الفصل 1743: دخول مدينة الغبار!
وجهة نظر البطل
مدينة الغبار
هبطت مركبة "السمندل الطائر" على الأرض خارج حدود المدينة. طلبتُ من العجوز "روك" أن يغير ملابسه ليتنكر ويخفي هويته، ثم ناولته قناعاً ليغطي به وجهه.
وافق العجوز روك على البقاء هنا بجانب السمندل الطائر؛ فلم تكن لديه رغبة في الاقتراب من البوابة الرئيسية، ناهيك عن التفكير في دخول المدينة.
"سووش!"
تحرك جسدي بلمح البصر، وظهرتُ فجأة على الطريق المؤدي إلى البوابة الرئيسية.
كنتُ موقناً أن "ريمي"، ذو الرتبة "المحرّمة"، لا بد أن يكون داخل المدينة، لذا ارتديتُ القناع لأواري وجهي؛ فما كان ليخطر بباله أبداً أنني سأصل إلى رتبة "المطلق" بهذه السرعة الخاطفة.
ولأنني لم أستبعد فكرة استئجاره لأشخاص لملاحقتي والتعرف عليّ، توخيتُ الحذر الشديد. كان بالإمكان رؤية وسائل نقل متنوعة خارج المدينة، تراوحت بين المركبات الحديثة والعربات الكلاسيكية القديمة.
أجلتُ بصري في الأرجاء أثناء سيري، فلمحت عيناي عدة سفن هوائية ضخمة.
وكما هو متوقع من مدينة الغبار، إحدى أشهر مدن "الإقليم المظلم"، كانت المركبات الحديثة مشهداً مألوفاً فيها. ومع ذلك، لم أرَ أي طائرات نفاثة أو حاملات طائرات، وإلا لغدت المدينة أشبه بأسطورة سحرية متطورة.
ما إن انتهيتُ من استطلاع المحيط، حتى وصلتُ إلى البوابة الرئيسية حيث كان الناس يصطفون في طوابير طويلة. رفعتُ حاجبيّ دهشةً حين رأيتُ جماعات متباينة من السحرة.
أبصرتُ سحرةً متجولين يقفون في طوابيرهم، بينما على الجانب الآخر، اصطف سحرة يرتدون أزياءً فاخرة في مسار منفصل تماماً.
لم يكن هؤلاء السحرة الأثرياء من العوام، بل كانوا من "المستوى التاسع". وكان هناك أكثر من عشرين ساحراً ينتمون لقوى ومنظمات مختلفة يتأهبون لدخول المدينة.
اخترتُ الوقوف في طابور السحرة المتجولين، رغبةً مني في عدم لفت الأنظار أو الكشف عن هويتي.
مرّ الوقت ببطء.
كان يُسمح للسحرة المتجولين بالدخول فرداً تلو الآخر بعد دفع رسوم معينة، فالدخول لم يكن بالمجان.
في تلك الأثناء، كنتُ أراقب السحرة الأثرياء بتمعن، ولم أستطع تحديد القوى التي ينتمون إليها نظراً لغرابة أزيائهم.
فجأة، التقطت أذناي طرف حديث، ووقع نظري على رجل عجوز يملي أوامره على حراس المدينة بصرامة. وعندما استشعرتُ مدى قوته، لمعت عيناي ببريق حاد.
قلتُ في نفسي: "إنه من رتبة السامي".
كان ذلك العجوز قائداً مهيباً، ولم يكن رجلاً يستهان به. واصلتُ التنصت عليه وهو يتحدث إلى الحراس.
قال لهم العجوز: "احفظوا هذه الصورة جيداً، وإذا رأيتم هذا الشخص، فأبلغوني في الحال". وأضاف قبل أن ينصرف: "تذكروا، إنه في المستوى التاسع".
عاد الحراس إلى مواقعهم وشرعوا في تفتيش كل ساحر يقل مستواه عن "الساحر السامي" تفتيشاً دقيقاً ومضنياً، أما السحرة من رتبة "السامي"، فلم يجرؤ أحد على اعتراضهم، بل كانوا يفسحون لهم الطريق بكل احترام وتقدير.
ومع مرور الوقت، جاء دوري أخيراً. أدرك الحراس أنني من فئة "النخبة"، إذ لفتت الهالة المنبعثة مني انتباههم بشدة. ظننتُ أنهم سيطالبونني برسوم الدخول، لكنهم لم يفعلوا، بل سمحوا لي بالمرور دون سؤال.
ارتسمت على شفتي ابتسامة ساخرة، ولم أندفع لداخل المدينة فوراً، بل تطلعتُ حولي فرأيتُ العجوز نفسه الذي رأيته سابقاً. فكرتُ في أن اتباعه قد يقودني إلى "ريمي المحرّم"، لكنني سرعان ما قررتُ أن ذلك ليس ضرورياً الآن.
بدلاً من ذلك، قررتُ الاستعانة بـ "أوتو". توجهتُ إلى مطعم فاخر بالجوار يضم غرفاً خاصة. وما إن خطوتُ للداخل حتى استقبلني المدير، ولأنه أدرك من هيئتي مكانتي الاجتماعية المرموقة، أمرتُه بأن يصحبني إلى غرفة خاصة.
صعدنا إلى الطابق الثالث ودخلنا إحدى الغرف. طلبتُ من المدير أن يمنع الموظفين من الدخول لمدة نصف ساعة، متذرعاً بضرورة إجراء اتصال هام.
تفهّم المدير رغبتي على الفور، فالسحرة الأقوياء يقدسون خصوصيتهم، وغادر الغرفة بمنتهى الاحترام. قمتُ فوراً بمسح المكان باستخدام "النظام"، ولم أجد أي ثغرات أمنية أو أجهزة تنصت مخفية.
"سووش!"
وبعد ثانية واحدة، ظهرتُ داخل "قصر غريغور"، حيث كان "هانك" و"أوتو" و"باتريك" و"وحش الكرمة" يتواجدون في الردهة. وما إن أبصروني حتى ألقوا عليّ التحية.
سأل أوتو: "سيدي، أين نحن الآن؟"
أجبتُه: "في مدينة الغبار، إحدى المدن الذائعة الصيت في الإقليم المظلم. أحتاج إلى مساعدتكم في أمرٍ ما سأشرحه لكم لاحقاً". ثم أمسكتُ بـ "أوتو" وعدتُ به إلى الغرفة الخاصة.
بمجرد دخولنا، قلتُ له: "أريدك أن تبحث عن المديرة لارا؛ فقد قام شخص من الرتبة المحرّمة يُدعى ريمي بسجنها في هذه المدينة. استقصِ الأخبار لتعرف ما إذا كان أحد يتحدث عنها".
أصيب أوتو بالذهول عند سماع ذلك، ونظر إليّ بنظرة ملؤها الإجلال، فقد ظن أن سيده يواجه كياناً "محرمّاً". وفوراً، بدأ أوتو في إطلاق سحره واستخدامه بمهارة بعد ارتقائي الأخير.
لم أقاطعه، بل شرعتُ في استخدام خاصية المسح في النظام لاستكشاف المدينة. وبعد ثوانٍ قليلة، تجلت النتائج في عقلي.
انكمشت حدقتا عيني دهشةً، فوفقاً لبيانات النظام، لم يكن هناك كيان "محرم" واحد فحسب، بل وجد كيانان من الرتبة المحرّمة في المدينة!
أحدهما كان "ريمي المحرّم"، والآخر كان يتمركز في وسط المدينة. ولا بد أنه "سيد المدينة"، وإلا فلن يكون لوجوده أي تفسير منطقي آخر.
ولكن، لماذا يعيش شخص بمستوى "المحرم" في الأراضي المظلمة؟ حتى لو كانوا ينتمون للفصيل المظلم، فهناك معاقل وقلاع أخرى تليق بمقامهم.
وجود شخص "محرم" هنا يعني إما أنه حاكم المدينة، أو أنه شخص يضمر دوافع خفية.
والأمر الذي زاد من حيرتي هو أن "ريمي" كان يتحرك ويعمل بحرية تامة هنا؛ فلم أكن أعرف ما إذا كان هذان الكيانان يعرفان بعضهما البعض أم لا.
في هذه الأثناء، كانت قوة سحر أوتو قد غطت معظم أرجاء المدينة، والتقطت مجساته السحرية أحاديث تتعلق بالمديرة لارا. وبينما كان يلم شتات المعلومات، بدت الجدية على تقاطيع وجهه، وتصببت قطرات دقيقة من العرق على جبينه.
جمعتُ أفكاري ونظرتُ إليه، وحين رأيتُ تعبيره الصارم، ضاقت نظرتي وترقبتُ ما سيقول، فقد كنتُ متأكداً أنه عثر على خيطٍ ما.
ومع ذلك، آثرتُ الانتظار بصبر حتى ينهي مهمته تماماً.
بعد بضع دقائق، استعاد أوتو تركيزه، وأخذ نفساً عميقاً ليُرتّب المعلومات في ذهنه، ثم رفع رأسه ونظر مباشرة نحو السيد "فنسنت".