هبطت مركبة "رايفن" الجوية التي كانت تقودها المديرة "لارا" ببراعة ملحوظة، ثم فُتح الباب لتخرج منها.
عند رؤية ذلك، ارتديتُ قناعي وحجبتُ فيض قوتي باستخدام "النظام"، ثم ترجلتُ إلى الخارج. وما إن خرجنا كلانا، حتى أودعتُ المركبة داخل سوار التخزين الخاص بي.
قالت المديرة "لارا" وهي ترمقني بنظرة جادة: "هيا بنا".
أومأتُ لها برأسي قبل أن أتبعها نحو المدخل. أظهرت شارتها، لكن المصفوفات السحرية لم تُبدِ أي رد فعل عدائي، ثم أظهرتُ شارتي أيضاً ودخلنا البرج.
طلبتُ من المديرة "لارا" ألا تتحدث عن تفاصيل عملية إنقاذها، وقد تفهمت الأمر ولم تكن تنوي كشف الحقيقة؛ فلو استجوبها أحد، لكانت أعدت كذبة محكمة.
أومأتُ لها برأسي مرة أخرى قبل أن أشرع في السير نحو غرفتي. لقد مرت شهور منذ غادرتها، ولم أكن أعرف كيف سيكون حالها الآن.
***
في الخارج، كان الجواسيس في حالة من الذعر والارتباك؛ فقد رأوا المديرة "لارا" بأم أعينهم.
كانت الشائعات قد سرت مؤخراً حول اختفائها، لكن لم يأخذها أحد على محمل الجد، إذ افترض الجميع أنها في مهمة عمل رسمية بالغة الأهمية. والآن، ها هي تعود بصحبة رجل ملثم.
لم يستطع أحد سبر أغوار قوة ذلك الرجل المقنع، ودخولهما البرج معاً كان معلومة في غاية الأهمية. سارع الجواسيس بنشر الخبر بين فصائلهم، وعلى وجه التحديد، قام جواسيس "البرج الأسود" بمشاركة هذا التحديث فوراً؛ فأي معلومة، مهما صغرت، تتعلق بـ "البرج الفضي" كانت تمثل أهمية استراتيجية قصوى بالنسبة لهم.
***
داخل البرج الفضي، في الغرفة:
بعد دخولي الغرفة، أوصدتُ الباب بإحكام، ثم استخدمتُ "النظام" فوراً لفحص المكان بحثاً عن أي أمر مريب.
جاءت النتائج سلبية، فتنفسْتُ الصعداء؛ إذ لم تمسس الغرفة يدٌ سوى غبار الوقت الذي غطاها الآن.
"سووش!"
في اللحظة التالية، ظهرتُ داخل قصر "غريغور". وعندما دخلتُ القاعة، وقف الجميع لتحيتي بحفاوة.
"سيدي!"
كانت تعابير وجوههم تفيض بالاحترام، حتى عيون "روك"، سيد سحر الأرض، كانت ممتلئة بالتبجيل والجدية.
سألتُ "روك": "هل علمت بالأمر؟"
أجاب "روك" بحماس: "يا سيدي، لم أتوقع أبداً أنك تنتمي إلى اتحاد السحرة!"
وأضاف بابتسامة صادقة: "اتحاد السحرة هو الحاكم الفعلي لعالمنا الآن، حتى الإقليم المظلم يقع تحت وطأة سيطرتهم. لا أشعر بأي ندم الآن على تبعيتي لك".
لقد استعاد "روك" الأمل في إمكانية استعادة جوهر "المانا" المتضرر لديه، وبمجرد شفائه، سيعود إلى مرتبة "سيد السحر الأعلى".
فهمتُ نوايا العجوز "روك"، لكنني لم أمانع؛ فالجميع يبحث عن مصلحة ما، وكانوا يدركون أنني قادر على توفير موارد وفيرة.
ثم اتجهت نظرتي نحو "السمندل الطائر" الذي كان يستريح بجانب "وحش كرمة الجذر المظلم".
سأل "أوتو": "سيدي، ألم يصبح السمندل تحت سيطرتك المطلقة بعد؟"
ابتسمتُ وأجبت: "لقد وصلتُ مؤخراً إلى المرتبة العليا، وبمجرد أن تزداد قوتي، سأضع عليه اللعنة ذاتها".
تسببت كلماتي في ارتعاد الحاضرين؛ لم أكن أريد لأي أفكار تمردية أن تراود مخيلتهم، فكان بإمكاني إبادتهم متى شئت.
قرر "باتريك" تغيير مجرى الحديث قائلاً: "سيدي، هل عدنا حقاً؟"
أصغى الجميع باهتمام، وأضاف "هانك" من جانبه: "سيدي، أتوق للخروج وإلقاء نظرة على اتحاد السحرة".
أجبتُ بنبرة جادة: "أجل، لقد عدتُ إلى غرفتي في برج السحر الفضي. سأشتري قصراً في القريب العاجل، وحينها سيتمكن الجميع من العيش فيه. حتى ذلك الحين، عليكم بالصبر والانتظار، فلدي أعداء أيضاً، ومن الأفضل أن تكرسوا وقتكم لتقوية أنفسكم".
قال "باتريك" بثقة: "يا سيدي، لا تقلق، فنحن خبراء محنكون ولنا باع طويل في القتال، وسنهزم أعداءك بلا شك".
وقال "أوتو": "اطمئن يا سيدي، سأكشف خططهم قبل أن يتمكنوا من المساس بك".
وأضاف "هانك": "سيدي، سأعاونك في تقفي أثر مخابئهم".
أما "روك" فقال بيقين: "سيدي فينسنت، رغم تضرر نواة المانا الخاصة بي، إلا أنه لا يزال بإمكاني استحضار جزء من قوة سيد السحر، فإذا أزعجك أي سيد سحر، فأخبرني فقط".
"حفيف!"
أصدر "وحش كرمة الجذر المظلم" صوتاً بالموافقة، وحتى "سمندل السماء"، رغم كونه الأضعف بينهم، أبدى استعداده للعمل لصالح سيده.
أسعدتني كلماتهم، وتراءت لي خمس كرات قرمزية في ذهني، تشير حالتها إلى أن "اللعنة القرمزية" كانت تعمل بكفاءة.
"حسناً، أراكم لاحقاً".
بعد قولي ذلك، توجهتُ إلى غرفة التحكم وأخرجتُ الدمية "زيرو"، واستخدمتُ أحجار "مانا" فائقة الجودة لتفعيل جوهرها.
انطلقت الدمية "زيرو" للعمل بعد ثانية واحدة، وأمرتها بتنظيف الغرفة. وبينما كانت الدمية تؤدي مهامها، عدتُ إلى غرفة التحكم داخل القصر، ومن خلال المرآة السحرية، أصبح مشهد غرفتي واضحاً تماماً.
لم يتسنَّ لي ممارسة "اللعبة" أثناء رحلاتي، لذا جلستُ متربعاً على الأرض وأخرجتُ بعض أحجار "المانا" فائقة الجودة. أمسكتُ بها في راحة يدي، وأغمضتُ عيني، وبدأتُ في تطبيق تقنية "وعاء الجاذبية" الذهنية.
تدفقت طاقة الجاذبية من الأحجار لتتغلغل في جسدي. هذه المرة، استطعتُ التحكم بكل ذرة من طاقة الجاذبية الرمادية في داخلي، فلم يتسرب منها شيء ولم يضع منها هباءً.
بدأتُ بتدوير جزيئات مانا الجاذبية عبر مسارات جسدي، وشرع جسدي في امتصاص الطاقة بنهم. كانت النقوش الخفية في عظامي، والتي تُعد جزءاً من "الإرث المحرم"، تمتص طاقة الجاذبية أيضاً. ذُهلتُ من هذا التطور، لكنه كان خبراً ساراً لي.
واصلتُ عملية التدوير حتى استقرت "المانا" في فضاء المانا الخاص بي. كان ذلك الحيز مختلفاً عما سبق؛ إذ كانت جدرانه محاطة بهالة ذهبية ومرصعة بنقوش صغيرة مخفية.
وفي المركز، تحولت نواة المانا إلى كرة رمادية داكنة، واختفى مظهرها الحصوي القديم ليحل محله لب مستدير يبدو أكثر سطوة وقوة بكثير. وعند الفحص الدقيق، تبين أن النواة مغلفة بقواعد سحر الجاذبية، وقد أكد لي "النظام" هذه التغييرات مسبقاً.
مر الوقت وأنا مستغرق في هذه العملية...
***
في الخارج، تلقت القوى الرئيسية خبر عودة المديرة "لارا"، ولم يلقوا للخبر بالاً في البداية، إذ كانوا يتوقعون عودتها عاجلاً أم آجلاً.
لكن الأمر كان مختلفاً تماماً بالنسبة لـ "برج السحر الأسود".