Switch Mode

أقوم بتطوير التنانين باستخدام نظام التطوير الخاص بي 161

صدى الأمل في عمر 99 عاماً +


الفصل 161: صدى الأمل في التاسعة والتسعين

لم تكن كلمات "لوكس " هي ما أدهش الأرواح الثلاثة فحسب ، بل ذلك الهالة التي كانت يشع بها أثناء حديثه ، وتحكمه الاستثنائي في الطاقة الروحية —الذي مكنه من بث مشاعر مختلفة لكل واحد منهم— هي ما جعلت هذا الثلاثي يوقن أن "لوكس " الواقف أمامهم رجلٌ ذو شأن.

لم يكن الأمر مقتصراً على قوته أو الوحوش الغريبة التي استدعاها ، بل كان بسبب تلك الهالة التي تحيط به ؛ هالة الحاكم التي تجعل من هم على شاكلته يرتعدون فرقاً.

"بدأت حياتنا منذ أكثر من ألف ومئة عام. وحين وافانا الأجل ، كنا قد تجاوزنا المئة وخمسين عاماً. ومع ذلك اكتسبت حياتنا معناها الحقيقي في عيد ميلادنا المئة ؛ مع ميلاد ابننا وبداية الفصل الأخير من عمرنا ". ابتسم "كيكوم " وأشار إلى "أنيم " لتشاركه سرد هذه القصة.

قصة مكثفة استمرت خمسين عاماً وانتهت بمأساة.

***

كان النسيم في "وادى التنين الأحمر " ثقيلاً ، مثقلاً بالرماد والكبريت والحرارة الكامنة لوحوشٍ حرشفية كانت تحكم السماء.

لكن في المأوى الذي شيده الرفاق الثلاثة على حدود "جمهورية التنين " بدا الهواء فجأة وكأنه عالق في حالة من السكون ، كما لو أن الزمن نفسه قد توقف ليتأملهم.

لقد مضى ما يقرب من قرنٍ على تجوال "كيكوم " و "أنيم " و "زين " في هذا العالم معاً. وفي سن التاسعة والتسعين كان أي إنسان عادي ليصبح مجرد كومة من العظام الهشة والذكريات الباهتة ، ينتظر بصبرٍ عناق الموت.

لكنهم لم يكونوا بشراً عاديين ؛ بل كانوا "سادة الوحوش ". لم تكن دماؤهم تحمل الحياة فحسب ، بل حملت الطاقة الحيوية للمخلوقات البدائية التي شكلوا معها رابطة توطدت عبر عقود من التواصل.

ورغم أن أجسادهم كانت تحمل ندوب معارك لا تُحصى وويلات السنين إلا أنها لا تزال تمتلك مرونة البلوط وصلابة الفولاذ.

بالنسبة لـ "كيكوم " كانت تلك الظهيرة ذكرى عزيزة لا تُنسى.

كان ينظف الألجمة الجلدية لمطاياهم حين استشعر تغيراً في الأجواء.

تدفق الطاقة الروحية الذي كان عادةً متناغماً ومتوقعاً في منزله ، اتخذ منعطفاً مفاجئاً.

في وسط الفناء الحجري ، ركعت "أنيم " فجأة. وبجانبها ، راحت قطة التندرا —أحد الوحوش التي روضتها طوال حياتها— تحك رأسها الضخم المكسو بالفراء في حجرها ، وتصدر خرخرة مضطربة. حيث كانت القطة متوترة بوضوح.

وضعت "أنيم " يداً على بطنها ، بينما شحب وجهها بشكل غير معتاد ، وثبتت عيناها في الفراغ.

أسقط "كيكوم " الأحزمة من يده ، ورنَّ وقع ارتطامها بالأرض في أرجاء الفناء كصوت رعدٍ صامت. فلم يكن ترك هذه الأدوات المتخصصة بتلك الطريقة أمراً حكيماً ، لكنه لم يأبه ؛ إذ اندفع نحوها.

سألها بذعر "أنيم ؟ ".

في تلك اللحظة ، ظهر شخص من بين ظلال ورشة الطقوس. حيث كان "زين ". في ذلك الوقت لم يكن "الشبح الهائم " الذي سيذكره التاريخ لاحقاً ، بل كان رجلاً ذي نظرة عميقة ، مهووساً بالترددات غير المرئية للروح والدماء. و لقد تعمق كثيراً في سحر الطقوس لدرجة أنه تمكن من ابتكار تعاويذ قادرة على حبس الأرواح وإبطاء سريان الدماء.

كان حضوره يضفي سكوناً غامضاً. وحين تقدم لم يصدر عنه أي صوت ، لكن أصابعه تحركت بسرعة في الهواء ، ترسم خيوطاً غير مرئية من الطاقة أحاطت بـ "أنيم ".

صاح "زين " بصوت منخفض لكنه قوي كان كزئير نهرٍ جارف يجري تحت الأرض "انتظر يا كيكوم ، لا تحركها فجأة. أنيم... ". لم يستطع إكمال كلماته.

في تلك اللحظة ، رفعت "أنيم " نظرها ، وفي عينيها السوداوين —اللتين كانتا حازمتين وقاسيتين كعيني مفترس— رأى "كيكوم " ضعفاً لم يشهده قط طوال ما يقرب من مئة عام.

همست بصوتٍ يرتجف قليلاً وهي تنظر إلى بطنها "ليس مرضاً ولا شيئاً سيئاً... أشعر به هنا. إنه شيء صغير جداً ينمو في داخلي ، يبدو نهماً لدرجة أن وحوشي المستدعاة تتفاعل معه ".

اقترب "كيكوم " منها وأمسك بيديها ؛ كانتا باردتين ، لكن سيل الطاقة الذي يجري تحت جلدها كان هائلاً. و بالنسبة لـ "سادة الوحوش " كان الحمل في مثل هذا السن المتقدم أمراً لا يكاد يُسمع به ؛ معجزة بيولوجية تتحدى قوانين العالم.

إن حملاً في مرحلة متأخرة كهذه كان لينهك جسد أي امرأة عادية ، ويستنزف قوتها الحيوية حتى تتلاشى. و لكن "أنيم " بحد ذاتها كانت قوة من قوى الطبيعة.

ورغم أن السنين قد تركت أثرها إلا أن قدرتها كـ "السيدة وحوش " مكنتها من تحمل هذه المعجزة.

ارتجف "كيكوم "...

اقترب "زين " ببطء ووقف خلفهما. حيث مد يديه وحركهما مجدداً في دوائر متحدة المركز فوق رأس "أنيم " ليبدأ طقس تشخيص دقيق وأعمق مما سبق.

بدأت خطوط الطاقة الروحية ترقص حول بطنها.

قال "زين " وهو يرسم ابتسامة حقيقية ومذهولة على وجهه لأول مرة منذ سنوات "إنه حقيقي. إنها شرارة صغيرة ، روح جديدة تطالب بمكانها. كيف... ؟ ".

كيف تمكن "كيكوم " وهي من ذلك في مثل هذا العمر المتقدم ؟

لم يبلغا ذروة قوتهما في صغرهما ، لذا عانيا من كل العلل التي تصيب الجسد البشري. ورغم أنهما تجاوزا ذلك الآن ، وأصبحا "قديسي الوحوش " إلا أن تلك العلل كان من المفترض أن تلاحقهما.

لكن ما كان ينمو في رحم "أنيم " كان من لحم ودم "كيكوم " و "أنيم " لذا لم يكن هناك أي خلل.

إن الصمت المميت الذي خيم على الوادى ، حيث كانت تجوب تنانين النار ذات يوم لم يكشف إلا عن حجم هذه المعجزة العظيمة.

عانق "كيكوم " "أنيم " بمزيج من الفرح ورهبة مقدسة لم يشعر بها تجاه أي مخلوق من قبل. و في سن التاسعة والتسعين ، حين ظنا أن قصتهما قد كُتبت ، ولم يتبقَ سوى التقدم في السن لرعاية قطيعهما ، ألقى القدر في طريقهما بأكبر التحديات.

تمتم "كيكوم " مراراً وهو يسند جبينه إلى جبين "أنيم " "طفل... في خريف عمرنا... حياة جديدة ".

كانت السعادة التي تشع من جسده لا توصف حتى إن التنانين البعيدة التي يعرفونها طارت مقتربة.

تشبثت "أنيم " بكتفي زوجها ، وأخذت نفساً عميقاً ، مستشعرة جسدها يتكيف فوراً ، ويعيد تهيئة قنوات طاقتها الروحية لحماية الضوء الهش والقوي الذي ينمو في أحشائها. حيث كان هذا جسد "قديسة وحوش " ؛ فهو لا يعمل كأجساد البشر العاديين.

راقب "زين " هذا المشهد بتمعن مع ابتسامة محبة غريبة. و في الماضي ، حلم هو أيضاً بتكوين عائلة ، لكنه خاب أمله مرات عديدة لدرجة أنه قال لنفسه ذات مرة إنه لا يحتاج إلى زوجة.

كان يحتاج فقط إلى صديقيه الأعز على قلبه. حيث كانا عائلته ، وإخوته ، وكان مستعداً ليفدي حياته من أجلهما.

في تلك اللحظة ، وتحت سماء "جمهورية التنين " —واحدة من أقوى أمم عصرنا— أدرك الثلاثة أن حياتهم لم تعد ملكاً لهم ، ولا لوحوشهم ، بل لذلك الطفل الذي كان على وشك المجيء إلى العالم.

لم يعرفوا بعد شيئاً عن النبوءات ، ولا عن العبء الذي سيضعه العالم على عاتقهم بعد بضعة أشهر. و لكنهم تعاهدوا في قلوبهم على حماية ذلك المخلوق الصغير.

***

مرت الأشهر بسرعة. وسط الفرح العارم والتوتر كانت تمر أيام بسرعة البرق دون أن يلحظها أحد ، وأخرى تتثاقل وكأنها دهرٌ كامل.

ولحسن الحظ كانت الأيام المفعمة بالفرح أكثر.

في اليوم الذي بلغت فيه حياتهم قرناً كاملاً بالضبط ، اجتاحت "جمهورية التنين " عاصفة استثنائية.

منذ الفجر ، تحولت السماء إلى لون أرجواني سقيم ، وانهالت الغيوم على الأرض في طوفان هائل. حيث كان الماء يسقط بعنفٍ شديد لدرجة أنه جرف قمم الجبال وهدد بغمر أعشاش أقدس الوحوش.

حتى تنانين النار العظيمة في "وادى التنين الأحمر " اضطرت لإنصات لصوت الماء وهو يقرع الصخور ، شاهدةً على غضب أحد العناصر الطبيعية.

لم تكن حتى التنانين قادرة على فعل شيء حيال ذلك.

ففي ذلك اليوم ، ربما كان العالم أو إلهٌ ما غاضباً.

داخل المأوى الذي شيده "كيكوم " و "أنيم " و "زين " عبر السنين كانوا يخوضون معركة من نوع آخر.

كانت "أنيم " سيدة الوحوش التي لا تلين ، في حالة مخاض لساعات ، تعاني ولادة مؤلمة ومبرحة. أمسك "كيكوم " بيديها ، مستشعراً طاقة زوجته الروحية وهي تضطرب بعنف ، مهددةً بتدمير كل ما في طريقها.

أما "زين " الذي كان يقف في وسط الغرفة وظهرُه لهما ، فكان يكافح للحفاظ على طقوس الاحتواء السحري ؛ كانت يداه تنزفان من أثر الجهد المبذول لتوجيه وتثبيت سيل الطاقة الذي كان جسد "أنيم " يطلقه.

لولا أنها كانت "قديسة للوحوش " لكانت قد فارقت الحياة منذ زمن.

كانت تساعد في الولادة امرأة تنين ، وهي طبيبة خبيرة قضت سنوات في المساعدة في أصعب الولادات في المملكة. ذيلها الطويل وأسنانها التنينة هما ما يميزانها عن البشر ، فهي لم تكن تبدو كتنين ، إذ كانت في هيئتها البشرية.

نظرت بتركيز إلى مريضتها وقالت "إنه قادم ، يا صغيرة. إنه يزأر في أحشائك. بوجودنا نحن الثلاثة هنا ، لن يصيبك مكروه. ثقي بي ". اتسعت عيناها بعمق وهي توجه طاقتها إلى جسد "أنيم " لتساعدها على إخراج الطفل.

فجأة ، جاءت صرخة أخيرة أخرست زئير العاصفة في الخارج ، لتنهي مخاضاً مؤلماً. ودون أن تشعر "أنيم " انطلقت صرخة حادة وواضحة ، مفعمة بحيوية مذهلة ، لتكسر حدة التوتر في الغرفة.

في ذلك اليوم ، وُلد الصغير "آرلز ".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط