الفصل الخامس عشر: ما وراء الممر السري ، مشهدٌ مروّع
في رحاب "نور بوذا " وبينما يتردد صدى ترانيمَ قد تدفع المرءَ إلى اعتزال الدنيا كان ثمّة هالةٌ تضجُّ بالقتل ؛ كأنما هبط "فاجرا " غاضبٌ إلى عالم الفانين ، مُقسماً على اجتثاث كل شرٍّ ورُعب.
هوت قبضة شين باي على الراية الطويلة التي يحملها الرجل ذو الرداء الأسود ، لتصيب رأسها الحاد ، فيصدر عن ارتطامها صوتُ تهشّمٍ حاد. وفي لمح البصر ، تفتتت الراية السوداء وتناثرت أشلاؤها على الأرض. و في تلك اللحظة ، انقضّت أطراف الرجل الأربعة الأخرى على شين باي بسرعةٍ فائقة. التفت شين باي برأسه ، وبنظراتٍ وادعةٍ لم يبدُ عليه أيّ سعيٍ للتحاشي ، إذ تفتّح حول جسده ضوءٌ أخضرُ كاليشب ، غلّفه كأنه طبقةٌ من اليشب الصقيل.
وما إن ارتطمت الهجمات بذاك الضوء الأخضر حتى انطلق رأس الرجل ذي الرداء الأسود يصرخ في عذابٍ مرير ، بينما كُسيت الأطراف التي باشرت الهجوم بجروحٍ داميةٍ على الفور. و لقد كان دفاع "اليشب الساطع " منيعاً لم يترك للرجل ذي الرداء الأسود أي ثغرة.
عندها فقط ، رفع شين باي سيفه الصدئ الطويل. وبينما كان يؤدي "رقصة سيف الدم " تضاعفت قوة دمه وتدفق تشي ( تشي ) في عروقه ، وبضربتين أو ثلاثٍ فحسب ، قطع ذراعاً من أذرع خصمه. تلاشت الذراع المقطوعة متحولةً إلى دخانٍ أسود ، لتمتلئ الممرات المظلمة برائحةٍ تزكم الأنوف. وبعد أن فقد الرجل ذراعاً ، طفت أجزاؤه المتبقية في الهواء ، وقد ارتسم الرعب على وجهه ؛ إذ لم يرَ من قبلُ أحداً يمتلك هذا الكمَّ من المهارات: هجوماً ، ودفاعاً ، وحتى مهارات القتال بالأيدي.
تسرّب شعورٌ مفاجئٌ بالقلق إلى نفس الرجل ذي الرداء الأسود. فقد ظنَّ في بادئ الأمر أن حيلته بارعة ، حيث استدرج خصمه إلى عرينه قبل أن يجهز عليه ، لكنه حدّث نفسه "الآن ، لا تبدو الأمور على ما يرام. و هذا ليس حملاً وديعاً يُساق إلى الذبح ، بل هو ذئبٌ ضارٍ ، ونحن مَن نكون في قبضة المفترس ".
صاح رأس الرجل ذي الرداء الأسود "فلنهرب! ".
كانت العجوز تهاجم تشنج شوانغ التي كانت تلوّح بخناجرها القصيرة بيأس ، حيث كانت خيوطٌ من الغاز الأسود تلتفُّ حول أسلحتها ، متجمعةً لتأخذ شكل ثعلب. ولكن ، أمام هجمات أجزاء العجوز المتعددة كانت تشنج شوانغ قد أُصيبت بالفعل ، وبدأ الدم يقطر من زاوية فمها. وبينما كانت العجوز على وشك الإجهاز عليها قد سمعت تلك الصرخة ، فالتفتت لتجد الرجل ذا الرداء الأسود يفرُّ بجلده.
قالت العجوز بسخرية "هذا جزاء التكاسل في "الزراعة ". أن يُهزم المرءُ شر هزيمة على يد صبيٍّ ما زال غِرّاً لم يجفَّ لبنُ أمه بعد! ". ثم استعدت لترك تشنج شوانغ والالتفات للقضاء على شين باي ، لكن المشهد التالي جعلها تتجمد في مكانها.
رأت شين باي ، وسيفه في يده ، والجمود يعلو وجهه. حيث كان دمه و "التشي " لديه يتدفقان كالتنانين والنمور ، تصاحبهما زئيرُ وحوشٍ ضارية ، وكل ضربة سيفٍ كانت تتوهج بقوةٍ طاهرة. وفي لحظاتٍ معدودة ، نفذت ضربة شين باي الأخيرة لتخترق رأس الرجل ذي الرداء الأسود ، ثم سحب سيفه الصدئ بلا مبالاة.
كانت قطعةٌ من قماش الراية المحطمة ملقاةً على الأرض ، التقطها شين باي ، ومسح بها الدماء عن سيفه ، ثم هز رأسه قائلاً "الصانعُ الماهر يحتاج إلى أداةٍ تناسب عمله ، وهذا السيف لم يعد يصلح لي ". لقد نال التصدع من نصل السيف بفعل الاهتزازات الناتجة عن "التشي " ودم شين باي ، ولم يعد صالحاً للاستخدام.
ألقى شين باي القماش الممزق جانباً ، والتفت نحو العجوز التي سرى في أوصالها بردٌ قارص ؛ فقد رأت في نظراته الهادئة غضباً مروّعاً ، كبركانٍ يوشك على الانفجار.
قالت العجوز "من أنت بحق الجحيم ؟ إن طائفة "القلوب الخمسة " لم تُسئ إليك قط ، ألا تستطيع العفو عن حياتي ؟ ستكون الطائفة ممتنةً لرحمتك إلى الأبد ".
في تلك اللحظة ، اشتعلت في العجوز رغبةٌ عارمةٌ في النجاة. تقدم شين باي ببطء ، وسيفه الصدئ يجرُّ على الأرض محدثاً أخدوداً ، وقال بنبرةٍ تقطر تهديداً "ليس بيني وبينكم ضغينة ، ولكن ثمّة مشاهد لا يمكنني نسيانها ".
سألت العجوز وهي تقطب حاجبيها "أي مشاهد ؟ ".
أجاب شين باي ببرود "طفلٌ في الخامسة من عمره ، وكان طفلاً عاقلاً ، لكنكم قيدتم أطرافه وكسرتموها. حتى عند ذبح الماشية ، ينبغي للمرء أن يمنحها موتاً سريعاً. و أنا لست بطلاً ، ولكن حين أملك القدرة على المساعدة ، لا أتردد. وفضلاً عن ذلك ثمة مسألة تتعلق بالعمل ".
"العمل ؟ " تراجعت العجوز ببطء. "أهذا هو العمل الذي عرضته عليك تلك الآنسة ؟ مهما كان المقابل الذي تدفعه ، فإن طائفة "القلوب الخمسة " ستضاعفه لك. أما ذلك الطفل ، فاعذر صراحتي ، ولكن لمَ يكترث "مزارعون " مثلنا بحياة عامة الناس ؟ إنهم ليسوا سوى حثالة ، لا قيمة لهم كالكلاب. و يمكن للطائفة أن تمنحك الشهرة ، والثروة ، وكل ما تشتهي نفسك ، ففكر في الأمر ملياً ".
سخر شين باي قائلاً "إذاً ، في عينيَّ أنتم أيضاً لا قيمة لكم كالكلاب ".
ظهر "نور بوذا " في يدي شين باي. و هذه المرة لم يستخدم السيف الصدئ ، بل غلّف يديه بذلك النور ، وانطلق كإعصارٍ نحو العجوز. حيث صرخت العجوز "أيها الكلب الجاحد! أنت تجلب لنفسك الموت! ". وبينما كانت تصرخ ، انطلقت أطرافها الأربعة ورأسها لمهاجمته من كل جانب.
ضحك شين باي بازدراء "أتظنّين أنك في موقفٍ يسمح لكِ بالمساومة معي ؟ ". رفع قبضتيه ، وأمسك بأقرب ذراع ، وبدأ يلويهما بكلتا يديه بقوة النور التي تكتنف كفيه حتى سُحقت الذراع وتحولت إلى عجينةٍ من اللحم والدماء. تعالت صرخات العجوز المدوية في الممر المظلم ، بينما راحت أجزاؤها المتبقية تصطدم بالضوء الأخضر حول شين باي دون أن تتمكن من اختراق دفاعه.
قال شين باي "يبدو أن دفاعاتك هي أول ما انهار ".
وجه شين باي سلسلةً من اللكمات السريعة ، وبأربع ضرباتٍ فقط ، تلاشت بقية أجزاء العجوز وتحولت إلى دخانٍ أسود داخل "نور بوذا ".
بعد أن أنهى أمره ، خفض شين باي يديه وألقى نظرةً على ما حوله. حيث كان عامة الناس الذين يحدقون بوجوهٍ فارغةٍ قد انقلبت أعينهم فجأة وسقطوا مغشياً عليهم.
قطّب شين باي حاجبيْه "ما الذي يحدث ؟ ".
فحصت تشنج شوانغ بعضاً منهم رغم جراحها وقالت "لقد فقدوا سيطرة الرجل ذي الرداء الأسود والعجوز عليهم ، لقد دخلوا في غيبوبة فحسب ، وحياتهم ليسوا في خطر ".
أومأ شين باي برأسه "بما أن حياتهم ليسوا في خطر ، فلنعد إلى عملنا ".
التفت شين باي ، وألقى نظرةً على الممر المظلم وتابع المسير. تبعته تشنج شوانغ وهي تجزُّ على أسنانها.
التفت شين باي إليها "هل إصاباتك بليغة ؟ ".
ذهلت تشنج شوانغ للحظة ، ثم اومأت "لا شيء خطير ، شكراً لسؤالك ".
هز شين باي رأسه وقال "لم أقصد الاطمئنان عليك ، بل كنت أعني أنك إذا كنتِ مصابةً بشدة ، فلا ينبغي لكِ المتابعة ؛ لأنكِ ستكونين عبئاً ".
رأت تشنج شوانغ طرف عينها يختلج من الغيظ ، وفكرت في نفسها "هذا الرجل لا يملك ذرةً من اللباقة ". لكن الموقف كان حرجاً ، فلم تنبس ببنت شفة ، وواصلت السير.
[...]
امتد الممر المظلم لمسافة مئة متر تقريباً قبل أن تبزغ شعلةٌ من الضوء في نهايته. اقترب شين باي وتشنج شوانغ بحذر ، واكتشفا عالماً جديداً كلياً خلف ذلك الضوء ؛ لقد كان كهفاً ضخماً ومهيباً ، غُرست في سقفه شتّى أنواع اللآلئ المضيئة ، فغمرت المكان بوهجٍ ناعم. وبينما أنار الضوء المشهد في الأسفل ، اتسعت عينا شين باي قليلاً.