الفصل الثالث والسبعون: لويس كاّيا
كان روجل يبحث عن موقع كنيسة "إلهة الأم " في ناديويلو ، لكن قبل أن يهتدي إليها ، بادر أحدهم بالعثور عليه.
[أهلاً بك يا قبطان روجل.]
ظهر أمام روجل رجل في منتصف العمر ، يرتدي ثوباً ويبدو عليه الوقار. وقف بجانبه فارسان يرتديان دروعاً سوداء شاهقة الطول ، وإلى جوارهما ثلاث خيول مكسوة بدروع معدنية ، وقد ترجل الرجل عن صهوة جواده متعمداً كي يتسنى له الحديث مع روجل ؛ مما يدل بوضوح على صدق نيته.
[أنا لويس كاّيا ، الابن الأكبر للورد "ليوكايا " حاكم ناديويلو. وفيما يخص كنيسة "إلهة الأم " ربما تتفق رؤيتنا.]
[هل تسمح لي بدعوتك جانباً لنتحدث قليلاً ؟]
شعر روجل بالحيرة أمام هذا المشهد. ابن حاكم ناديويلو الأكبر ؟ أهو على خلاف مع كنيسة "إلهة الأم " ؟ وبعد لحظة من التفكير ، أومأ روجل برأسه وأتبع لويس كاّيا إلى عربته. لم تكن العربة كبيرة الحجم ، لكنها كانت ذات طراز أنيق ومريحة تكفي لشخصين للتحاور. غادر خادمان المكان بكل احترام بعد أن قدما لهما شاياً ومرطبات أُعدت بعناية فائقة.
كانت البسمة ترتسم على وجه لويس كاّيا ، حين قال: [لقد وصلت كنيسة "إلهة الأم " إلى ناديويلو منذ أمدٍ قريب. وأنا لا أكنّ لهم أي ود ، ولو اتسعت يدي لطردهم من ناديويلو بلا تردد ، إذ إنهم يطالبون بامتيازات تفوق الحد ، مثل إعفاء سفنهم من الضرائب ، وأراضٍ مجانية...]
[هاها ، يتذرعون باسم الإله لفرض مطالب غير معقولة بصلف. لذا اتخذت بعض التدابير الرامية إلى تقليص نفوذهم ، لكن وللأسف ، وقعتَ أنت في خضم ذلك. أرجو أن تقبل اعتذاري.]
تحدث لويس كاّيا بصدق.
تدابير ؟ أكان ذلك المؤمن مدفوعاً من قِبل لويس كاّيا ؟
أدرك روجل النقطة الجوهرية على الفور وأخذ نفساً عميقاً. حتى وإن لم يكن ذلك المؤمن تابعاً مباشراً للويس كاّيا ، فمن المرجح أنه كان جزءاً حيوياً من مخططاته ، مستغلاً غطرسة ذلك المؤمن لتعزيز موقفه وإضعاف كنيسة "إلهة الأم " في ناديويلو.
ومع ذلك... لم يظن روجل أن لويس كاّيا هذا شخص طيب القلب لمجرد ما فعله. ألم يدرك أن طبيباً بريئاً قد يقع ضحية لهذه المكائد ؟ إنه يعلم يقيناً ، لكنه لا يكترث. ولو لم تكن قوة روجل ظاهرة وجلية ، لما حظي بلقائه ، ناهيك عن تلقي اعتذار شخصي.
[عليك أن تعتذر للدكتورة سالي.] قال روجل بهدوء.
لم يشعر لويس كاّيا بالإهانة من رد روجل ، وبقيت تعبيرات وجهه ثابتة ، تكسوها ابتسامة هادئة. ففي منظوره ، من الطبيعي أن يكون لشخص ذي قدرات استثنائية كروجل طباع حادة ، بل في الحقيقة ، شعر بالارتياح بعد أن نطق روجل بهذه الكلمات. فكل ما قاله سابقاً كان حقائق هدفت إلى تحسين انطباع روجل عنه ، وما دام روجل لم يجنح للعنف أو يغادر المكان ، فلا تزال هناك فرصة للتعاون ؛ فهو في هذه المرحلة بحاجة ماسة إلى روجل كحليف.
[بالتأكيد ، سأعتذر شخصياً للدكتورة سالي.] أومأ لويس كاّيا بجدية.
لو كان بوسعه كسب صداقة روجل ، لفعل. و حيث بقي روجل على حياده ، لكنه أبدى استعداداً لسماع ما في جعبة هذا الرجل ، فهو يكره كنيسة "إلهة الأم " أكثر من لويس كاّيا ، على الأقل في الوقت الراهن.
[إن كان لديك ما تقوله ، فقل ما عندك مباشرة ، ولا تَدُر حول الحمى.] قال روجل.
إذا لم يستطع هذا الرجل تقديم مساعدة جوهرية له ، فسيضطر للتعامل مع متاعب كنيسة "إلهة الأم " بطريقته الخاصة.
عند سماع ذلك ابتسم لويس كاّيا ابتسامة خفيفة ، فقد فعل كل هذا ليطرح الصفقة التالية على روجل:
[في الواقع ، لدي صفقة تعود بالنفع المتبادل أرغب في مناقشتها معك.]
وبعد قوله هذا ، بدأت ملامح لويس كاّيا تأخذ طابع الجدية.
[سيد روجل ، قبل الشروع في مناقشة الصفقة ، لزاماً عليّ إطلاعك على أمر ما.]
[تؤمن كنيسة "إلهة الأم " بـ "إلهة البحر الأم " وتعتبر البحر أصل الخليقة. ويعتبر الكثيرون في مملكة الجزر الألف أن هذا هو المعتقد الأصيل للبحار الخمسة الكبرى. و لكن في الحقيقة ، جذور هذه الكنيسة تمتد إلى ما وراء البحار الخمسة.]
[قبل ثلاثين عاماً ، استولت مجموعة من المؤمنين الغامضين على "كنيسة المحيط " الأصلية في البحار الخمسة ، وغيروا عقيدتها واسمها. و لقد بدا الأمر وكأنه إصلاح محلي ، لكنهم في الواقع أطاحوا بـ "كنيسة المحيط " تماماً.]
[بعدها ، بدأوا توسعاً ضخماً داخل البحار الخمسة ، وأسسوا فروعاً في مدن الجزر ونشروا معتقدهم حتى يصلوا في نهاية المطاف إلى ناديويلو.]
نظر إليه روجل بهدوء وقال: [السماح بوجود منظمة قادرة على تضليل العامة... ألا يناسب هذا مصالحك النبيلة تماماً ؟ يكفيك أن تتنازل عن بعض المكاسب مقابل سيطرة أكثر أماناً على أراضيك ، لِمَ لا تفعل ؟]
حملت نبرة روجل سخرية مبطنة ، ورغم قسوة كلماته إلا أنها كانت صدقاً محضاً. فالدين والسلطة غالباً ما يتداخلان. وبالنسبة للويس كاّيا ، الابن الأكبر للورد نبيل ، فإن امتلاء قلبه بالعداء للكنيسة أمر غير معتاد ، وهذا أحد الأسباب التي جعلت روجل يستمع لثرثرته.
[لو كان الأمر كذلك حقاً ، لما مانعت وجودهم بالطبع.] قال لويس كاّيا بصراحة.
[ولكن يا قبطان روجل ، يجب أن تعلم شرطاً أساسياً لتبادل المصالح ، ألا وهو "التكافؤ ". إن كنيسة "إلهة الأم " قوية للغاية ، وإذا استمرت في النمو ، فلن تعرف ناديويلو سوى "إلهة البحر الأم " ولن تذكر آل "كاّيا ". وأعتقد أنك أدركت هذا من تصرف "الفارس المتفاني " سابقاً.]
[نفوذ كنيسة "إلهة الأم " متغلغل للغاية ، ربما حتى تدابيري لم تكن ضرورية.]
ثم تبدلت ملامحه فجأة إلى الجدية البالغة وقال: [علاوة على ذلك... هؤلاء المؤمنون ربما لا يعبدون إلهاً خيّراً بحتاً...]
قطب روجل حاجبيه ، ناظراً في عينيه ، مشيراً إليه بأن يواصل. بدا لويس كاّيا متحفظاً بعض الشيء:
[إن "إلهة البحر الأم " ليست سوى واجهة لكنيسة "إلهة الأم ". وما يعبدونه حقاً قد يكون كياناً مجهولاً...]
[أثناء دراستي في العاصمة الملكية قد سمعت شائعات حول هذه الكنيسة. يقول البعض إنهم يمارسون سراً طقوساً وصلوات شريرة ، وهذه الأقاويل ليست بلا أساس ؛ فقد شهدت العاصمة بالفعل حالات وفاة غامضة الأسباب في ذلك الوقت. حينها شعرت بفضول كبير وشرعت في تقصي الأمر ، فاكتشفت أنهم بالفعل كانوا يقيمون نوعاً من الطقوس الغامضة ، وكان اسم الطقس هو "المد ".]
أخذ لويس كاّيا نفساً عميقاً ، والتقط كوب الشاي ليرتشف منه ، وكأنه يسترجع ذكريات ماضية.
"المد " ؟
في الطرف الآخر ، فرك روجل ذقنه وهو يراقب المشهد.
[هذا كل ما أعرفه عن كنيسة "إلهة الأم " ؛ فأسرارهم مدفونة في أعماق سحيقة.] بدا وكأنه لا يرغب في الخوض أكثر في أمور الطقوس.
[قبطان روجل ، أضمنك ألا تواجه أي متاعب مع كنيسة "إلهة الأم " في ناديويلو طوال الأسبوع القادم. و علاوة على ذلك سأهديك بضع خرائط لكنوز قد تثير اهتمامك كـ "مغامر ". كما يمكنك اختيار سلاح أو قطعة عتاد ترضيك من خزينة آل "كاّيا ". بالإضافة إلى ذلك سأقدم لك كل عون أستطيعه ، إلى جانب مكافآت إضافية ، وإن كنت أظن أنها قد لا تعني لك الكثير.]