الفصل 33: الذكريات الملعونة
— منظور كايل فالتر —
كانت رائحة شبكة الصرف الصحي القديمة في "إليسيوم " مزيجاً مقززاً من المياه الآسنة ، وجثث الجرذان ، والصدأ الذي ينهش الأنابيب المعدنية الضخمة.
لكن بالنسبة لي ، في تلك اللحظة كانت تلك الرائحة هي عبق النجاة.
كنت أزحف.
كنت أزحف حرفياً على بطني ، جاراً جسدي المحطم عبر المياه الملوثة التي وصلت مستواها إلى صدري في بعض المنحدرات.
كان الدم القاني الكثيف يتدفق من كتفي الممزق وجرح ساقي ، ممتزجاً بمياه الصرف ، ليترك خلفه أثراً أحمر مقززاً.
كانت كل حركة تتطلب مني استنزاف ما تبقى من قوة إرادتي.
كانت أضلعي المكسورة تغرس في رئتي مع كل شهيق ، وكان تنفسي يخرج كخشخشة رجل غريق يبتلع الطين.
"يجب علي… أن أهرب… " تمتمت لنفسي ، وكان صوتي يتردد بضعف في أرجاء النفق الدائري المظلم.
لقد هربت من الزقاق.
لقد تركت إيفا بلاكوود تنزف من أحشائها ، وفررت مستخدماً سحابة "إيترا الظل ".
ظننت أنني كسبت بضع دقائق لالتقاط أنفاسي ومعالجة جراحي.
ولكن… في عالم إليسيوم ، الأمل ليس إلا طعماً وضعه القدر في فخ حديدية.
طِق… طِق…
توقفت عن الزحف. تجمد الدم في عروقي.
لم تكن تلك خطوات الأحذية التكتيكية الثقيلة لفرقة مداهمة من مكتب التحقيقات الفيدرالي.
بل كانت خطوات خفيفة ، رشيقة ، ومحسوبة ، تقترب بهدوء مرعب ، كما لو أن صاحبتها تمشي على سجادة من الحرير لا على قاع مجاري متعفنة.
كانت الخطوات قادمة من… أمامي.
رفعت رأسي بصعوبة بالغة ، وعيناي القانيتان تخترقان الظلام الدامس من خلف عدسات قناعي المحطم جزئياً.
في نهاية النفق ، حيث يتقاطع مع ممر أوسع ، ظهر خيال.
كان ضوء خافت ينبعث من فتحة تهوية علوية ليسلط شعاعاً شاحباً على ذلك الكيان.
لم تكن فرقة.
كانت شخصاً واحداً.
فتاة.
شعر فضي قصير يلمع ببريق معدني تحت الضوء الخافت.
زي عسكري أسود وفضي ، نظيف لدرجة أنه يتناقض بعنف مع قذارة المكان.
وعينان قانتيان… حمراوان كلون الدم الطازج ، تنظران إليّ بلامبالاة كونية.
وفي يدها… كانت لا تزال تمسك بعلبة عصير صغيرة.
"ما كان اسمها… ؟ " تساءل عقلي المنهك بذعر.
"فاليسيرا ؟ أوه… صحيح. قائدة وحدة الإشراف. "
تباً. تباً. ألف تباً.
لقد أفلتُّ بصعوبة من إيفا—من الرتبة (ا)—بالحظ وعن طريق تفجير قناعي.
والآن… بعد استنزاف كل قطرة "إيترا " في جسدي ، وبجسد ممزق… كنت أواجه فتاة أخرى.
لكن هذه الفتاة لم تكن مجرد عميلة قوية.
كانت وحشاً استخباراتياً ، من الرتبة (س)!
إذا كانت إيفا مفترسة ، فإن فاليسيرا كارثة طبيعية تمشي على قدمين.
الهروب ؟ مستحيل. القتال ؟ مزحة سيئة.
وقفت فاليسيرا على بُعد عشرة أمتار مني ، تنظر إلى جسدي الملقى في المياه الملوثة.
امتصت القطرة الأخيرة من علبة العصير بصوت مزعج ، ثم رمتها في مياه الصرف حيث طفت ببطء.
"جوكر… " تحدثت فاليسيرا بصوت ناعم ، لكنه حمل صدى سلطة مطلقة ، كما لو أنها تخاطب نملة.
"لقد فاجأتني حقاً. و لقد فاجأتني لدرجة أنني تركت كيريون وداميان يتخبطان في الزقاق ونزلت إلى هذه المجاري القذرة التي أفسدت حذائي المفضل. "
ابتسمت خفيفة ووضعت يديها في جيبي معطفها.
"كيف ضربتها ؟ أعني إيفا. لم تكن هناك رصاصة في جسدها ، ولم يخترق درعها شيء ، ومع ذلك… تمزقت أحشاؤها. حيث كانت خدعة سحرية أنيقة جداً. أريد معرفة السر. "
استندت بظهري إلى الجدار اللزج ، محاولاً رفع الجزء العلوي من جسدي عن الماء.
جعلني الألم أعض شفتي حتى تذوقت طعم الدم.
نظرت إليها من خلف قناعي.
أردت أن أسعل ، لكنني أخرجت ضحكة خشنة ، ساخرة ، ومكسورة.
"هل تظنين… " سعلت قليلاً ، وتناثرت قطرات من الدم الأسود من فمي.
"هل تظنين أنني سأبدأ بشرح كيفية عمل قدراتي يا فتاة ؟ نحن لا نشاهد أنمي رخيصاً حيث يشرح الشرير كل مهاراته السرية قبل القتال ليتم هزيمته. "
اتسعت عينا فاليسيرا للحظة ، ثم أطلقت ضحكة قصيرة ومسلية لم تكن تنتمي لمكان يفوح برائحة الموت.
"أنت محق! " قالت وهي تومئ بتقدير.
"الدراما الكلاسيكية غبية جداً. حسناً إذن ، يبدو أنني سأضطر إلى تقييدك ، وجرك من قدميك مثل كيس قمامة ، واستجوابك في أقبية مكتب التحقيقات الفيدرالي. وإذا رفضت الكلام… " أمالت رأسها ، وعيناها القانيتان تضيقان ببريق شرير وسادي.
"فإن القليل من التعذيب الممتع لن يضر. و أنا ماهرة جداً في جعل الناس يصرخون. "
انقبض قلبي.
التعذيب ؟ أقبية الاستخبارات ؟ لا.
لن أدعهم يضعونني في مختبراتهم.
لن أكون فأر تجارب مرة أخرى.
جززت على أسناني وجمعت كل ذرة من الطاقة الغريزية في خلاياي.
تصلبت مستنداً إلى الحائط ، وببطء—بطء شديد—دفعت جسدي للأعلى حتى وقفت.
كانت ركبتي ترتجف ، والمياه الملوثة تقطر من معطفي الممزق.
رفعت يدي اليمنى ، محاولاً التركيز لاستدعاء "الشفرة المنسي ". السيف الأسود الذي أخذته من الكهف.
حتى لو استنزف حياتي ، سأوجه ضربة أخيرة.
سأقاتل حتى أنفاسي الأخيرة ، وحتى آخر قطرة دم في قلبي.
"أوه ؟ هل لا تزال تنوي المقاومة ؟ " تنهدت فاليسيرا بملل مصطنع.
سحبت يدها اليمنى من جيبها.
"يبدو أنني سأحتاج إلى كيّ بعض جراحك لتعرف الفرق في القوة بيننا. و مجرد تذكير بسيط. "
رفعت فاليسيرا يدها.
لم تترتل تعويذة ، ولم ترسم دائرة "إيترا ".
مجرد فرقعة بسيطة بأصابعها.
طِق… فوش!
اشتعلت النيران في كفها.
لكنها لم تكن نيراناً حمراء أو صفراء عادية.
كانت زرقاء.
زرقاء داكنة ، متوقدة ، تنبض بـ "إيترا " نقية وحارقة ، لتضيء نفق المجاري المظلم بوهج شيطاني.
توقف الزمن.
توقف الهواء عن دخول رئتي.
تلاشت كل الأصوات من حولي.
خرير مياه الصرف ، وصوت تنفس فاليسيرا—كل ذلك اختفى.
عيناي القانيتان ، خلف القناع المتشقق ، اتسعتا حتى كادتا تتمزقان.
انكمشت حدقتا عيني إلى حجم رأس الدبوس.
نار…
زرقاء… نار…
تحترق… زرقاء… نار…
ششش… هيسسس… كراك!
لم أعد في المجاري.
ذابت الجدران اللزجة ، وتبخرت المياه القذرة.
فجأة ، كنت أقف مرة أخرى في القاعات المحترقة لقصر "فالتر ".
الحرارة… الحرارة الخانقة التي تصهر الجلد.
الدخان الأسود الكثيف الذي يمزق الحلق.
"أبي! فيكتور! " صرخ صوتي الصغير في ذاكرتي.
رأيت ذلك الرمح المسنن الضخم في وسط الغرفة.
رأيت "مورفيند "… والدي… مخترقاً به ، وعموده الفقري محطم.
ورأيت النيران.
النيران الزرقاء الشيطانية الملعونة التي التهمت لحمه ، وصهرت جلده ، وطبخت أعضاءه الداخلية.
رائحة لحم البشر المشوي ، ونتن نخاع العظم المحترق… عادت لتصطدم بمنخري بقوة كادت تفجر عقلي.
ورأيت تلك الخصلة من الشعر الأشقر. خصلة فيكتور. محترقة ، متفحمة ، مدفونة في رماد أزرق.
"كايل… اهرب… " صوت "مورفيند " المهلوس ، وهو يحترق حياً ، مزق طبلتي أذني.
"لا… لا… لا… لااااا! "
انهار عقلي.
السد الذي بنيته لسنوات ، قناع "الجوكر الأسود " الذي اختبأت خلفه ، درع اللامبالاة والوحشية… تحطم كله في جزء من الثانية.
تحطم إلى غبار أمام ذلك اللون الأزرق المتوقد.
السلاح الوهمي الذي كنت أحاول استدعاءه سقط من ذهني.
ترنحت خطوة للخلف ، واصطدم ظهري بجدار المجاري.
لكنني لم أشعر بالجدار—شعرت بحرارة قصر فالتر.
بدأت أرتجف.
ليس ارتعاشاً بشرياً.
بل تشنج عنيف ضرب كل عصب في جسدي.
ارتفعت يدي إلى رأسي ، وغرزت أظافري—ليس في القناع ، بل في فروة رأسي عبر شقوقه ، أمزق جلدي وكأنني سأقتلع شعري.
"أبعدوها… أبعدوا النار… أرجوكم… أرجوكم لا تحرقوهم! "
صرخت بصوت مختنق ومكسور—كطفل مذعور يشاهد عائلته تحترق حياً.
كانت عيناي تدوران بجنون في محجريهما.
استسلمت ركبتاي تماماً ، وانهار جسدي في المياه الملوثة.
تلوّيت في مياه الصرف كدودة مغمورة بالحمض.
تشنجت عضلات معدتي بعنف ، واندفعت موجة من تقيأ الممتزج بالدم الأحمر من حلقي ، لتتناثر في المياه حولي وتفوح منها رائحة الموت.
الرعب مختل… اضطراب ما بعد الصدمة لم يكن مجرد خوف.
كان تجسيداً لأسوأ كابوس في حياتي. و شعرت وكأن النيران الزرقاء تلتهم لحمي الآن. فكنت أشم رائحة احتراق جسدي.
"مورفيند… فيكتور… أنا آسف… أنا آسف! "
بدأت أضرب رأسي بجدار المجاري القذر.
بانغ! بانغ! بانغ! أردت تحطيم جمجمتي لأوقف هذه الذكريات الملعونة.
بدأت رغوة بيضاء ووردية مدممة تسيل من فمي ، تغطي شفتي وذقني تحت القناع المحطم.
تقوس ظهري في تشنج كزازي مرعب ، وتشنجت أطرافي بعنف وكأنني أتعرض للصعق بجهد كهربائي عالٍ.
لم أعد "الجوكر الأسود ".
لم أعد القاتل الاستخباراتي.
كنت "كايل فالتر "—الطفل ذو الخمس سنوات ، المحترق والمحطم.