الفصل 161: الفصل 109: الملاذ الأخير لطائفة "الشر الأعلى "
ساد صمتٌ ثقيلٌ يقرعُ القلوب في تلك الفسحة الموحشة والمظلمة وسط الغابة ؛ حيث كان يخيلُ لمن يسيرُ وحيداً في دجى الليل أن وحشاً ذو نظرات باردة وشبحية يترصده من بين الظلال.
سارعَ بضعةٌ من أعضاء "المرصد " وقد تصببت جباههم عرقاً ، بالمغادرة فور إبلاغ "شين باي " ورفاقه بالخبر ، لينطلقوا مسرعين نحو الموقع التالي لإخطار زملائهم المرابطين في نقاط أخرى.
تبادل "شين باي " و "تشاو سان " نظراتٍ حملت في طياتها دهشةً متبادلة ، فقد اعتاد "سائقو الجثث " في ولاية "فينغلين " على القيام بهذه الرحلة سنوياً ، وهذه هي المرة الأولى التي يواجهون فيها هذا النوع من الخطوب.
مسح "شين باي " ذقنه وقال "لنذهب ونلقِ نظرة ".
صدر الأمر ؛ فما كان من المجموعة إلا أن انطلقت دون إبطاء بعد لحظة تفكر ، متوجهين نحو الغابة الكئيبة التي أمامهم....
في إحدى الساحات كان أفراد القسمين "بينغ " و "دينغ " يقفون للحراسة.
كانت الأشجار المحيطة قد قُطعت ، وفي وسط الساحة ، جلس نحو اثني عشر من "سائقي الجثث " بملابسهم ذات اللون الترابي الأصفر ، وقد أُنهكوا تماماً وكسوتهم الجراح. حيث كانت ملامح وجوههم تنطقُ براحة الناجي من كوارث الدهر ، ممزوجةً بإرهاقٍ شديدٍ بَيّن.
كانت دماءٌ لا تزال تنزفُ عبر ملابسهم الترابية. وفي المقدمة كان "هونغ فينغ " و "جيان تايوين " يستجوبان سائقي الجثث حول محنتهم.
في تلك اللحظة ، ظهر "شين باي " ومجموعته من الغابة ، مما جذب انتباه الجميع. حيث كانت "تشين شوانغ " وهي من أعضاء القسم "بينغ " ضمن هذه المهمة أيضاً ، وما إن وقعت عيناها على "شين باي " حتى لوحت له بقدومها دون أن تنبس ببنت شفة.
اقترب "شين باي " وسأل "ما الذي حدث ؟ ".
لم يكن يعلم سوى أن موكب سائقي الجثث قد تعرض للهجوم ، وأن القلة القليلة منهم هي من نجت ، بينما اختفت الجثث التي تزيد عن الألف دون أثر.
'هل بات هناك من يسرق الجثث في هذه الأيام ؟ هذا لا قيمة له البتة! '
لم يستطع "شين باي " استيعاب الأمر.
أشاحت "تشين شوانغ " ببصرها يميناً ويساراً قبل أن تقول "لقد هاجمهم أفرادٌ من طائفة 'الشر الأعلى '. يبدو أنهم كانوا يطمعون في الجثث تحديداً ، لكننا لا نعلم لما يسعون إليها ".
مسح "شين باي " ذقنه "إنهم كالسوس الذي ينخر العظم ، ظننت أنهم قد خمدوا في الآونة الأخيرة. و لكن ما الذي قد يبتغونه من حفنة جثث مسروقة ؟ ".
هزت "تشين شوانغ " رأسها "لا أعلم أيضاً ، لقد استجوبهم السيد 'هونغ ' طويلاً دون جدوى. و لقد غادر أولئك القوم ولاية 'فينغلين ' عمداً لتنفيذ هذه السرقة ".
أومأ "شين باي " برأسه ، ويده تستقر على نصل "القمر البارد " عند خصره.
'إذا كانوا قد غادروا ولاية فينغلين ، فهذا أمرٌ غير متوقع حقاً '.
وبينما كان الاثنان يتجاذبان أطراف الحديث ، بدا أن "هونغ فينغ " قد حصل على إجابته ، فحوّل بصره نحو "شين باي ".
شعر "شين باي " بالحيرة ؛ فقد رأى في عيني "هونغ فينغ " نظرةً ذات مغزى ، ولم يسعه إلا أن يتساءل: 'لا تقل لي إن طائفة الشر الأعلى فعلت كل هذا من أجلي مجدداً ؟ '.
وما إن طرأت هذه الفكرة على ذهنه حتى تحرك "هونغ فينغ " ملوحاً بيده آمراً "انسحبوا جميعاً فوراً. وأنت يا شين باي ، ابقَ هنا ".
بمجرد أن نطق بذلك توجّهت أنظار رجال "الجيانغهو " الحاضرين نحو "شين باي " بفضول. و لقد كانت مظالم "شين باي " مع طائفة "الشر الأعلى " قد بدأت منذ مقاطعة "شينغ يون " ولم يعد ذلك سراً في أرجاء ولاية "فينغلين ". فكل من لديه أدنى علم كان يدرك أن "شين باي " والطائفة في حالة عداءٍ حتى الموت.
وبسبب كلمات "هونغ فينغ " بدأ الجميع يظنون أن حادثة "سائقي الجثث " مرتبطةٌ بشخص "شين باي ". وفي "المرصد " إذا صدر أمرٌ وجب تنفيذه ؛ فمبدأ الطاعة العمياء مغروسٌ في عقول الجميع. وما إن أنهى "هونغ فينغ " حديثه حتى انسحب الجميع بصمت رغم ما يعتري نفوسهم من فضول.
بعد لحظات لم يبقَ في الساحة سوى "شين باي " و "هونغ فينغ " و "جيان تايوين " ومجموعة سائقي الجثث.
خطا "شين باي " بضع خطوات للأمام ، ويده اليمنى لم تفارق نصل "القمر البارد " ثم سأل "سيدي هونغ ، هل لهذا الأمر علاقة بي ؟ ".
في ظل هذه الظروف ، كيف لا يدرك "شين باي " الحقيقة ؟ لا بد أن طائفة "الشر الأعلى " قد اشتاقت لتلقي درسٍ قاسٍ مرة أخرى.
أومأ "هونغ فينغ " مشيراً إلى أحد سائقي الجثث "إنه زعيم هذه المجموعة ، ويدعى 'شو بينغ '. دعه يشرح لك التفاصيل ".
كان الزعيم الذي أشار إليه رجلاً في منتصف العمر ، بدأ الشيبُ يغزو صدغيه ، والإرهاقُ يثقلُ كاهل عينيه. انحنى "شو بينغ " أمام "شين باي " قائلاً "سيدي شين ، لقد نصبت لنا طائفة 'الشر الأعلى ' كميناً ، وتكبدنا خسائر فادحة ، وسُلبت كل الجثث ، وفي الختام تركوا رسالة واحدة ".
عقد "شين باي " حاجبيه "وما هي الرسالة ؟ ".
نظم "شو بينغ " أفكاره وقال "بعد عشرة أيام ، اللقاء عند بحيرة المصباح. و على السيد 'شين ' الحضور وحيداً ، وإلا ستتحول الجثث الألف إلى مسوخ ، وستشهد ولاية 'فينغلين ' خسائر كارثية ".
ضحك "شين باي " عند سماع ذلك "إذاً هكذا الأمر! إنهم يستهدفونني حقاً. و لكن ألا يخشون أن تثير هذه الضجة غضب إمبراطور "شوه " العظيم ، فيسلط عليهم قوة الدولة بأكملها لإبادتهم ؟ ".
لم ينبس "شو بينغ " ببنت شفة ، فما كان "شين باي " يتحدث عنه يتجاوز مداركه ؛ فهو مجرد سائق جثث لا أكثر. و لكن "شو بينغ " كان يتساءل أيضاً ؛ فقد مرَّ بولاية "فينغلين " من قبل وعلم بوجود طائفة "الشر الأعلى " لكنه لم يسمع قط عن "شين باي " وبالتأكيد لم يتوقع أن يصبح هدفاً لطائفةٍ بأكملها.
تأمل "هونغ فينغ " قائلاً "ربما تواجه طائفة 'الشر الأعلى ' أزمة أعظم ، أو ربما يجلب لهم هذا الفعل منفعة أكبر ، فاختاروا خوض غمار المخاطرة ".
أومأ "شين باي " موافقاً على تحليل "هونغ فينغ ". فلو لم تكن هناك منفعةٌ عظمى ترجى ، لما كان هناك مبررٌ لهذه المخاطرة الكبرى. وساور "شين باي " شعورٌ بأن هذه "المنفعة " قد تكون مرتبطة به شخصياً.