الفصل الثمانون: سرُّ الجمرِ المتوقد
انحلَّ المشبك الفضيُّ بـنـقرةٍ خفيفة.
دعَت "سو لان " ثوبَها الرماديَّ الثقيل ينسدلُ عن كتفيها ، فتجمّعَ حول خصرِها ، ثم تحركت لتُسقِطَه تماماً على الأرض.
تحتَه كانت ترتدي رداءً داخلياً بسيطاً ورقيقاً من الكتان الشاحب. حيث كانت الغرفةُ باردة ، ولاحظ "لين تيان " القشعريرةَ تـسري في ذراعيها. لم تكن تنظر إليه ، بل كان بصرُها مُثبتاً على الجدارِ المجاورِ لسريره.
قالت بصوتٍ مخنوق "الأمرُ لا يتعلّقُ بك وحدك. جسدي.. ’جسد الجمر المتوقد‘ خُلق للمناطق البركانية. أما هذا المكان " -وأشارت بـإبهامِها نحو الجدران الصخرية الجليدية- "فهو كالحِملِ الثقيل على رئتيَّ. فالحرارةُ لا تجدُ منفذاً ، وبرودةُ الطائفةِ لا تفعلُ سوى كبتِ الأعراضِ دون معالجةِ الأسباب ، مما يجعلُ العواقبَ وخيمةً حين تنفجرُ. "
أدرك "لين تيان " قصدَها. فكّرَ في نفسِه "محركانِ معطلان ؛ فجسدُها يغلي ويحترقُ في البرد ، وجسدي يتجمدُ من الداخل. "
قال ببطء "الرابطُ استشعرَ التوافق. النارُ توازنُ الجليد. "
دفعَ نفسَه ليجلسَ على حافةِ سريرِه ، فأثارَت الحركةُ وخزةَ ألمٍ حادٍ في صدرِه ، مذكرِةً إياه بالشقوقِ التي تنهشُ كيانَه. ركّزَ نظره عليها ، فالمعالجةُ بداخلِها قد تولّت زمامَ الأمر ، وكان عليه أن يُجاريَ هذا المنطق.
سألَها "ما الذي يتوجبُ علينا فعله ؟ "
أخذت نَفَساً عميقاً لتستعيدَ ثباتَها ، ثم ارتدت قناعَها العمليَّ الرزين "نظرياتُ ’الزراعة المزدوجة‘ للانسجامِ موثقةٌ جيداً ، وإن كانت الطائفةُ لا تحبذُها. طاقاتُنا مرتبطةٌ بالفعل ، والتقاربُ المادى سيؤدي إلى فتحِ المساراتِ بالكامل ، مما يسمحُ بانتقالٍ مباشرٍ للطاقة. حرارةُ ’اليانغ‘ الفائضةُ لديَّ ستلطفُ مساراتِك المتجمدة ، وطاقةُ ’اليين‘ المستقرةُ لديك ستساعدُ في تدويرِ ناري المحتقنة. حيث يجبُ أن يكونَ الأمرُ بطيئاً ومضبوطاً ، فأي تدفقٍ مفاجئٍ قد يمزقُك تماماً أو يؤدي لارتدادِ طاقتي. "
أومأ "لين تيان ". كانت واجهةُ النظامِ في عقلِه صامتةً ، تراقبُ وتنتظرُ حركتَه.
قال "حسناً ، سنمضي ببطء. "
مدَّ يدَه نحو حافةِ رداءِ تلميذِه ، وكانت أصابعُه متثاقلة. راقبتْه "سو لان " وهي تعقدُ ذراعيها على صدرِها دون أن تعرضَ المساعدة. حين تعرى من الأعلى ، برزت شبكةُ العروقِ السوداء الشاحبةِ على ذراعِه وصدرِه بوضوحٍ في الضوءِ الخافت. رأى عينيها تحصيانِ حجمَ الضرر ، وكان اتساعُ حدقتيها الطفيفُ هو العلامةَ الوحيدةَ على صدمتِها.
همست "يا للأسلاف! أنتَ حقاً تتماسكُ بقوةِ إرادتِك وحدها. "
أجابها "والآن ، أتماسكُ بفضلِك. "
نهضَ ، فكانت الأرضُ باردةً تحت قدميه ، وخطا خطوةً واحدةً نحوها. لم تتراجع ، لكن جسدَها تجمدَ بالكامل كأرنبٍ استشعرَ وجودَ صقر. حيث توقفَ على بُعدِ طولِ ذراعٍ منها.
سألَ بصوتٍ خافت "هل لي ؟ "
أومأت برأسِها أومأً قصيرةً وسريعة.
مدَّ يدَه ، لا ليلمسَها ، بل ليحلَّ عقدةَ رداءِها الجانبية. لامست أصابعُه الكتانَ ، فشعرَ بالحرارةِ الهائلةِ التي تشعُّ من جلدِها حتى عبر القماش.
حلَّ الرباطَ ، فاسترخى الرداء. دفعَه برفقٍ عن كتفيها ، ليتركَه ينضمَّ إلى الزيِّ المُلقى على الأرض.
وقفت "سو لان " أمامه عاريةً تماماً. حيث كان جلدُها بلونِ الوردِ الذهبيِّ الدافئ ، في تناقضٍ صارخٍ مع البشرةِ الشاحبةِ الجليديةِ لتلاميذِ "الثلج الأزرق ". كانت رشيقةً لكنها قوية ، مع عضلاتِ ذراعٍ وكتفٍ واضحة. وكما استشعرَ كانت دافئةً بشكلٍ لا يُصدق.
أبقت ذراعيها بجانبِها ، ويدَيها مقبوضتَين على شكلِ قبضتين ، وأنفاسُها تتسارعُ وتضطرب.
تحرك "لين تيان " ببطء. رفعَ يديَه ببطنِ كفٍ مفتوحةٍ ووضعَهما بلطفٍ على كتفيها. حيث كان جلدُها ناعماً وساخناً لدرجةِ الاحتراق ، لكنَّ تلك الحرارةَ كانت بلسماً للبرودةِ التي تنهشُ عظامَه.
مررَ يديَه لأسفلَ على طولِ ذراعيها بحركةٍ بطيئةٍ ومستقرة. حيث كانت عضلاتُها متوترةً كوترِ القوس.
همسَ "عليكِ أن تسترخي. "
قالت من بين أسنانِها المُطبقة "أنا معالجةٌ أؤدي علاجاً ، وأنا مسترخيةٌ تماماً. "
ردَّ "أنتِ لستِ كذلك. "
تابعَ لمستَه الاستكشافيةَ الخفيفة ، مقتفياً خطَّ عظمةِ الترقوةِ وانحناءةَ كتفِها ، ودعَت إبهامَاه يدورانِ حول نقاطِ التوترِ عند قاعدةِ عنقِها. ومع كلِّ لمسةٍ كان يضخُّ خيطاً دقيقاً وودوداً من طاقتِه (تشي) إليها ، لا ليسلبَها شيئاً ، بل ليواسيَها.
سرَت فيها قشعريرةٌ لا إرادية لم تكن من البرد ، بل من صدمةِ الشعور.
تنفست قائلة "هذا.. غيرُ معتاد. "
سألَها "هل هو غيرُ معتادٍ بطريقةٍ جيدة ؟ "
أجابت "لا أعلمُ بعد. "
مالَ نحوها وقبّلَ تجويفَ عنقِها. حيث كان طعمُ جلدِها كالملحِ مع حلاوةٍ دخانيةٍ خفيفةٍ تشبهُ البخور. شهقتْ شهقةً قصيرةً حادة ، وارتفعت يداها ، ليس لتدفعَه بعيداً ، بل لتترددا بحيرةٍ بالقربِ من وركيه.
ذكّرَ نفسَه "ببطء.. هذا الأمرُ يهمُّها بقدرِ ما يهمني. "
قبّلَ مساراً إلى الأسفل ، فوق خفقاتِ قلبِها المتسارع حتى نهدِها. ثم أخذَ حلمتَها في فمِه ، يداعبُها بلسانِه. حيث كانت متصلبةً من الهواءِ البارد ، ولكن مع مداعبتِه ، شعرَ بالحرارةِ بداخلِها تتركزُ هناك كنبضٍ من طاقةٍ ملتهبة.
تأوهت "سو لان " كان صوتاً خافتاً ومتقطعاً ، سرعان ما كتمتْه. استقرت يداها أخيراً على كتفيْه ، وغرزت أصابعَها فيهما.
قالت بصوتٍ متهدج "لين تيان.. النظريةُ والنصوصُ لا تذكرُ أنَّ هذا الجزءَ يستغرقُ وقتاً طويلاً. انتقالُ الطاقةِ هو الأولوية ، يجبُ أن... يجبُ أن ننتقلَ إلى العملِ الأساسي. "
رفعَ رأسَه وقال "النصوصُ كُتبت بأيدي رجالٍ عجائزَ ربما لم يكترثوا يوماً إن كانت شريكتُهم تستمتعُ أم لا. الأمرُ هنا لا يتعلقُ بانتقالِ الطاقةِ فحسب ، بل بالثقةِ وبأن تتأكدي من استعدادِك ، وبأن تكوني معي لا أن تتحملي وجودي فقط. "
أصرت قائلة "أنا معالجةٌ وأتحملُ علاجاً " لكنَّ احتجاجَها افتقدَ قوتَه السابقة. فقد خذلَها جسدُها ، وتعمّقَ احمرارُ بشرتِها ، منتشراً عبر صدرِها ، وبدأت الحرارةُ المنبعثةُ منها تزدادُ كثافةً وتتدفقُ بسلاسةٍ أكبر.
قال "لين تيان " ببساطة "وأنتِ أيضاً امرأة ، وهذه هي المرةُ الأولى لكِ. لن أتعجلَ الأمر. "
حدقت فيه وعيناها الداكنتانِ تتسعانِ بخليطٍ من المشاعرِ المتناقضة: الانزعاج ، الخوف ، وامتنانٌ وليدٌ متردد. لم تجادل بعد ذلك.
انخفضَ على ركبتيه أمامَها ، ووضعَ يديَه على وركَيها مستشعراً حرارةَ جلدِها المتأججة. لثمَ بـرقةٍ بطنَها ، ثم نزلَ إلى الأسفلِ نحو خصلاتِ شعرِها الداكنِ بين فخذيها. حيث كانت قد أصبحت رطبةً بالرغبة ، وحرارتُها الخاصةُ صنعت دفئاً ترحيبياً.
"لين تيان! " كان صوتُها همساً مذهولاً ، ويدُها طارتا لتغرزا في شعرِه. "ما الذي تفعله ؟ النصوصُ لا تذكرُ هذا بالتأكيد! "
أجابَها وكلماتُه مكتومةٌ ضدَّ جلدِها "مكتبةُ جدي كانت تحوي نصوصاً أكثر تنوعاً. " ثم أراها ما لم تذكرْه النصوص.
ارتخت ركبتُها على الفور وانطلقَ من حلقِها تأوهٌ عالٍ وممزقٌ تماماً بلا سيطرة. التفتت أصابعُها في شعرِه ، لا لتبعدَه ، بل لتشدَّه إليها. تحطمَ سدُّ سيطرتِها.
أصبحت تأوهاتُها نهراً متصلاً من الأنفاس ، وظلت تنادي اسمَه ممزوجاً بكلماتٍ متناثرةٍ قد تكونُ شتائمَ أو صلوات. و بدأت وركاها تتحركانِ ضدَّ فمِه من تلقاءِ نفسِهما ، طلباً لمزيدٍ من الضغطِ والاحتكاك.
شعرَ باللحظةِ التي تجاوزت فيها الحافة ، حيث تجمدَ جسدُها بالكامل ، وصرخةٌ صامتةٌ على شفتيها ، ثم تشنجتْ في موجاتٍ متلاحقةٍ جعلتْها تصرخُ بصوتٍ عالٍ. غمرتْه دفعةٌ من طاقةِ "اليانغ " النقية لم تكن عدوانية ، بل كانت مبهجةً ومحررة.
احتضنَها خلالَ ذلك حتى توقفت ساقاها عن الارتجاف ، وهوتْ عليه تلهث. نهضَ ممسكاً بها قبل أن تسقط. حيث كان جلدُها مغطىً بطبقةٍ من العرقِ الذي تبخرَ فوراً بفعلِ حرارةِ جسدِها ، تاركاً إياها متوهجة.
قادَها عائداً إلى السرير ، فذهبت طائعةً وعيناها غائمتان. حين استلقى ظهرُها على المرتبةِ الرقيقة ، نظرت إليه ، وقد تبخرَ تماماً وقارُها المهني ، ولم يتبقَّ سوى حاجةٍ عاريةٍ وضعيفة.
همست "الآن.. أرجوكَ الآن. "
اتخذَ وضعيتَه فوقَها. حيث كان جسدُه متأهباً ، ونسيَ ألمَ مساراتِه تحت سيلِ استجابتِها. وجّهَ نفسَه نحو مدخلِها الذي كان غارقاً في الدفءِ والحرارة. دفعَ ببطء ، مانحاً جسدَها الوقتَ ليتمددَ ويتقبلَه.
كانت ضيقةً ودافئةً لدرجةِ الإغماء. و انطلقَ منه أنينُ ارتياحٍ خالص ، فقد شعرَ كمن يغوصُ في نبعٍ حراريٍّ بعد سنواتٍ في نهرٍ جليدي.
وبالنسبةِ لـ "سو لان " كان الشعورُ عميقاً بالقدرِ ذاتِه. و اتسعت عيناها وهما تتسمرانِ في عينيه. حيث كان الامتلاءُ غريباً ، لكنَّه غسلَ كلَّ شيءٍ بصوابيةِ تدفقِ الطاقةِ المذهل. وما إن استقرَّ بداخلِها تماماً حتى اكتملت الدائرة.
سرت رجفةٌ مرئيةٌ في كليهما. رأى "لين تيان " ضوءاً أحمرَ ذهبياً يشبهُ الجمرَ يلمعُ تحت جلدِ "سو لان " وشعرَ بنفسِ الضوءِ ينتقلُ من نقطةِ اتصالهما إلى جسدِه.
بدأ الألمُ يتراجع ، ليس دفعةً واحدة ، بل في مدٍّ دافئٍ ومستقر.
بدأ يتحرك ؛ في البداية ببطء ، بضغطاتٍ ضحلةٍ جعلتْها تعضُّ شفتَها ، ثم بعمقٍ أكبر حين ارتفعَ جسدُها لملاقاتِه. لم تكن الإيقاعاتُ محمومةً ، بل متعمدةً وقوية. كلُّ دفعةٍ كانت تُذكي النارَ في جوهرِها ، وكلُّ تراجعٍ كان يسحبُ خيطاً من تلك الحرارةِ الشافيةِ إليه.
لفّت "سو لان " ساقَيها حول خصرِه ، وغرزت عقبَيها في أسفلِ ظهرِه. أرجعت رأسَها للخلف ، وتقوسَ عنقُها. لم تعد الأصواتُ التي تصدرُها مكتومة ، بل كانت تأوهاتٍ مفتوحةً وشرهةً ملأت الغرفةَ الصغيرةَ الباردة.
فقد "لين تيان " نفسَه في هذا الشعور ؛ ملمسُها ، حرارتُها ، الاحتكاكُ المتناغمُ المثالي ، وتلاشي الألمِ المعذبِ بداخلِه بشكلٍ إعجازي. حيث كان يشعرُ بالعروقِ السوداءِ على ذراعِه تتراجع ، والفسادِ الجليديِّ يذوبُ تحت شمسِها الداخلية.
بلغَ ذروةَ نشوتِه ، وتجمعت الضغوطُ عند قاعدةِ عمودِه الفقري. رأى نفسَ التوترِ يشدُّ جسدَ "سو لان " وعضلاتِها الداخليةَ ترفرفُ بجنونٍ حوله. حيث مدَّ يدَه بينهما ، ووجدَ إبهامُه النقطةَ الحساسةَ عند ذروتِها. حيث صرختْ صرخةً حادةً ومتقطعة ، وتقوسَ ظهرُها مرتفعاً عن السرير.
كان هذا كلُّ ما يتطلبُه الأمر ؛ تلاشى العالمُ في ضوءٍ أبيضَ ذهبي.
انطلقَ بداخلِها مع صرخةٍ خشنة ، وفي تلك اللحظة ، تفجرت موجةٌ نهائيةٌ هائلةٌ من الطاقةِ المتناغمةِ من جسديهما الملتصقين. لم تكن ثلجاً ولا ناراً ، بل كانت قوةً محايدةً جبارةً غسلت كلَّ خليةٍ في جسديهما ، مغلقةً آخرَ شقوقِه ، ومهدئةً آخرَ بقايا حرارتِها المحتقنة.
سقطا معاً ، كومةً متشابكةً من الأطرافِ والجلدِ المبللِ بالعرق. حيث كان الهواءُ في الغرفةِ الذي كان يوماً بارداً ، دافئاً ورطباً ، يفوحُ برائحةِ التلاحم.
لوقتٍ طويل لم يكن هناك سوى أصواتِ أنفاسِهما المتقطعةِ وهي تهدأُ ببطء.
ثم رنَّ جرسٌ خفيفٌ في أعماقِ عقلِ "لين تيان ".
[اكتملت دورةُ الزراعةِ المزدوجة.]
[سلامةُ المسارات: استعيدت إلى 89%. استقرارُ الوعاء: في تزايد.]
[احتقانُ جسدِ الجمرِ المتوقد: تمت معالجتُه. دورانُ طاقةِ اليانغ: في المستوى الأمثل.]
[تم تحديثُ حالةِ الرابطِ الثانوي "سو لان ".]
[استقرارُ الرابطِ الثانوي: 65%.]
أطلقَ "لين تيان " زفيراً طويلاً وبطيئاً. خمسةٌ وستون بالمئة. و لقد استقرَّ الأمر. حيث كان حقيقياً.
بجانبِه ، تحركت "سو لان ". أدارت رأسَها على الوسادةِ لتنظرَ إليه. اختفت المعالجةُ العمليةُ ، وحلت محلَّها امرأةٌ تنظرُ إلى رجلٍ شاركتْه للتوَّ شيئاً حميمياً مرعباً. حيث كان تعبيرُها غيرَ قابلٍ للقراءة ، مزيجاً من الرهبةِ والخجلِ والسلامِ المُنهك.
لم تتحدث ، بل اكتفت بالنظرِ إليه ، وعيناها الداكنتانِ تعكسانِ الضوءَ الخافتَ من النافذة ، في انتظارِ أن يبدأَ العالمُ بالدورانِ من جديد.
نهايةُ الفصلِ الثمانين.