الفصل 1877: الجزء الأول: يدُ العون
البيت الحجري
لقي الرجلُ الكهل حتفه بتلك البساطة ، ولم يكن ليدور في خلدِه يوماً أن تكون ميتته على هذا النحو. هززتُ رأسي في صمتٍ وأسى.
"أيها العجوز ، إن كنتَ تبتغي نجاة الفتاة الصغيرة ، فالأمرُ يسير ؛ ما عليك سوى القبض على ذلك الشخص " أعدتُ تذكير الشيخِ ثانيةً.
ما إن سمع العجوز كلماتي حتى التفت نحوي ، وحدّق في عينيَّ مباشرةً ، وكأنه تيقن أخيراً أنني لم أكن أمزح معه.
قال العجوز "أيها الشاب ، أظنُّ أنَّ وراءكَ خلفيةً مميزة. وما زال عرضي قائماً ؛ فإذا كنتَ على عجلةٍ من أمرك لبلوغ وجهةٍ ما ، فبإمكاني مساعدتك على الوصول إليها بسرعةٍ أكبر. "
سألتُه "وكيف ذلك ؟ "
رسم العجوز "باري " ابتسامةً عريضة على محياه ، وقال "هل تناهى إلى مسامعك سحرُ الانتقال الآني ؟ سحرُ المكان ؟ "
خفق قلبي حين سمعتُ ذلك ؛ فليس من السهل العثور على مثل هذا الفن ، إذ يُعدُّ سحرُ المكان من الفنون المحظورة ، ولا تجد أولئك السحرة إلا في صفوف القوى العظمى. أيعقل أن يمتلك هذا الشيخ صلاتٍ كهذه ؟
لكنه كان يرتدي ثياباً بدائية توحي بأصولٍ قمحنه ، فلم أدرِ أأثقُ به أم لا. لذا استعنتُ بخاصية الفحص في "النظام " فأخبرني النظامُ أنَّ الشيخ لا يكذب.
كانت صدمةً هائلة لي. فلو صدق قولُ العجوز ، فسأتمكنُ من بلوغ وجهتي في وقتٍ أقصر بكثير. ومع ذلك لم أكن متأكداً إن كان من الحكمة التحدثُ عن "غابة أوبال " لذا قررتُ كتمان الأمر. وبعد أن استقرت أفكاري ، أومأتُ للعجوز موافقاً.
قلتُ له "حسناً ، سأمكثُ هنا حتى تبرأَ حفيدتك ، ولكن إن رابني أمرٌ ما أو شعرتُ بخطبٍ ، فسأغادر المكان على الفور. "
تنفّس العجوز الصعداء أخيراً بشعورٍ من الارتياح ، ثم عدنا معاً إلى داخل البيت الحجري ، حيث كانت الصغيرةُ غارقةً في نومها.
ظلَّ العجوز يراقب الطفلة ، بينما رحتُ أتفكر: إن كان لدى هذا العجوز سبيلٌ لاستخدام منشأة انتقالٍ آني ، فماذا عن "اتحاد السحرة " ؟ لا بد أن لديهم المنشأة ذاتها ، فهم على اتصالٍ بكائناتٍ من الفضاء الخارجي ، كما أن "اتحاد السحرة " يُعدُّ القوة الأعتى في العالم.
أظنُّ أنهم يمتلكون مثل هذه المنشأة ، لكنني غفلتُ عن ملاحظتها ، وربما تكون المديرة "لارا " قد نسيت ذكر الأمر.
باغتني العجوز بسؤاله فجأة "فيمَ تفكر ؟ "
استعدتُ شتات أفكاري وسألتُه "لا تقل لي إنكم تقطنون هنا فحسب ، فلا بد من وجود مكانٍ آخر ؛ قريةٍ أو مدينة ؟ "
أوضح العجوز جانباً من خلفيته قائلاً "لسنا جزءاً من أي مدينة كبرى ، بل لنا قريتنا الصغيرة التي يقطنها أبناء القبائل. بيد أن القرية تعرضت لهجومٍ من قِبل الشخص الذي ألقى عليها سحر اللعنه الأسود. "
حين سمعتُ ذلك فهمتُ الأمر ، فقد خمنتُ شيئاً كهذا من ثيابه القبلية.
سألتُه "ومن يكون ذلك الشخص إذاً ؟ " ظننتُ أن المهاجم قد يكون من المكان نفسه.
"لا أعرفُ عنه الكثير و كل ما أعلمه أنه جاء من البلاد المتاخمة للسلسلة الجبلية. يقطن الكثير من أفراد القبائل عند سفوح الجبال ، وعادةً لا يتسبب أحدٌ بالمشاكل ، لأن كل زعيم قبيلة هو ساحرُ ’محظور‘ قوي. و لكنهم أتوا هذه المرة برفقة فريقٍ كامل ، وهاجموا زعيم قريتنا وهاجمونا نحن أيضاً. وأحد أفراد ذلك الفريق هو من ألقى سحر اللعنه الأسود على حفيدتي. "
بينما كان الشيخ يشرح ، حاولتُ رسم الصورة الكاملة في ذهني ، ولم يجد النظام أي كذبٍ في حديثه ، فبدت ملامحي جادة.
إن كان هناك "سحرة محظورون " في المشهد ، فالأمرُ غايةٌ في الخطورة ، وعليَّ أن أتوخى الحذر. بدا لي أنني سأحتاجُ لاستخدام "دمية زيرو " وقبل ذلك كان عليَّ التأكدُ من عدم وجود سحرةٍ محظورين في هذه الجوار أصلاً.
بعد وقتٍ قصير ، بدأت علامات الاستيقاظ تظهر على الفتاة الصغيرة وهي تستعيد وعيها الكامل. وحين رأى العجوز ذلك ابتسم ؛ وكانت تلك المرة الأولى التي أراه فيها يبتسم ابتسامةً صادقة نابعةً من أعماق قلبه.
قالت الفتاة بصوتٍ وهن "جدي.. "
نطق العجوز باسمها "إيميلي. "
فقلتُ في نفسي "إذاً اسمُ الصغيرة هو إيميلي. "
استعادت الطفلة وعيها بالكامل وراحت تتلفت فى الجوار ، فأبصرت غريباً يقف بجانب جدها.
وبمجرد أن استرجعت ذكرى الهجوم على القبيلة ، بدأت تطلب "ماذا حلَّ بأصدقائي ؟ "
كان ذلك آخر ما علق بذاكرتها ، فهي لم تكن تدرك حتى أنها تعرضت لهجومٍ من شخصٍ ما ، وأنها تعاني من تسممٍ ناتج عن سحر اللعنه الأسود.
أجابها العجوز "إنهم بخير و كل ما في الأمر أننا تفرقنا. "
قالت إيميلي "أهكذا الأمر إذاً ؟ "
وفي اللحظة التالية "بوشاك! " شعرت بشيءٍ ينهش جسدها ؛ كان ألماً مبرحاً قبل أن تسعل دماً ، وشحب لونها على نحوٍ مفاجئ.
هتف العجوز بذعر "إيميلي! " وهرع إليها محاولاً إطعامها بعض الموارد العلاجية.
قلتُ فجأة "لا تفعل شيئاً! "
توقفت يد العجوز حين سمع كلماتي ، وكان على وشك إطعامها ، ثم تذكر طريقة علاج الشاب لها في المرة السابقة ، فنحَّى الموارد السحرية جانباً ، والتفت نحو الشاب وسأل "ما العمل ؟ "
أجابتُه "لقد قمعت القوةُ السحرية لزنبقة السوداء السمَّ في جسدها ، وقد يسبب الصراع بين هاتين القوتين بعض الانزعاج لها. لذا من الطبيعي أن تشعر بالألم وعدم الراحة. وإن كنت لا تريد لها أن تعاني ، فعلينا العثور على ذلك الشخص. "
ردَّ العجوز "إذاً علينا دخول تلك البلاد ، وسيكون من الصعب العثور عليه هناك. "
قطبتُ حاجبي عند سماع ذلك ؛ فذلك الرجل الكهل ذو الشعر البني بدا وكأنه تابعٌ للساحر الشرير ، وقد جاء لاختطاف الفتاة. ومن المؤكد أن الشخص الذي ألقى السحر اللعنهية لم يكن يريد موتها فوراً.
لا بد أن هناك شيئاً يخفيه العجوز عني ، أو أن العجوز نفسه يجهل حقيقة الأمر.
رأى العجوز باري أن الشاب قد غرق في هواجسه ، فخطرت له فكرة وسأله "أيها الشاب ، لقد نسيتُ أن أسألك عن اسمك. "
أجابتُه "اسمي فرانك. "
قال العجوز "فرانك.. إنه اسمٌ جميل. و من أين أنت ؟ "
فقلتُ "حسناً ، لا أرغب في الحديث عن هذا الموضوع. "
فهم العجوز تلميحي ، وظنَّ أن الشاب في طريقه لإنجاز مهمةٍ ما ، فقرر ألا يتدخل فيما لا يعنيه.