة ، وفي هذه الأثناء بدأ العالم من حوله يُعاد طلاؤه ؛ فظهرت غرفة ، وغمر الدفء أليكس الذي لم يختبر مثله من قبل.
ترددت أصوات في أذنيه ، أصوات آمن بأنه سمعها ملايين المرات. رفع أليكس رأسه ببطء ، فكاد الضوء المبهر يغشى بصره كان ضوءاً من نار تشتعل داخل فرن عملاق.
وقف ثلاثة أشخاص أمام الفرن ، يراقبون شيئاً يحترق بالداخل عبر نافذة صغيرة ؛ ورأوا جثتين تبدآن في الاحتراق وتتحولان إلى رماد.
كانت الواقفة في أقصى اليسار امرأة ، عيناها حمراوان لا بسبب انعكاس النار ، بل بسبب الدموع التي لم تتوقف عن الانهمار ، وهالات سوداء تحت عينيها ، بينما كان شعرها الفضي يتدلى بفوضوية.
لم تتحدث حتى خرج صوت من الرجل في أقصى اليمين تمايل شعره الأسود حين التفت يساراً حيث يقف رجل أعور بينه وبين المرأة ذات الشعر الفضي.
"لقد قلت سابقاً... كان علينا الرحيل والاختباء فقط- "
التفت الرجل الأعور فوراً نحو الرجل ذي الشعر الأسمر ، وأمسك بتلابيب قميصه "ماذا تعني ؟! لقد فتح أدريان الطريق!! علينا إكمال تضحيته!! "
جزَّ ذو الشعر الأسمر على أسنانه ، وأمسك بيد الرجل التي تضغط على قميصه "أنت لا تكمل تضحيته أيها اللعين!! أنت تحترق في نار انتقامك الخاص!! "
أشار ذو الشعر الأسمر إلى الفرن العملاق بجانبه ، وكأن جمراته تزداد توهجاً بعد الإشارة إليها "بسببك ، مات العجوز ولوسي!!! أخبرتك أنه كان علينا التراجع ووضع خطة جديدة!! "
بدأ تنفس الرجل الأعور يضطرب ، وسحب قميص الآخر ليصطدم جبينه بجبين ذي الشعر الأسمر "إذاً ستذهب تضحية أدريان سدى أيها اللعين- "
انقطع جدال الرجلين بصوت المرأة ذات الشعر الفضي لم تلتفت إليهما ، بل ظلت تحدق في النيران المتأججة داخل الفرن "فلننهِ الأمر هنا... "
ارتفع أحد حاجبي الرجل الأعور ، ولم يترك قميص الآخر "هل تريدين الاستسلام يا كلاريس ؟ وماذا عن انتقامك- "
طقطقت المرأة بلسانها ، والتفتت إليهما مشيرة إلى الفرن المتوهج "أي انتقام بعد الآن ؟ الانتقام الذي قادني إلى هنا حول إخوتي إلى رماد... "
عضت المرأة شفتيها الجافتين المتشققتين "أتظن أن أدريان سيبتسم حين تنتقم له مضحياً بإخوتك... "
ارتجفت شفتا المرأة "تيكا أيضاً اختفت ، ولن نتمكن نحن الثلاثة من متابعة الخطة أو الانتقام... " انهمرت الدموع ببطء من عيني كلاريس المحمرتين "لقد تعبت ، لا أريد أن أفقد أحداً بعد الآن... "
تشكلت ابتسامة خافتة ببطء على وجه المرأة ، ابتسامة جعلت فتيل الصراع بين الرجلين يخبو "سأرحل... "
سارت المرأة ببطء مبتعدة عن الرجلين ، ولم يلاحقاها. مرّت المرأة بجانب أليكس الذي كان يحدق ببلادة في جدالهما ، فنهض ببطء وبدأ يتبع خطاها خارج الغرفة.
رأى ظهر المرأة يبتعد في ممر تضيئه مصابيح خافتة ، بدأ أليكس يتبعها ببطء "موتي ؟ هل هذا بعد موتي ؟ ولكن ما هذا ؟ هل هذه ذكريات ؟ من منظور من هذا ؟ "
سار أليكس الآن في الممر الرطب بأخمص قدمين ملفوفتين بالقماش ، وواصل تتبع خطواتها "تيكا اختفت أيضاً ؟ أين ذهبت ؟ "
استقام ظهر المرأة ببطء ، وتغيرت ملابسها إلى فستان أبيض ، وصارت يدها تحمل كيس تسوق مليئاً بالخضروات.
بدأ الممر الرطب يتغير ببطء ، وبدأت أشعة الشمس الحارقة تبهر عيني أليكس ، فأغمض عينيه بينما بدأت قدماه الملفوفتان بالقماش تشعران بالحرارة.
فتح أليكس عينيه ، فإذا بمئات الأشخاص يسيرون من حوله ، وسمع صراخ الباعة يروجون لبضائعهم. و نظر أليكس إلى ظهر المرأة الذي بدأ يبتعد ، فأسرع الخطى للحاق بها.