تم البدأ بإستخدام الذكاء الاصطناعي في التدقيق على الفصول المنشورة من تاريخ ٣١-١-٢٠٢٦ نتمنى لكم قراءة ممتعة

أمتلك مهارة SSS: رؤية المستقبل 17

كذبة مؤقتة

الفصل السابع عشر: كذبةٌ مؤقتة

إن السعادة في مدينة "إليزيوم " ليست سوى كذبةٍ مؤقتة.

مجرد مخدرٍ قصير الأمد يمنحك إياه القدر ، قبل أن يبدأ بتمزيق أوصالك.

لقد مر أسبوعٌ منذ "يوم الصحوة ".

أسبوعٌ كان قصر "فالتير " يعجُّ بالحياة ، والخطط المستقبلي ، وضحكات "فيكتور " وهو يتدرب على التحكم بطاقة "الإيترا " من الرتبة (ي).

أما "كايل " ورغم كونه من الرتبة (ج) ، فقد شعر بسلامٍ لم يعهده من قبل.

كان نائماً في سريره الوثير ، غارقاً في حلمٍ دافئٍ يركض فيه مع شقيقه عبر حقولٍ خضراء لا تنتهي ، و "مورفيند " يراقبهم بابتسامته الحانية.

لكن… بدأ الحلم يتلاشى.

تحولت الألوان الخضراء إلى اللون البني ، ثم إلى الأسود.

أصبح الهواء في الحلم ثقيلاً ، ولزجاً ، وشديد الحرارة لدرجة أن رئتيه بدأتا تحترقان من الداخل.

(ششش… هسسس…)

صوتٌ لم يشبه حفيف الأشجار ، بل كان أشبه بأفاعٍ عملاقة تنزلق فوق أرضيةٍ من الحصى المتوهج.

أعقب ذلك صوت تكسرٍ جاف ، كأنها عظامٌ تتهشم تحت ضغطٍ هائل.

فتح "كايل " عينيه القرمزيتين ببطء ، وعقله ما زال يتأرجح بين النوم واليقظة.

لم تكن غرفته مظلمةً كما تركها ، ولا كانت مضاءةً بضوء القمر.

كانت الغرفة تسبح في بحرٍ من الضوء الشيطاني ؛ ألوانٌ لا تنتمي للطبيعة ؛ ألسنةٌ من لهبٍ أزرق داكن ، تتداخل مع عروقٍ من النار السوداء والقرمزية ، ترقص كالأشباح المعتوهة على الجدران الرخامية ، وتلعق الستائر الحريرية محولةً إياها إلى رمادٍ في ثوانٍ.

تشنج صدر "كايل " بعنف.

أخذ شهيقاً عميقاً ليصرخ ، لكن ما دخل رئتيه لم يكن هواءً ، بل كان موتاً خالصاً.

كان دخاناً أسود كثيفاً ، مشبعاً برائحة "الإيترا " السامة ؛ رائحةٌ تشبه الكبريت المحترق ، واللحم النيء ، والمواد الكيميائية.

سعل "كايل " بعنف ، كاد أن يمزق حنجرته ، وسقط من على السرير على الأرضية الخشبية التي كانت ساخنةً كقطعة معدنية فوق موقد.

"الأب… فيك… تور… " حاول أن ينادي ، لكن صوته خرج كخرخشةٍ ميتة.

زحف على بطنه ، متجنباً الدخان الكثيف الذي يرتفع نحو السقف.

استيقظت بداخله غريزة البقاء القديمة ، غريزة طفل الميتم.

لكن هذا لم يكن حادثاً عرضياً ؛ فالنيران العادية لا تصدر مثل هذا الطنين المرعب ، ولا تذيب الحجر وكأنه شمع.

كان هذا هجوماً ، هجوماً باستخدام طاقة "إيترا " عالية الرتبة.

وصل إلى باب غرفته ، وكان مقبض الباب يذوب حرفياً. لفَّ يده بغطاءٍ سميك ، وفتح الباب المحترق بقوة ، ثم تعثر خارجاً إلى الردهة الرئيسية للقصر.

المشهد الذي قابله قذف بما تبقى من عقله في بئرٍ من الرعب.

ملاذه الآمن ، القصر الذي بُني ليكون درعه كان يُسحق.

كانت الجدران تتصدع وتنزف صهارةً زرقاء ، واللوحات النفيسة تذوب ، والتماثيل الرخامية تتحطم وكأن مطارق غير مرئية تضربها.

كان الصمت مرعباً ؛ فلا صراخ للخدم ، ولا أصوات إنذار ، فقط زئير النيران السحرية التي تلتهم المكان حيًّا.

ركض "كايل " حافي القدمين ، وتلامست قدماه مع البلاط المشتعل. و مع كل خطوة كان يشعر بجلد باطن قدميه يذوب ، وتتكون فقاعاتٌ ثم تنفجر لتطلق دماءً تتبخر بمجرد ملامستها للأرض.

مزق الألم أعصابه ، لكن الأدرينالين والرعب كانا أقوى.

احترقت أطراف قميصه ، ولفحت الحرارة ذراعيه ووجهه ، فحرقت أطراف شعره الأسود وجعلت مقلتي عينيه تشعران وكأنهما تغليان داخل جمجمته.

"أبتي! "

اتجه بغريزته نحو الجناح الغربي ، حيث تقع غرفة "مورفيند ". الرجل البالغ ، الصياد من الرتبة (ب) ، الوحيد القادر على إيقاف هذا الجحيم.

كلما اقترب من الغرفة ، أصبحت الحرارة لا تطاق.

ضربت موجات الحرارة وجهه كصفعاتٍ من نارٍ صلبة. بدا الهواء نفسه يتمزق ، والجدران تتوهج بلونٍ أحمر داكن ، مهددةً بالذوبان.

دفع "كايل " الباب المزدوج لغرفة والده بالتبني ، متوقعاً أن يجده يقاتل أو يطلق تعويذاتٍ دفاعية.

اقتحم الغرفة وهو يسعل الدم والدخان ، وعيناه تفيضان بالدموع.

كانت الغرفة مشتعلة ، والسرير الضخم قد تحول إلى كتلةٍ من الجمر ، وخزانة الملابس متفحمة ومحطمة… لكن…

كانت فارغة.

لم يكن هناك أثر لـ "مورفيند " لا جثة ، ولا رجل يقاتل. حيث كانت الغرفة خاليةً تماماً من أي وجود بشري.

سقط "كايل " على ركبتيه المحترقتين للحظة ، يلهث بصعوبة بالغة.

في تلك الثوانٍ القليلة وسط الجحيم ، ضربه شعورٌ مؤلم ، خبيث ، وسام. زحفت أفكارٌ سوداء من أعمق جزءٍ من صدمات طفولته لتنهش عقله.

"هل هرب ؟ " همس صوت الطفل اليتيم المرفوض في أذنه. "هل فرَّ الصياد العظيم وتركنا ؟ هل أدرك أن الهجوم أقوى منه ، فأنقذ نفسه وترك الفتى الضعيف من الرتبة (ج) ليحترق ؟ هل تخلّى عني ؟ "

انقبض قلبه بألمٍ يفوق ألم حروقه. حيث كان شعور الخيانة خنجراً مغروساً في روحه.

لكن ، وبإرادةٍ يائسة ، هز رأسه بعنف ، طارداً تلك الأفكار القذرة.

"لا… هذا لا يهم! " صرخ "كايل " بصوتٍ أجش ومكسور ، وهو يصفع وجهه ليوقظ نفسه من الوهم.

"ما يهم هو أنه هرب! ما يهم هو أنه ما زال حيًّا! إذا كان في الخارج ، فهو بأمان! "

حاول التمسك بهذا الأمل. و إذا كان "مورفيند " قد هرب ، فربما ذهب لطلب المساعدة. و لكن… ماذا عن "فيكتور " ؟

"فيكتور! "

اتسعت عينا "كايل " برعبٍ مضاعف. حيث كانت غرفة "فيكتور " في نهاية الردهة الشرقية.

نهض "كايل " متجاهلاً الجلد المنسلخ عن باطن قدميه ، وركض عائداً عبر الردهة المشتعلة.

كان الجحيم يزداد عنفاً ، وبدأ السقف ينهار خلفه ، وقطع الخرسانة المشتعلة تتساقط كأنها نيازك مدمرة.

وصل إلى الردهة الشرقية. هنا كان الدمار لا يوصف. فلم يكن مجرد حريق ؛ بل كانت هناك آثار لهجومٍ جسدي عنيف.

لم يكن باب "فيكتور " محترقاً فحسب ، بل انفجر من الداخل إلى الخارج ، وشظايا الخشب مغروسة في جدران الردهة كخناجر بشعة.

وقف "كايل " عند العتبة يرتجف ، والدموع تنهمر من عينيه بسبب الدخان الكثيف والحرارة التي لا تُحتمل.

تمسك بإطار الباب المتفحم ، حاشداً كل ذرةٍ من الشجاعة ليدخل. صلّى لإله الكون ، متوسلاً بصمتٍ أن يجد الغرفة فارغةً أيضاً.

خطا إلى الداخل. حيث كانت الغرفة هي بؤرة الجحيم ، ونقطة الصفر للهجوم.

انقشع الدخان الأزرق قليلاً بفعل تيار هواءٍ من النافذة المحطمة ، وعندما اتضحت الرؤية… توقف الزمن.

توقف قلب "كايل ". توقف الكون بأسره عن الدوران.

تلك الأفكار السوداء التي لاحقته في غرفة "مورفيند "… كم كانت ظالمة. كم كانت خبيثة.

"مورفيند " لم يهرب "مورفيند " لم يتخلَّ عنهم.

في اللحظة الأولى للهجوم ، أدرك "مورفيند " أن أقرب هدفٍ للخطر هو "فيكتور " فركض بجسده الضخم نحو هذه الغرفة لينقذه.

ما رآه "كايل " في وسط الأرضية المحطمة كان تحفةً من السادية والوحشية المطلقة ، مرسومةً بدماء من أحب.

في منتصف الغرفة انتصبت "حربة " ضخمة ؛ ليست صخرةً طبيعية ، بل بناءً من "إيترا " معدنية سوداء ، خشنة ومغطاة بأشواكٍ كالمناشير ، استُدعت من أعماق الأرض بقوةٍ ساحقة.

هذه الكتلة المسننة اخترقت جسد "مورفيند فالتير ". جاء الاختراق من منتصف ظهره ، ممزقاً عموده الفقري بقوةٍ وحشية ، ورأس الحربة المخضب بالدماء يبرز من صدره العريض.

كان جسد العجوز الضخم الذي خاض عشرات المعارك ، معلقاً في الهواء على ذلك الوتد المعدني الشيطاني.

كانت النيران الزرقاء والحمراء لا تزال تحرق لحمه ، وتتغذى على دمه و "إيترا " الخاصة به.

كان المشهد بشعاً لدرجةٍ أثارت غثياناً فورياً وهددت بالجنون.

لقد تفحم جلد "مورفيند " القوي وتصلب كدرعٍ من فحم أسود ، متصدعاً ويسرب دماءً وسوائل جسدية تغلي وتتبخر بمجرد ملامستها للهواء الحارق بفحيحٍ مقزز.

كانت رائحة الشعر المحترق ، ودهون الجسد ، ونخاع العظام خانقةً وكثيفة.

لكن… "مورفيند " لم يمت وهو ينسحب. فلم يكن مطعوناً من الخلف ، بل كان جسده المعلق منحنياً للأمام.

رغم الألم الذي لا يمكن تخيله ، ورغم تهشم عموده الفقري وتمزق أحشائه ، استخدم "مورفيند " آخر ذرةٍ من إرادته كأب لينحني ، ليقوس جسده العملاق كالقبة -كدرعٍ بشري- محاولاً حماية ما يكمن تحته من الانفجار والنيران.

ارتجفت شفاه "كايل ". اتسعت عيناه القرمزيتان لدرجة التمزق ، وبارزت عروقه كأنها ستنفجر.

"لا… لا… أرجوك لا… "

خطا "كايل " إلى الأمام آلياً ، كجثةٍ تحركها خيوطٌ غير مرئية. لم تعد الحرارة تهم ، تلاشى ألم قدميه المذاب ، وتلاشى كل شيء إلا هذا المشهد المروع.

نظر تحت القفص الصدري المتفحم لـ "مورفيند ". نظر إلى ما ضحى الأب بروحه وبكل قطرة دمٍ لحمايته.

تحت الجسد المعلق ، على أرضيةٍ تحولت إلى زجاجٍ منصهر كانت ترقد جثةٌ أخرى.

جثةٌ أصغر بكثير.

لم يكن هناك وجهٌ للتعرف عليه. لا ملامح. فقط كتلة من اللحم المنكمش والمحمص حتى العظم.

لقد كان الانفجار السحري أقوى من اللازم ، والحرارة متطرفة ؛ فجسد "مورفيند " رغم حجمه وقوته كصياد من الرتبة (ب) لم يكن كافياً لمنع "الإيترا " الآكلة للهجوم من الوصول إلى "فيكتور ".

كانت أطراف الجسد الصغير ملتويةً بزوايا غير طبيعية ، ملتفةً للداخل كعنكبوتٍ ميت تحت الشمس ، محترقةً ومندمجةً مع بقايا ملابس النوم.

لقد ذاب الجلد تماماً ، تاركاً طبقاتٍ من العضلات المتفحمة وعظاماً هشّة بارزة كأنها أغصان ميتة.

غلت السوائل الجسديه وتبخرت ، تاركةً فقط رائحة الموت الخالص -أسوأ بكثير من مختبر الميتم.

لقد تحول الفتى الحيوي إلى كومةٍ من الفحم العضوي.

لكن وسط تلك الكتلة السوداء المرعبة كانت هناك خصلةٌ واحدة.

خصلةٌ صغيرةٌ جداً نجت بمعجزةٍ من الاحتراق المباشر لأنها كانت مدفونةً تحت حذاء "مورفيند " المتفحم ، محميةً بظل قدم أبيه.

خصلةٌ من الشعر الأشقر الساطع.

خصلةٌ تخص شقيقه… توأمه في الألم… صديقه الوحيد – "فيكتور ".

"فيكتور " الذي كان يضحك قبل ساعاتٍ فقط. "فيكتور " الذي حلم بأن يصبح السيف الذي سيحمي شقيقه.

الآن لم يكن سوى بقايا مشوهة ، رماد ولحم تالف تحت جسد والده الممزق.

انهار "كايل " على ركبتيه المحترقتين ، يختلط دمه بالرماد تحته.

لم تبقَ في عينيه دموعٌ ليبكيها. ابتلعت الصدمة كل شيء.

عقله الذي كان يحاول دائماً التحليل والفهم ، تحطم كزجاجٍ ضربته مطرقةٌ ثقيلة.

حدق في الخصلة الشقراء الملطخة بالرماد. حدق في وجه "مورفيند " الذي ذابت ملامحه تماماً ، تاركةً جمجمةً مكشوفةً جزئياً ، وفكاً مفتوحاً كأنه ما زال يصرخ بصرخته الأخيرة لحماية ابنه.

عاد إليه الرعب مختل الذي عاشه في الميتم مضاعفاً ألف مرة.

لقد أراه الميتم قسوة البشر تجاه الغرباء ، لكن هذا الهجوم أراه أن الكون نفسه يستمتع بتعذيبه ببطء.

في كل مرةٍ يبني فيها حصناً من الأمل كان يُسحق ويُلطخ بدماء من يحب.

في كل مرةٍ يجد فيها الدفء كان يحترق به حتى يتحول إلى رماد.

الكراهية تجاه نفسه لأنه شكَّ في "مورفيند " ولو للحظة نهشت روحه كحمضٍ أكّال.

وضع "كايل " يديه المرتجفتين على رأسه. حفرت أصابعه في شعره الأسود بقوةٍ كادت تمزق فروة رأسه.

هز رأسه ذهاباً وإياباً في حركةٍ هستيريةٍ مريضة.

فتح فمه. فلم يكن هناك أكسجين – فقط هواءٌ مشبع بالموت ورائحة عائلته وهي تشوى.

انطلقت صرخةٌ من حنجرته.

لم تكن صرخة طفلٍ خائف ، ولا إنسانٍ يتألم.

كانت صرخة كيانٍ يُجر حيًّا إلى أعماق الجحيم. حيث صرخة وحشٍ وُلد من عذابٍ خالص.

صرخةٌ مزقت حباله الصوتية ، لتندمج مع صوت السقف المنهار والمحترق.

صرخةٌ تحمل كل كراهية الكون ، وكل الظلام الذي حاول "مورفيند " عبثاً إبقاءه بعيداً عنه.

استمر في الصراخ ، وعيناه القرمزيتان مثبتتان على بقايا عائلته المتفحمة ، والدم يتدفق من حنجرته الممزقة حتى تحول بصره إلى سوادٍ تام.

سقط جسده النحيل على الأرضية المشتعلة بجانبهم.

فقد وعيه بينما كانت النيران الزرقاء تقترب ، تزحف ببطء لتلعق أطراف ملابسه – منهيةً حلم عائلة "فالتير " وتاركةً خلفها طفلاً لن يعرف في حياته القادمة سوى لغة الرماد ، والدم ، والانتقام المجنون.

تعليق

Subscribe
Notify of
0 التعليقات
Oldest
Newest
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

لقد اكتشفنا أنك تستخدم إضافات لحجب الإعلانات. يرجى دعمنا بتعطيل هذه الإضافات.

لماذا تظهر لك هذه الرسالة بالرغم من انك لا تستخدم مانع اعلانات؟!

قد تكون تستخدم غي بي ان به خاصية منع الاعلانات.

او قد تكون اعدادات الشبكة تحمل DNS يقوم بحظر الاعلانات.

الحل الامثل استخدام متصفح كروم او اي منصفح لا يملك خاصية منع الاعلانات واذا كانت المشكلة موجودة وانت لا تستخدم اي شئ جرب فتح الموقع بإستخدام في بي ان ولتكن الدولة مثلا امريكا.

ايضا العضوية المدفوعة تمنع ظهور هذه الرسالة وتمنع الاعلانات.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط