الفصل العاشر: دار الأيتام (٢)
حين همس كايل ، انتفضت "كايلا " والتفتت نحوه ، وبدا التوتر جلياً في كل تقاسيم وجهها. سارعت نحو فراشه ، ولم تكن خطواتها تُحدث صوتاً يُذكر. جلست بجانبه ووضعت يدها المرتجفة الباردة كالثلج على جبينه ، بينما رفعت سبابة يدها الأخرى إلى شفتيها.
"صه… اهدأ يا صغيري " تمتمت كايلا بنبرة خافتة وسريعة ، وكان صوتها يرتجف وكأنها على وشك البكاء. و نظرت بذعر نحو الباب الموارب. "إنه مجرد حلم. لا تفتح عينيك. الظلام مخيف ، لكني هنا. أغمض عينيك ، ولا تنظر إلى الوحوش. "
فعلت كلماتها فعل السحر ، أو ربما كان ملمسها يحمل دفئاً مألوفاً رغم برودتها. أغلق كايل عينيه بطاعة وغرق مجدداً في النوم تحت كفها ، مؤمناً بأن كل ما رآه لم يكن سوى كابوس. وبمجرد أن انتظم تنفسه ، تسللت كايلا عائدة إلى الظلام.
في صباح اليوم التالي ، بدا كل شيء طبيعياً. استيقظ الأطفال وتوجهوا إلى قاعة الطعام لتناول وجبة إفطارهم المعتادة. أخبرهم كايل بما رآه في منامه. و قال كايل وهو يلوح بملعقته "راودني حلم غريب الليلة الماضية ، دخلت كايلا وبدت خائفة جداً ، ثم جعلتني أنام مجدداً. حيث كان الأمر يبدو حقيقياً للغاية ".
ضحك فيكتور وقال "أنت تحلم بكايلا لأنها تطعمنا طوال الوقت! ربما أحضرت لك الحلوى ولم تخبرنا! "
وبينما كانوا يضحكون ، فُتح باب القاعة فجأة. دخلت السيدة "جريس " مديرة الدار. حيث كانت طويلة ونحيلة ، ترتدي ثوباً أسود صارماً ، وكانت ابتسامتها دائماً… مثالية أكثر مما ينبغي. مثالية لدرجة أنها لم تصل يوماً إلى عينيها الميتتين.
صفقت السيدة جريس بيديها لجذب الانتباه وقالت بصوت حاد يفتقر إلى الدفء "يا أطفال! لدي أخبار رائعة هذا الصباح! 'الجنة ' يفتح أبوابه مجدداً لأحدكم. و لقد وصلت عائلة ثرية جداً هذا الصباح ، وقد اختاروا… " صمتت برهة ، بينما مسحت بنظراتها الوجوه البريئة ، ثم أكملت "…إدغار! "
ساد صمت مذهول قبل أن ينفجر الأطفال بالتصفيق. و اتسعت عينا إدغار البنيتان من الصدمة ، ثم غمرتهما فرحة عارمة. صاح إدغار وهو يعانق فيكتور ، وكايل ، وسيرين التي قفزت معه بحماس "أنا ؟ هل سأُتبنى ؟ هل سأرى العالم الخارجي ؟ "
من بعيد كانت كايلا تقف بجانب باب المطبخ ، ولم تكن تبتسم. قبضت على طرف مئزرها بقوة جعلت القماش يتمزق. حيث كانت تتصرف وكأنها في مأتم… لا ، بل كانت تبدو مذعورة. لمعت عيناها بالدموع وهي تراقب إدغار يركض نحو المديرة.
جاء إدغار ليودعهم. حيث كان المشهد درامياً وصادقاً بمرارة كصدق براءة الطفولة. و قال فيكتور وهو يعانقه "لا تنسنا يا إدغار! أرسل لنا ألعاباً من الخارج! "
رد إدغار ودموع البراءة تملأ عينيه "سأفعل! أعدكم! سأخبر عائلتي الجديدة عنكم ، وسنلعب معاً في حديقة حقيقية! "
مسحت سيرين دموعها بكمها الصغير وقالت "وداعاً يا إدغار… كن سعيداً ".
لوح كايل مبتسماً "أتمنى أن تكون سعيداً يا إدغار. الجنة بانتظارك ".
أمسكت السيدة جريس بيد إدغار وقادته خارج قاعة الطعام. لم يدرك الأطفال الثلاثة الذين بقوا خلفه -كايل وفيكتور وسيرين- أن هذه كانت آخر مرة سيرون فيها إدغار يلوح لهم. لم يعرفوا أن "العائلة الثرية " كانت في الواقع سيارة سوداء مصفحة تحمل شعار مختبر بيولوجي تابع لإحدى النقابات ، وأن "الجنة " لم يكن سوى طاولة تشريح معدنية باردة.
لم يتبق سوى ثلاثة. وبدا المهجع أكثر برودة وفراغاً تلك الليلة دون أنفاس إدغار الهادئة. مرت الأيام ببطء ، وكان الشيء الوحيد الذي يتكرر -بشكل مثير للقلق- هو حلم كايل. ففي ليالٍ متفرقة كان يستيقظ على الصوت نفسه: صوت فتح الباب.
في كل مرة كان يرى المشهد ذاته مع اختلافات طفيفة. حيث كان يرى كايلا ، لكن التغيرات جعلت من "الحلم " أكثر رعباً. ذات مرة رأى كايلا تقف عند الباب وخلفها ظل ضخم لم يعد بشرياً كانت عيناه تلمعان في الظلام. و لكن كايلا كانت تهرع إليه دائماً ، يداها ترتجفان ، تهمس بكلماتها المهدئة وتمسح على جفنيه القرمزيين حتى يغرق في النوم مجدداً ، وكأنها تحميه من رؤية شيء ما.
ثم… حل اليوم المشؤوم. و بعد بضعة أيام من رحيل إدغار ، دخلت السيدة جريس الساحة مجدداً ، وبالابتسامة البلاستيكية ذاتها المرتسمة على وجهها. و قالت "يا أطفال " ثم استقرت عيناها على الفتاة ذات الشعر الفضي "سيرين ، حان دورك. عائلة رائعة بانتظارك في مكتب الإدارة ".
توقف كايل وفيكتور عن اللعب ونظرا إلى سيرين. و اتسعت عينا الفتاة الخجولة الزرقاوين من الصدمة ، ثم ابتسمت بخجل. حيث كان وداع سيرين سريعاً ، مليئاً بدموع البراءة والأماني بحياة سعيدة "في الخارج ".
ولكن حين غادرت السيدة جريس مع سيرين ، ركضت كايلا إلى الساحة. لم تعد الشابة المشرفة قادرة على إخفاء انهيارها ؛ سقطت على ركبتيها أمام كايل وضمته إلى صدرها بقوة كادت تكسر ضلوعه. بكت بمرارة ، وبللت دموعها الساخنة كتفه واختلطت بشعره الأسود.
قال كايل بتعجب وهو يربت على ظهرها بيديه الصغيرتين "كايلا ؟ لماذا تبكين ؟ سيرين ذاهبة إلى الحرية ".
همست كايلا في أذنه بصوت مخنوق ومكسور لن ينساه أبداً "اسمعني يا كايل… مهما فعلت ، لا تفتح عينيك في الليل. مهما سمعت… ومهما حدث… لا تستيقظ. ابقَ نائماً. تظاهر بالموت. أعدني! "
تأتأ كايل غير مدرك للرعب الذي استبد بمشرفته "أنا… أعدك ". قبلت جبينه بعمق ، ثم وقفت ومسحت دموعها بعنف. ثم استدارت ومشت مبتعدة ، وكتفاها تهتزان من نحيب مكتوم.
في الليلة التي تلت رحيل سيرين ، حلم كايل بالحلم نفسه مجدداً مع اختلافات جديدة. فُتح الباب ، اقتربت الخطوات ، وصدرت أصوات مكتومة. و لكن هذه المرة لم تكن كايلا موجودة لتعيده إلى النوم. رأى ظلاً طويلاً ينحني فوق أحد الأسرة في الجهة المقابلة من المهجع ، ثم غرق كايل في النوم من شدة الخوف والإرهاق.
ثم في ليلة ممطرة بعد أيام… لم تكن ليلة عادية ، فقد أفرغت السماء غضبها فوق "إليسيوم ". هطل المطر بقوة مرعبة ، يضرب نوافذ الدار وكأنه يحاول تحطيمها. دوّى الرعد بصوت يصم الآذان ، وأضاء البرق المهجع بومضات بيضاء باردة كأنها مصابيح غرفة التشريح.
كان كايل ينام بجانب فيكتور ، وكانا الوحيدين المتبقيين من مجموعتهما.
"صرير… "
انفتح الباب المعدني الثقيل. و هذه المرة لم يستيقظ كايل فوراً. أبقى عينيه مغلقتين ، متنفساً بانتظام. تذكر بوضوح تحذير كايلا "لا تفتح عينيك… تظاهر بالموت ".
سمع خطوات لم تكن خطوات كايلا الخفيفة التي كانت تتسلل للاطمئنان عليهم. حيث كانت خطوات ثقيلة ومبتلة ، كأن شخصاً ينتعل حذاءً مطاطياً ضخماً يسير وسط بركة من الوحل. "شـشش… خـشـش… قـرص… "
ملأت أصوات غريبة الظلام ؛ أنفاس لا تبدو بشرية تماماً ، وهمسات خشنة. ثم صوت جر شيء ما ، كأن كيساً ثقيلاً جداً يُسحب على الأرضية الخشبية. وأخيراً… انغلق الباب بصوت مسموع من الخارج.
انتظر كايل دقيقة كاملة ، وكان قلبه الصغير يخفق بجنون. وحين تأكد أن الصوت قد تلاشى تماماً ، فتح عينيه القرمزيتين ببطء. ومض البرق ، فرأى أن فيكتور لم يكن نائماً أيضاً ؛ كان فيكتور يجلس ضاماً ركبتيه إلى صدره ، وعيناه الزرقاوان واسعتان في الظلام.
نظر كايل إلى فيكتور. تصادم صمت الأطفال البريء مع الرعب مختل الذي كان يملأ الأجواء. و بالنسبة لأي بالغ كانت الحقيقة واضحة ومقززة "التبني " لم يكن سوى عملية صيد ليلية ؛ حيث يدخل الموظفون -أو كيانات تابعة للنقابة- إلى المهجع ليلاً لاختيار ضحايا للتجارب ، ويأخذونهم في صمت.
كانت كايلا تعرف ذلك فكانت تتدخل كل ليلة لتعيد كايل إلى النوم حتى لا يرى الخاطفين فيصاب بالذعر. و لكن كايل وفيكتور… لم يكونا سوى طفلين في الرابعة من عمرهما. عجزت عقولهما البريئة عن ترجمة هذا الرعب إلى حقيقته الوحشية ، فتمسكت العقول بالتفسير الأكثر أماناً الذي اعتادوا عليه.
همس كايل بصوت خافت بالكاد يُسمع وسط صوت المطر ، وعيناه القرمزيتان تبحثان في الظلام "هل كانت… كايلا مجدداً ؟ "
نظر فيكتور نحو الباب المغلق وبلع ريقه ، ثم رد بصوت مرتجف "أعتقد أنها هي… "
سأل كايل ببراءة طفولية قاتلة وهو يعقد حاجبيه الصغير "لماذا تأتي في كل مرة ؟ ظننت أنها تحلم فقط… ربما تتفقدنا ؟ ربما تحتاج إلى مساعدة ؟ "
فرك فيكتور ذراعيه من البرد وفكر في الأمر بمنطق طفل. أضاءت ومضة برق أخرى وجه فيكتور الشاحب ، فقال ببطء وبصوت ملؤه أمل نقي يؤلم القلب "ربما… ربما تحتاج إلى مساعدتنا في الخارج ، لكنها خائفة جداً من أن تطلب ذلك لأننا صغار ؟ "
اتسعت عينا كايل القرمزيتان بفهم طفولي خاطئ ، لكنه مليء بالإخلاص لتلك المشرفة التي أصبحت بمثابة أم له. صدى صوت كايل بحماس مكتوم استبدل خوفه "إنها تحتاج إلى مساعدتنا ؟ " لقد نسي تحذير كايلا. و إذا كانت كايلا في مأزق وتأتي كل ليلة لكنها تتردد في طلب المساعدة ، فهذا يغير كل شيء.
سأل كايل وهو ينهض ببطء على قدميه العاريتين على الأرضية الباردة "هل نبحث عنها ونساعدها ؟ "
نظر إليه فيكتور ، وانبثقت ابتسامة كبيرة ومشرقة ومفعمة بالأمل على وجهه ؛ ابتسامة تباينت بشكل مؤلم مع الجحيم الذي يعيشون فيه. صاح فيكتور وهو يقفز واقفاً ويمسك يد كايل الصغيرة "نعم! سنساعدها! سنجدها ، ونساعدها ، ونجعلها سعيدة كما تجعلنا نحن! "
طفلان حافيا القدمين ، يفيض قلباهما ببراءة مفرطة ، ممسكان بأيدي بعضهما في ظلام المهجع ، خطا خطوات ثابتة نحو الباب الخشبي… الباب ذاته الذي لم تكن خلفه كايلا ، بل مسلخ بشري ينتظر. حيث كانت سذاجتهما هي سلاحهما الوحيد ، ولم يدركا أنها ستقودهما مباشرة إلى بوابات الجحيم.