الفصل 119: الفصل 115: ظهورٌ خاطف للأنظار
"أيُّ ضربٍ من السموم هذا ؟ لقد أوقع خبيراً من المرتبة الرابعة في شباكه دون أن يشعر ؟ "
في غياهب الظلام ، حملت الرياح العاتية المطر إلى داخل النُّزل ، لتلسع "تشنج روي وو " بقشعريرةٍ سَرَت في أوصاله ، فغاص قلبه في بحرٍ من الوجل. إنَّ القوى التي تملك مثل هذا السم الفتّاك ليست بكياناتٍ عاديةٍ البتة.
وليُعلم أنَّه لم يتناول هو ، ولا ذلك القائد المُدرّع بالزُّرقة ، شيئاً منذ دخولهما النُّزل ، مما يعني أنَّ هذا السم الغريب قد تغلغل في الهواء ، ولا ينشط مفعوله إلا باستنشاقه. هو سمٌّ لا لون له ولا طعم ، وامتلاك مادةٍ كهذه ليس بالأمر الهيّن على جماعةٍ مغمورة.
استرجع في ذاكرته شائعةً سرت مؤخراً ، فخفق قلبه اضطراباً وهو يشدُّ على يد أخته ، مُناوَلاً إيّاها "حبةً مضادة للسموم " في خفاء. حيث كانت تلك الحبة من صنع طائفته ، وهي نفيسةٌ للغاية ، بيد أنَّها لم تُحدث أدنى أثر ، مما كشف له عن هول ذاك السم وشراسته.
"من ذا الذي يختبئ ويتوارى في الظلال ؟ اخرج إلينا! "
دوّى صوت القائد المُدرّع بالزُّرقة في العتمة ، يزمجر بغضبٍ عارم.
"هاهاها- "
تعالت ضحكاتٌ فجائية من فوق النُّزل "دوان بي تشنج ، ألم تكن تبحث عني طويلاً ؟ ها أنا ذا أمامك. "
تخطّت دقات قلب "تشنج روي وو " نبضات الخوف ، والتفت غريزياً ليرى المساعد الذي كان يتوارى خلف المنضدة يخرج للعلن ، ووجهه طافحٌ بالغطرسة.
إنه هو!
ذهل "تشنج روي وو " ؛ فقبل لحظاتٍ كان هذا المساعد يستقبله بانحناءاتٍ وتذلّل ، ولم يخطر ببال أحدٍ أنَّ هذا المرء كان يتظاهر بالبراءة ليخدع الجميع. تذكّر تقبيلهً دقيقة: لقد كان هذا الشخص هو من أشعل المصابيح على الجدار ؛ فلا بد أنَّه لوّث زيت المصباح في تلك اللحظة ، ليُسقطهم في الفخ دون دراية.
سخر القائد "دوان بي تشنج " "إنَّ 'طفل الشيطان ' المعاصر من 'طائفة شيطان الدم ' المبجل ، يتنكر في زي مساعد نُزل ، وينحني للناس ويتملقهم ؟ أليس هذا مضحكاً لو انتشر الخبر ؟ "
رد المساعد بلهجةٍ خبيثة "الأمر يسير ، فقط تأكّد من ألا يخرج الخبر للعلن. "
سمع "تشنج روي وو " الحوار ، فغاص قلبه في قاعٍ من اليأس.
لقد صدق حدسه ، إنها 'طائفة شيطان الدم '! بل إنَّ هذا المساعد هو 'طفل الشيطان ' المعاصر للطائفة. وبالنظر إلى أساليبهم ، فإنَّ مآل الجميع هنا سيكون أشدَّ وطأةً من الموت. اعتصر قلبه المرارة ، فقبض على يد أخته بقوة ، بينما امتدت يده الأخرى إلى صدره يستلُّ خنجراً ، وعيناه تشتعلان بتصميم ؛ فقد عقد العزم على قراره....
قال "دوان بي تشنج " بازدراء "لو كنت واثقاً من قدرتك على قتلي ، لما لجأت إلى هذه الحيل الوضيعة. والآن وقد تملّك السم مني ، ولا تجرؤ على الإقدام ، فجبنك هذا يجعل من نعتك بـ 'رأس السلحفاة ' إطراءً لا تستحقه. "
ومضت حمرة الغضب في وجه المساعد لكنها تلاشت سريعاً ، ثم صاح فجأة "دينغ زي يانغ ، كف عن الاختباء ، أعلم أنك هنا. كل ما عليك فعله هو قتل هذا الرجل ، وسأعفو عما سلف. "
كان الاسم غريباً على مسامع الحاضرين إلا "هوو تشيان تشيان " المختبئة تحت الطاولة ، فقد ذُهلت لسماع هذا الاسم المألوف. كيف يمكن أن يكون هو ؟ لكنها عادت لتظن أنه محض تشابهٍ في الأسماء.
وفي تلك اللحظة ، انطلق صوتٌ مألوف "إذن أنت هو 'طفل الشيطان ' الحقيقي! لا عجب أن ذاك الأحمق من 'مدينة تشنج فينغ ' أحدث كل تلك الجلبة ؛ لقد كان مجرد كبش فداءٍ لك. "
لم تتمالك "هوو تشيان تشيان " نفسها فنظرت خلسةً ، ورأت في الظلام رجلاً يخرج من الخلف. وبإمعان النظر ، تيقنت أنه "دينغ زي يانغ " ذاته.
صُدمت ؛ ألم يكن "دينغ زي يانغ " يعمل لصالح 'البوابات الست ' ؟ كيف تورّط مع 'طفل الشيطان ' من 'طائفة شيطان الدم ' ؟
قال المساعد "أيها دينغ زي يانغ أنت رجلٌ ذكي. لم ينجُ أحدٌ من تلاميذ 'مدينة تشنج فينغ ' سواك ، لأنك غادرت مبكراً فنجوت من 'المحنة الأولى '. أنا أقدرك حقاً ؛ لو قتلت هذا الرجل ، سأعلمك المستوى الرابع من 'كتاب شيطان الدم ' لتتخطى حاجز المرتبة الرابعة. "
صمت "دينغ زي يانغ " لحظةً ثم قال "ماذا لو رفضت ؟ "
"هاهاها... "
ضحك المساعد بجنون "أيها دينغ زي يانغ ، ظننتك ذكياً ، فكيف بلغت من الحمق هذا المدى ؟ ألا تفهم ؟ منذ بدأت تمرين 'كتاب شيطان الدم ' ، لا عودة إلى الوراء. حتى لو فررت إلى أقاصي الأرض ، ستظل شيطاناً ملاحقاً ، ولا مكان لك تحت هذه السماء. "
لم يتكلم "دينغ زي يانغ " لكن أنفاسه تسارعت ، وبدا واضحاً أنه تأثر.
"دينغ لانغ. "
في تلك اللحظة ، خرجت امرأةٌ من خلفه ، وأمسكت بيده بقوة....
"الأخت الكبرى الثانية ؟ "
عندما سمعت "هوو تشيان تشيان " وتلميذات 'طائفة شياو شوي ' هذا الصوت المألوف جداً ، وقع عليهن النبأ كالصاعقة.
لماذا تقف الأخت الكبرى الثانية بهذا القرب من ذلك الشيطان ؟ وهي على وشك الزواج!
لقد نادته بـ "دينغ لانغ ".
في تلك اللحظة ، شعرن وكأن السماء توشك أن تنهار فوق رؤوسهن....
"تشك تشك. "
سخر المساعد حين رأى المرأة "الآن أدركتُ لِمَ صرت بهذا الحمق و كل ذلك من أجل امرأة. حقاً ، غباءٌ لا يُرجى شفاؤه ، ولا أمل فيه. "
لم يكلّف نفسه عناء الحديث ؛ فالكلام مع من سُلب عقله بشباك الهوى ، وعجز عن قطع أدنى روابط العاطفة ، عبثٌ محض. "يمكنك الانصراف. "
"الانصراف ؟ بل ابقوا جميعاً هنا! "
في تلك اللحظة ، انطلقت صيحةٌ غاضبة ، دوّى صدى الصوت في الأرجاء ، فخرَّ عامة الناس مغشياً عليهم ، بينما شعر أصحاب الزراعة الروحية الأضعف بالدوار والغثيان ، وداهمتهم رغبةٌ عارمة في التقيؤ.
"السيدة وانغ! "
تهللت أسارير تلميذات 'طائفة شياو شوي ' ، بما فيهن "هوو تشيان تشيان ". كنَّ في انتظار ظهورها بفارغ الصبر ، ومع تدخلها ، أيقنَّ أن النجاة قد اقتربت ؛ فقد كان لديهن ثقةٌ مطلقة في قدرات السيدة "وانغ "....
كانت "وانغ يو مي " قد كبحت جماح السم الغريب في جسدها مؤقتاً باستخدام الحبوب طائفتها وقوتها الداخلية الهائلة ، ثم طاردتهم على الفور. وما إن وقعت عيناها على الرجل الذي يمسك يد تلميذتها "تشو شي شي " حتى اندفعت نحوه كأنثى أسدٍ هائج ، وعيناها تقدحان شرراً ، تبتغي قتله بضربةٍ واحدة من كفها.
"معلمتي ، لا تفعلي- "
ذُهلت "تشو شي شي " حين رأت معلمتها ، وشحب وجهها ذعراً. فقد كانت تعرف حدة طباعها ، واندفعت دون تفكير لتحتمي أمام "دينغ زي يانغ " وتذود عنه.
توقفت كف "وانغ يو مي " فجأة ، على بُعد بوصةٍ واحدة من رأس تلميذتها. فأمام تلك التي رعتها لأكثر من عشر سنوات ، لان قلبها في اللحظة الأخيرة.
بام!
سقط "دينغ زي يانغ " الذي كان تحميه "تشو شي شي " أرضاً تحت وطأة ضربةٍ عنيفة.
قالت "وانغ يو مي " ببرود "هل تظنين أنكِ قادرةٌ على حمايته ؟ "
"دينغ لانغ! "
صرخت "تشو شي شي " بأسى ، وأسرعت تتفقد جراحه.
"احذري! "
صاح "دوان بي تشنج " بصوتٍ مفزوع.
شعرت "وانغ يو مي " ببرودةٍ تلامس ظهرها ، وبينما كانت تهمُّ بالتملص ، ذُهلت لاكتشاف ركود 'التشي الحقيقي ' في جسدها ؛ فقد أخذ السم مأخذه في تلك اللحظة الحرجة.
بصوتِ تمزقٍ مريع ، اخترق سيفٌ طويل أحشاءها.
ردت "وانغ يو مي " بضربة كفٍ أصابت كتف المهاجم من الخلف ، وسُمع صوت تهشّم العظام.
طاح المساعد بعيداً تحت وطأة الضربة ، وهو يتقيأ دماً.
"معلمتي! "
عندما رأت "تشو شي شي " معلمتها تصاب بهذا الجرح البليغ ، غلبها الحزن والأسى ، وأسرعت تسندها.
تساقطت قطرات الدم من زاوية فم "وانغ يو مي " وإذ رأت أن تلميذتها لا تزال تملك بقيةً من ضمير ، شعرت بشيءٍ من العزاء ، فأصدرت أنيناً مكتوماً ، وقالت بصوتٍ مبحوح "لن أموت... "
انفجرت "تشو شي شي " في بكاءٍ مرير ، ممزقةً بين حبيبها ومعلمتها و كلاهما مثخنٌ بالجراح ، ولم تدرِ أيهما تُغيث أولاً ؛ فكانت يداها تسندان معلمتها وقلبها يذوب قلقاً على حبيبها حتى كادت روحها أن تفيض أسىً....
في هذه الأثناء ، تفجرت هالة سيفٍ باردة داخل النُّزل.
اغتنم "دوان بي تشنج " الفرصة ، وتحرّك بحزم ، مهاجماً المساعد المصاب ليقضي عليه.
"لقد وقعتَ في الفخ! "
ابتسم المساعد ابتسامةً غريبة ، وما إن اقترب "دوان بي تشنج " حتى سُمع فحيحٌ مريب.
يا للهول!
قبل أن يتدارك "دوان بي تشنج " الموقف ، أحسّ بخدرٍ في صدره ؛ فقد أصيب بسلاحٍ خفي. حيث تملّكته شراسةٌ عارمة ، فجمع كل ما تبقى لديه من 'تشي ' حقيقي ، وهوى بسيفه الطويل بكل قوته.
بصوتٍ معدني ، انشطر سيف المساعد إلى قطعتين.
تجمّدت ابتسامة المساعد ، وومض الرعب في عينيه ، حاول التفادي ولكن هيهات ، فقد أصابته الضربة في كتفه مباشرةً ، كادت تفصل ذراعه عن جسده.
"آه- " أطلق صرخةً مريعة ، وركل "دوان بي تشنج " بعيداً ، ثم سقط على الأرض عاجزاً عن الحراك من الإنهاك.
صوت المطر المتساقط...
في لحظةٍ لم يبقَ داخل النُّزل سوى وقع المطر في الخارج ، ونحيب "تشو شي شي ". لم يكن أحدٌ يتوقع هذا المآل ؛ فالثلاثة الذين كانوا يملكون مصير الجميع قد أصيبوا بجروحٍ قاتلة....
كان "تشنج روي وو " يمسك يد أخته ؛ فقد أغرقت المعركة المروعة ملابسه عرقاً.
كان الوضع متوتراً إلى أقصى حد ؛ فالمساعد ، و "دوان بي تشنج " والسيدة "وانغ " من يتعافى منهم أولاً ، يستطيع الإجهاز على الاثنين الآخرين بسهولة.
صلّى في قرارة نفسه أن لا يكون المساعد هو من يستعيد عافيته أولاً. فلو تعافى هذا الشيطان من 'طائفة شيطان الدم ' ، فلن ينجو أحدٌ من الموت.
في تلك الأثناء ، أخرج المساعد قارورةً خزفية من صدره ، وابتلع حبةً دوائية.
على الفور انتشر أريجٌ لا يوصف في النُّزل ، أثار في النفس جوعاً غريزياً بدائياً حتى كاد المرء يندفع ليسلبها منه.
إنها 'حبة البشر '!
أدرك "تشنج روي وو " سريعاً ماهية ما في القارورة ، فهي حبةٌ يُشاع أنها تُصنع من جوهر لحم ودم فنانٍ قتالي ، قادرةٌ على تعزيز القوة فور استهلاكها.
قطر العرق البارد عن جبينه.
لو استرد المساعد عافيته وسيطرته ، فقد يكون مصيره أن يُصهر ليتحول إلى 'حبة بشر '.
بعد تناول الحبة توقف نزيف جرح المساعد سريعاً ، وجلس يتربع على الأرض ، منغمساً في هضم 'حبة البشر '.
يا للويل!
شعر "تشنج روي وو " بالرعب ؛ فبعد تناول هذه الحبة ، لا بد أن يتعافى هذا الشيطان قريباً.
ما العمل ؟
في تلك اللحظة ، قال "دوان بي تشنج " بضعف "يا آنسة تشو ، اقتلي ذلك الشيطان سريعاً ، وإلا فسينتهي بنا المطاف جميعاً إلى الهلاك بمجرد أن يستعيد قوته. "
توقفت "تشو شي شي " عن النحيب ، وأطبقت على أسنانها بغيظ ، والتقطت سيفاً من الأرض.
تكلم المساعد أيضاً "يا آنسة ، ليس لديّ نيةٌ لإيذائك ، فقد تركتكِ أنتِ وحبيبكِ تغادران سابقاً. إن لم ترحلي الآن ، فمتى ترحلين ؟ حين تتعافى معلمتكِ ، لن ينجو حبيبكِ بالتأكيد. "
لامست هذه الكلمات نقطة ضعفها ، فجعلتها تتردد مجدداً.
حثها "دوان بي تشنج " "هل ترغبين يا آنسة تشو في رؤية معلمتكِ ورفاقكِ هنا يُذلون ويُحولون إلى 'حبوب بشر ' ؟ "
وتابع المساعد "أقسم لـ 'مبجّل الشياطين ' ، أنني لن أؤذي رفاقكِ في الطائفة. وإن حنثتُ بقسمي ، فليصعقني رعد السماء وألقى نهايةً بائسة. "
وقفت "تشو شي شي " والسيف في يدها ، تنظر إلى معلمتها التي صار وجهها كقرطاسٍ أبيض ، ثم إلى "دينغ زي يانغ " فاقد الوعي ، وقد وقعت في حيرةٍ من أمرها.
في تلك اللحظة ، قالت "وانغ يو مي " بوهن "شي شي ، اقتليه! "
أخذت "تشو شي شي " نفساً عميقاً ، وعقدت العزم أخيراً ، ومشيت أمام المساعد ، وسددت السيف نحو صدره.
وبينما كان الشيطان يوشك على ملاقاة حتفه ، ارتخت جسد "تشو شي شي " فجأة ، وانهارت على الأرض ، عاجزةً عن الإمساك بالسيف الذي سقط بضجيج.
كان هذا التحول مفاجئاً فوق كل التوقعات ؛ ولم يعلم أحدٌ ما الذي أصابها.
"هاهاها- "
انفجر المساعد في ضحكٍ هستيري ، هزَّ صوتُه السقف ، مما دلَّ بوضوحٍ على تعافيه من جراحه.
لقد انتهى الأمر.
شعر الجميع بقشعريرةٍ تجمّد قلوبهم.
"ما الذي تصرخون لأجله ؟ ألا يستطيع المرء أن ينعم بقليلٍ من النوم ؟ "
في تلك اللحظة ، انطلق صوت شاتمٍ من فوق السقف ، مما جعل الحاضرين في ذهولٍ تام.
أكان هناك أحدٌ في الأعلى ؟
رعدٌ يجلجل!
تتالت صواعق الرعد خارج المنزل ، تلتها ومضات البرق.
هبط شخصٌ من فوق السقف ، وحطّ بخفةٍ على الأرض.
رآه الجميع بوضوح ؛ رجلٌ يعتمر قبعةً من الخيزران ، يرتدي ملابس خشنة ، يحمل سيفاً طويلاً ذا غمدٍ أسود بين ذراعيه ، وعوداً من الخيزران في فمه ، وتفيض تقاسيم وجهه بنظرة تحدٍّ لا تهاب شيئاً.
شعر "تشنج روي وو " بجسد أخته يرتجف بعنف ، واصطكت أسنانها ، وكأنها ترتعد خوفاً من هذا الشخص.
وكأن ومضة إلهامٍ سطعت في ذهنه ، حدس بهوية هذا الفرد.
'السيف المجنون '!
)ملاحظة : لا تنسوا دعمنا بالتصويت الشهري.)