الفصل 1050: أمرٌ عسكريٌّ كالجبال الراسيات
يُقال في مأثور الحِكَم "لا يفلُّ الحديد إلا الحديد " وشرُّ الأشرار لا يوقفه إلا مِثلُهم. قد لا يكون "روح الصندوق ذو وجه الخنزير " كائناً سويَّ الطباع ، لكن بالنسبة لننغ فان لم تكن هذه معضلةً تُذكر.
لقد أخضع ننغ فان العديد من الأتباع ، وكان جُلُّهم من المتمردين والمارقين ؛ بدءاً بـ "شيطان التبديد داتوو " و "وولاو با " ذي الغيوم السوداء ، وصولاً إلى "روح قوس الشمعة "... والآن ، ينضمُّ إليهم "روح الصندوق ذو وجه الخنزير ".
يمتلك ننغ فان باعاً طويلاً في التعامل مع هؤلاء المارقين ؛ فالأمر لا يعدو كونه مزيجاً من الحزم واللين. أما الحزم ، فقد أظهره لننغ فان بالفعل ، وبدا على السطح على الأقل أنَّ "وجه الخنزير " قد أذعن. وأما اللين ، فلا داعي للاستعجال فيه ؛ فالأولوية القصوى هي استغلال قوة هذا الكائن للتخلص من أشباح الماء هنا.
بعد أن أبدى "وجه الخنزير " هذا القدر من الطاعة ، انتهز ننغ فان الفرصة ليسأله بلهجةٍ لا تزال تحمل في طياتها برودةً خفية ، جعلت الكائن يرتعد:
"تكلَّم ، ما هي وسائلُك للقضاء على أشباح الماء هنا ؟ "
لقد أُصيب هذا الكائن إصابةً بالغةً بنصلِ ننغ فان ، وكاد يهلك لولا أنَّ نَفَسَه ظلَّ عالقاً ببدنه. و لقد بلغ خوفه من ننغ فان مبلغاً لم يعهده من قبل ، فكيف له أن يتجرأ على التقليل من شأنه ؟ خاف أن يقول كلمةً تثير حفيظة هذا "النحس " مجدداً ، فأجاب بوجل:
"يا سيدي ، قد لا تعلم أنَّ مياه الينابيع الصفراء رغم أنها تُغذي أرواح الأشباح إلا أنَّ المخلوقات التي تولد منها تمتلك نقاط ضعفٍ فادحة. قد يجهل الآخرون ذلك لكن بحكم كوني جزءاً من بحرية الينابيع الصفراء قديماً ، فأنا أعلمها جيداً! أمتلك عشر طرائق على الأقل لاستدراج أشباح الماء والقضاء عليها ، وإن كانت تتطلب وقتاً طويلاً. وبالطبع ، إن كنت يا سيدي تودُّ دخول القصر فحسب بدلاً من إبادتهم ، فإني أملك طريقةً أيسر... دَعني أؤدي تعويذةً صغيرة ، وبأمرٍ واحدٍ مني ، ستتراجع أشباح الماء ولن تجرؤ على سدِّ طريقك... "
ضاقت عينا ننغ فان على الفور.
أمرٌ واحدٌ ويولُّون الأدبار ؟ جزءٌ من بحرية الينابيع الصفراء ؟ ما أصل هذا الكائن يا تُرى...
"هل هذا صحيح ؟ أيمكنك فعلُ ذلك حقاً ؟ "
"...كيف لي أن أجرؤ على خداع سيدي! قبل مرحلة التناسخ ، كنتُ أتولى إدارة "ينابيع الينابيع التسعة السفلية " لذا فأنا أعرف هؤلاء الأشباح حقَّ المعرفة. التعامل معهم ليس بالأمر العسير! فقط ضع هذا الصندوق النفيس خارج بوابة القصر ، ثم تراجع قليلاً ، وراقب كيف أطرد أشباح الماء وأُمكِّنك من العبور! "
أكد "وجه الخنزير " واثقاً ، متلهفاً لإثبات جدارته. و لقد أدرك تماماً أنه أساء لننغ فان ؛ ورغم أن الأخير قد استبقاه حيَّاً إلا أنَّ هذا لا يضمن له السلامة ، فقد يُصفِّي ننغ فان حساباته لاحقاً. لذا لم يجد سبيلاً للنجاة سوى تقديم إنجازاتٍ تشفع له.
"إن كنت تملك هذه القدرة حقاً ، فأنا بانتظار رؤيتها. "
بعد لحظة صمت ، اتبع ننغ فان التعليمات واقترب من القصر خطوةً بخطوة حتى صار على بُعد عشر خطواتٍ من البوابة ، فوضع الصندوق اليشبيَّ على الأرض وتراجع قليلاً.
وحين رأى "وجه الخنزير " أنَّ ننغ فان قد ابتعد المسافة المطلوبة ، تنفَّس الصعداء وتحوَّل إلى شعاعٍ أخضر ، طار من الصندوق وحطَّ على الأرض بهيئة خنزيرٍ بري ضخم.
كان لهذا الخنزير وجهٌ أسود وشعرٌ خشن ، وأذنان كالمراوح ، يرتدي زِيَّ زفافٍ أحمر فاقعاً ، وقبعةً سوداء مُرصَّعة بزهور ذهبية ، بدا معها كعريسٍ في ليلة زفافه. لو كان هذا الزيُّ على ننغ فان لبدا فيه وقاراً ، لكنه على الخنزير بدا مثيراً للسخرية.
كان زِيُّه مبتذلاً للغاية ؛ حزامٌ ذهبي يلفُّ خصره ، وقلادةٌ من خرز بوذي ذهبي تُحيط بعنقه ، تحمل عشرين خرزةً بحجم بيض الدجاج ، وأصابعه مُطوَّقة بخواتم مرصعة بالجواهر. وحتى حين يبتسم كانت أسنانه ذهبيةً أيضاً...
بدا الأمر مبتذلاً نوعاً ما...
شعر ننغ فان بالذهول ، فمن مظهره يبدو أنه من النوع "المميز " تماماً مثل داتوو ، ووولاو با ، وروح قوس الشمعة...
"الصغير تشو إر ، يُحيي سيدي! " انحنى الخنزير لننغ فان ، غيرَ قادرٍ على رفع رأسه ، وبالكاد يجرؤ على التنفس ، فقد كان الخوف منه متمكناً من نفسه.
"هل "تشو إر " اسمُك الحقيقي ؟ "
"نعم ، نعم! أنا "تشو إر " ولا أُبدل اسمي مهما حدث! " بدت عيناه مضطربتين لكنه أصرَّ بعناد.
أدرك ننغ فان بوضوح أنَّ الخنزير يكذب ؛ فـ "تشو إر " مجرد اسمٍ مستعار ، لكنه لم يهتم بالخوض أكثر ، بل أعطاه أمراً هادئاً:
"إذن ، ابدأ في تشتيت أشباح الماء هنا. "
"آه ، ذاك ، يا سيدي... هل يمكن أن تُبدد طاقة السيف التي بدتخل جسدي أولاً ؟ إنها مخيفة! مهاراتك الإلهية مرعبة حقاً! حتى بقايا أيتها الطاقة لا تزال تقهر قواي ، وتمنع جسدي الروحي من الالتئام. و أنا واثقٌ من قدرتي على أمر الأشباح بالتراجع ، لكنَّ هذا يتطلب تقنيةً سريةً قد تفشل إذا كان جسدي متضرراً... يا سيدي ، هل يمكنك... "
تأتأ "تشو إر " متوسلاً ، وهو يفرك خصره الخنزيري بأسى. حيث كانت إصابته السابقة قد مزَّقته تقريباً إلى نصفين ، ولم يبقَ سوى خيطٍ رفيعٍ يربطهما. والحقيقة أن "تشو إر " قادرٌ على إستعادة نفسه ، وهو أمرٌ لا يستطيعه غيره من أرواح الأدوات ، لكنَّ طاقة السيف التي تركها ننغ فان كانت تعيثُ فساداً وتمنع التعافي.
لم يقل ننغ فان الكثير ، بل استلَّ بخفةٍ خيوطاً من طاقة السيف البيضاء الضبابية من جسد الخنزير. ابتهج الأخير ، وفور خلوِّ جسده ، فعَّل مهاراته الإلهية ، ليعود جسده إلى حالته السابقة بلمح البصر.
"هاهاها ، عاد الجد إير إلى سابق عهده! "
أراد الخنزير أن يزأر فخراً ، لكنه تذكر موضعه أمام سيده فكبح جماحه ، وقال معدِّلاً كلماته "أوه ، أوه ، عاد "تشو شيا إر "! أخيراً سأقدم عرضاً يليق بسيدي! "
لم يسعَ ننغ فان إلا أن يزفر بضيق.
زائف ، زائفٌ جداً... هذا النفاق والجدية المختلطة بالهراء تضاهي ما لدى "وو لاو با ". يبدو أن "تشو إر " ليس أحمق ، بل هو معتادٌ على التغطرس ، لكنه يُجيد التكيف أمام قوةٍ لا تُقهر...
"هل نبدأ الآن بتشتيت الأشباح ؟ إن لم أكن مخطئاً ، يبدو أنَّ جسدك لا يستطيع مغادرة هذا الصندوق طويلاً... "
"واو! يالَ بصيرة سيدي الثاقبة! من بين كل من قابلتُهم في حياتي أنت صاحب أفضل رؤية! " تظاهر "تشو إر " بالدهشة ، مُنهالاً عليه بالإطراء.
"...هل تتطلب الرؤية الثاقبة مجهوداً لاكتشاف ذلك ؟ كُفَّ عن الهراء وأنجز المهمة! " قال ننغ فان بملل.
"مفهوم! "
أجاب "تشو إر " باحترام ، لكنه تساءل في داخله: هل صدئ أسلوبي في الإطراء ؟ لماذا لم تؤثر في سيده ؟ يبدو أن اعتياده على كونه "الرئيس " جعله ينسى كيف يكون خادماً... عليه أن يتدرب على ذلك مجدداً.
أدرك "تشو إر " أنَّ ننغ فان على عجلة من أمره ، فلم يضع مزيداً من الوقت ، وشكَّل بيده تعويذةً ، وأخذ يرتلُ بجهد ، وفجأةً بدأت مياه البحر الراكدة تضطرب... وتظهر الأمواج!
تحركت الأمواج ببطء في البداية ، ثم تسارعت حتى صار ننغ فان يجد صعوبة في الثبات. ومع ذلك ظلَّ "تشو إر " وسط الأمواج ثابتاً كجبل "تاي " يكرر التعاويذ بهدوء. وبصفته روح أداة لم يكن يملك أثراً له هالة تدريب ، لكنَّ عرضه للقوة ترك ننغ فان في حالة تأهب.
وسط الأمواج ، ظهر توهجٌ أزرق ، ساطعٌ وسط قاع البحر المعتم ، كأنه نجومٌ في ليلةٍ حالكة. حيث زاد التوهج فجأة ، كاشفاً عن مذبحٍ عطريٍ مزينٍ بالثمار.
انحنى "تشو إر " ثلاث مرات للمذبح ، وهو يرتلُ عباراتٍ مثل "بحماية الطاهرين الثلاثة " و "التلميذ يطلب حضور القديسين بصدق ".
عند سماع ذلك ظنَّ ننغ فان للوهلة الأولى أنه يستخدم "تعويذة استدعاء " لجلبِ تجسيدِ كائنٍ قوي. هل يُعقل أن يستدعي قديساً ؟!
هل هذا ممكن ؟ هل سيظهر قديسٌ أسطوري في هذا العالم الوهمي ؟
وإن نزل قديس ، فماذا سيحدث... أم أنها مجرد شعاراتٍ فارغة ؟
لم يمتلك ننغ فان فهماً واضحاً لخلفية "تشو إر " لكنه بالتأكيد كيانٌ قويٌّ من العوالم الحقيقية. وهكذا "تشو إر " بتركيزه الكامل على هذه التعويذة ، أثار فضول ننغ فان وتوجسه!
بوم!
بينما كان ننغ فان في قمة تأهبه ، انفجر التوهج الأزرق حول "تشو إر ".
بعد الانفجار ، اختفت طاولة البخور دون أثر ، وحلَّ محلها "يانغ تشو " المحرج الذي طار بعيداً بفعل الضوء الأخضر...
"مستحيل! أمن الممكن أن مهارتي صدئت لدرجة الفشل ؟ " فرك "يانغ تشو " عرفه المحترق ، وبدا غير مصدق.
أُصيب ننغ فان بالذهول مجدداً. ظنَّ حقاً أنَّ قديساً سيأتي ، فاستعدَّ للعدو ، ليقوم "يانغ تشو " بهذا الانفجار...
"أتستطيع أم لا ؟ إن كنت لا تستطيع ، فقلها مباشرة! " قال ننغ فان بنفاد صبر.
"آه ، خطأٌ بسيطٌ يا سيدي. اطمئن ، في المرة القادمة سأنجح بالتأكيد! "
وبعد عود بخور... بوم! انفجار!
وبعد ساعتين... بوم! بوم! انفجاراتٌ متتالية!
وبعد ثلاث ساعات كان "يانغ تشو " قد فشل عشرات المرات ، وأصبح جسده الروحي يفوح برائحة احتراق. تنهد ننغ فان ، شاعراً بالغباء لأنه منحه كل هذه الفرص.
لولا أنَّ "يانغ تشو " كان شديد الجدية في أدائه ، لظنَّ أنه يتعمّد الفشل.
"أيمكنك فعلها أم لا... " قال ننغ فان بعد صمتٍ طويل.
"يا سيدي ، امنحني فرصةً أخيرة ، سأنجح بالتأكيد! " قال "يانغ تشو " وقلبه في يده.
"إن كان الأمر مستحيلاً ، فالقضاء عليهم بطرقٍ أخرى ممكن! طريقتك هذه لم توفر عليَّ الكثير من الوقت. "
"حقاً ، المرة الأخيرة ، أرجوك يا سيدي الطيب... "
"...مرة أخيرة. "
"نعم! بدأت أفهم سبب فشل التعويذة ، الأمر ليس خطئي ، بل بسبب تغيرات العالم... نعم ، هذا هو السبب... "
استدعى "يانغ تشو " طاولة البخور مجدداً ، فانفجر الضوء الأخضر بقوة. تصاعدت حدة الضوء حتى قاربت الحدود التي تتحملها مياه البحر ، ولو تجاوزتها لانفجرت مجدداً!
لكن هذه المرة ، وبحركةٍ بارعةٍ من يديه ، بدأ الضوء الأخضر ينكمش ويتكثف ، مُشكِّلاً حلقةً خضراء ضخمة!
أصدرت الحلقة ضغطاً يخلع القلوب ، وخرج منها شيخٌ محاطٌ بهالة خضراء ، يقف واضعاً يديه خلف ظهره ، موجهاً وجهه نحو القصر المعزول.
كانت تلك "حلقة القديس " التي لا يملكها إلا قديسٌ حقيقي!
حمل الشيخ ضغطاً مرعباً بمستوى القديس ، كأنه بلمحةٍ يستطيع تدمير العالم الوهمي برمته. وما نطق به جعل تعبيرات ننغ فان تتبدل:
"لقد جئتُ هنا بأمرٍ من السماء ، لتنفيذ تدمير العالم! من يقف في طريقي ، فليلقَ حتفه دون رحمة! هاها ، هاهاها! "
لم تكن هذه الكلمات والضحكة المتغطرسة موجهة للأشباح فحسب ، بل لننغ فان أيضاً! تردد صداها في أذنيه كأنها صوت السماء ، وكل صدى جلب ألماً يكاد يشقُّ روحه!
ومع ذلك لم يهتم ننغ فان بالألم ، فقد صُدم بكلام هذا القديس الغامض.
"تدمير العالم! " استدعى "يانغ تشو " قديساً ، وهذا القديس يخطط لتدمير العالم الوهمي ؟ أية مزحةٍ هذه ؟ ألم يكن الأمر يتعلق بطرد الأشباح ؟
احمرت عينا ننغ فان ، وتدفقت في عقله آلاف الأفكار ممزوجةً بالندم! و لم يكن عليه منحه هذه الفرصة! هل يمكن أن يكون "يانغ تشو " عدواً متنكراً ؟
كانت هالة القديس تبدو حقيقيةً تماماً حتى بمسح "عين تيانرين " للمستوى الثاني لم تظهر إلا الواقع! هذا قديسٌ حقيقي!
وإن كان هذا القديس عدواً ، فهذا يعني بداية نهاية العالم الوهمي! وهذا بسبب تساهل ننغ فان!
هل يوجد في العالم الوهمي من يضاهي قديساً من الخطوة الثالثة ؟ حتى لو تجمعت قوى السماوات الأربع والعوالم التسع ، قد لا يكونون نداً له!
لو دُمِّر العالم بسببه ، سيصبح ننغ فان مذنباً في حقِّ الجميع!
"يانغ تشو! أعطني تفسيراً! "
تفاقمت نيَّات القتل لدى ننغ فان. و هذا العالم هو موطنه ، وموطن أحبائه!
تجاهل "يانغ تشو " خوفه وغموضه. و لقد نجح في استدعاء القديس ، فلماذا غضب سيده ؟ أيمكن أن يكون قد أسيء فهمه ؟
"سيدي ، أرجوك اهدأ! لقد أسيء الفهم... هذا ليس قديساً حقيقياً ، بل مجرد وهم. إن لم تصدقني ، سأجعل هذا القديس يستدير ، وسترى أنَّ ما أقوله ليس كذباً... "
شرح "يانغ تشو " وهو يتمتم بتعويذة ، فاستدار الشيخ.
يا له من وجهٍ عجوز!
لقد كان وجه ذلك الشيخ يشبه وجه ننغ فان تماماً ، كأنه مرآةٌ لننغ فان في شيخوخته!
أصبح نظر ننغ فان غريباً. لم يظن أنَّ هناك قديساً حقيقياً يشبهه إلى هذا الحد.
"سيدي ، صدقني ، هذا ليس قديساً ، بل قشرةٌ لإخافة الناس. الضغط حقيقي ، لكنه لا يؤذي أحداً. إن لم تصدق ، يمكنك لمسه ، إنه كفقاعةٍ تنفجر باللمس... "
اقترب ننغ فان بحذر ولمس القديس الذي يطابقه في الملامح. وبلمسةٍ واحدة ، تلاشت حلقة القديس والضغط والكلُّ في لحظة.
"زائف... لقد كان زائفاً حقاً... "
على الرغم من أن الهالة والضغط كانا متقنين إلا أنه كان مجرد واجهةٍ هشة.
"هل هذا فنُّ وهمي ؟ أيُّ مستوى من فنون الوهم هذا ؟ "
"درجة "تاي شوان " العليا ، فنٌ لا يتقنه إلا القديسون. "
"لا عجب أنَّ "عين تيانرين " لم تكتشف أيَّ زيف. فنُّ وهمٍ من درجة "تاي شوان " ؟ أظنُّ أنَّ قلةً في العالم الوهمي تستطيع تمييز ذلك... "
"فنٌّ لا يتقنه إلا القديسون ، كيف استطعت استخدامه ؟ "
"هاها لم أستخدم النسخة الكاملة ، بل جزءاً منها. و من علمني إياه كان قديساً حقيقياً ، وأخبرني أنَّ النسخة الكاملة قد تستدعي قديساً حقيقياً ، أما الناقصة فهي فقط لإخافة الناس... "
لا ، القدرة على الإخافة مفيدةٌ جداً ، طالما أنَّ الوهم لا يُكشف.
"أخبرني ، لماذا يشبهني هذا القديس الوهمي ؟ "
"إن لم يشبهك ، فلن ينجح الفن. " ضحك "تشو " باعتذار.
"ماذا تقصد ؟ "
"ببساطة ، لأنك يا سيدي من "حملة الأداة " القلائل المتبقين ، لذا نجح الفن في محاكاة هيئتك. "
"ما علاقة ذلك بكوني من حملة الأداة ؟ " عقد ننغ فان حاجبيه. لم يخبره بذلك قط ، كيف عرف ؟
"لأن... "
فتح "تشو " فمه ليشرح ، لكنَّ تعبيراته تبدلت فجأة ، وغمره خوفٌ عميق ، وبقي فمه مفتوحاً دون أن تخرج كلمة!
كان العرق يتصبب من جبينه! كأنَّ هناك قوانين كونية تمنع الإفصاح عن محرمات!
وبعد وقتٍ طويل ، قال "تشو " بأسى "أعتذر يا سيدي ، لا أستطيع الشرح. لأنه... أمرٌ لا يُقال! "
"لا يُقال! "
مجدداً ، أمرٌ لا يُقال! يبدو أنَّ بعض أسرار العوالم الحقيقية لا يمكن لمسها مطلقاً!
"انسَ الأمر. سؤالٌ آخر ، هل يستطيع القديس الوهمي اتخاذ مظهر شخصٍ آخر ؟ مثلاً ، غريبٍ عشوائي ؟ "
"في السابق نعم ، الآن لا... فقط صورة "حامل الأداة " يمكن استخدامها لهذا الفن. " تنهد "تشو ".
عبس ننغ فان ، الكثير من الأسرار العظيمة لا تزال غامضة...
"هل يجب أن يكون هيئتي ؟ "
"نعم... "
"فهمت... إذن انسَ الأمر. "
"سيدي ، اسمح لي بالراحة ، فاستخدام هذا الفن يستنزفني تماماً. "
"كم تحتاج من الوقت للراحة ؟ "
"ثلاث... ثلاث ساعات ؟ " أجاب "تشو " بتوتر.
رفع ننغ فان حاجبه "قل الحقيقة! "
"ثلاث... ثلاثة أيام. "
"قل الحقيقة! "
"ثلاث... ثلاث سنوات. "
"هذه فرصتك الأخيرة... قل الحقيقة! "
"ثلاثة ملايين سنة... استخدام هذه التقنية مرة واحدة تتطلب هذا القدر للتعافي... " قالها بصدق.
شعر ننغ فان بصداع "وتنتظر مني أن أنتظر هنا ثلاث ملايين سنة ؟ "
"أستحق الموت! خفتُ أن تغضب... "
"إن عاد الزمن ، أيزول تعبك ؟ " فكر ننغ فان قليلاً ثم سأل.
"نعم ، هناك هذا الحل! سيدي ، استخدم مهارة "صندوق الروح " لعكس الزمن! عندها سأتمكن من استخدامها مجدداً! "
"إذن... براجنا باراميتا! "...
عاد الزمن إلى نقطته الأصلية للمرة الثانية.
باستثناء ننغ فان وروح الصندوق ، فقد الجميع ذكريات تلك الفترة. لذا حين ظهر ننغ فان على السفينة مجدداً كانت الكلمات التي سمعها هي تحذيرات "الإمبراطور الجزار ".
في نظر "الجزار " لم يدخل ننغ فان العالم السفلي بعد ، بل يستعدُّ لذلك.
"...مع قفل الزمن الآن بواسطة هذا الصندوق اليشبي ، في حال ساءت الأمور ، يمكنك عكس الزمن. و لكن أحذرك ، للصندوق حدود. و يمكنك الإحياء عشر مرات في اليوم كحد أقصى. هل تذكرت ؟ "
"نعم ، لكنَّ فرصة عكس الزمن انخفضت بالفعل إلى ثماني مرات. " أجاب ننغ فان بضيق.
"ماذا! لقد متَّ مرتين بالفعل ؟ "
"نعم ، أظن ذلك... "
كانت المرة الأولى عندما مات ننغ فان تفعيل تلقائي ، والثانية تفعيلٌ نشط. لم يرغب ننغ فان في شرح التفاصيل.
كالسابق ، قفز ننغ فان إلى بحر الينابيع الصفراء ، عارفاً الطريق إلى القصر المعزول.
ورغم أسفه على ضياع فرصة إلا أن انتظار ثلاثة ملايين سنة لم يكن خياراً.
ظهر "تشو " مجدداً ، وهذه المرة كان تنفيذ الفن الوهمي سلساً ، ولم يفشل.
يا لروعة هذا الفن! حتى قادة الطوائف من المستوى الثاني لا يمكنهم كشفه ؛ فكم في هذا العالم من يستطيع رؤية الحقيقة ؟
يبدو هذا الفن عديم الفائدة ، لكنه وسيلةٌ مرعبة لترهيب الأعداء... فكلما كان القادة أكثر خبرة ، زاد خوفهم من وجود القديسين...
استخدم "يانغ تشو " قديس الوهم ، ودخل بوابة القصر. و في لحظة الدخول ، اندفع أكثر من سبعمائة شبح ، لكنَّ ضغط المستوى الثالث للقديس الوهمي جعلهم يرتعدون ، ولم يجرؤوا على المقاومة.
وحين نطق "يانغ تشو " بلسان القديس ، ذُهل الأشباح.
"بأمرٍ من القائد تيانبينغ ، زعيم الأنهار التسعة ، تحت قديسي نهر السماء التاسعة عليكم يا حراس النهر الانتقال فوراً إلى النهر الثاني ، بانتظار أمر قديس طائفة فصل السماء. لا تخطئوا! "
"تيانبينغ... قديس... نتبع... الأمر... "
بدا الأشباح مشوشين ، غير قادرين على استيعاب الكلام بسبب ضعف وعيهم ، لكن كلمة "أمر " كانت محفورةً في أرواحهم ، دافعةً إياهم لمغادرة القصر الذي حرسوه لدهور.
حتى في الماضي كانوا يفضلون الموت على الفرار ، لكنَّ الأوامر العسكرية كالجبال الراسيات!
كانت أوامرهم الدفاع عن النهر الأول ، والآن تغير الأمر ، فعليهم الانتقال للنهر الثاني!
هل القديس تيانبينغ هو من أمر ؟
غير مؤكد... لكنَّ صوته حقيقي ، والضغط حقيقي ، وربما... الأمر حقيقي أيضاً...
أين النهر الثاني ؟
غير مؤكد... إذن فلنبحث عنه... فالأوامر عسكريةٌ كالجبال.
خرج الأشباح واحداً تلو الآخر من بوابة القصر نحو البعيد ، وكلما سبحوا ، بدوا كأنهم حققوا أمنية ، متحولين إلى نقاط ضوءٍ تلاشت في البحر...
صمت ننغ فان ، مراقباً تلاشتهم ، ولم يشعر بفرحة النصر ، بل بحزنٍ لا يوصف. هؤلاء الأشباح... كانوا حراساً ماتوا في المعركة...
موتى تحولوا لأشباح ، وما زالون أوفياء لمهامهم ، يا لهم من حراسٍ يستحقون الاحترام...
بعد تشتت الأشباح ، استنفد "يانغ تشو " طاقته وعاد للصندوق للراحة.
التقط ننغ فان الصندوق وسأل "وجه الخنزير " بمعنىً عميق:
"بالمناسبة... ماذا يعني القديس تيانبينغ ؟ الأمر الذي أصدرته باستخدام ضغط القديس لا يمكن أن يكون ملفقاً ، أليس كذلك ؟ هل يمكن أن يكون حقيقياً ؟ "
"آهاها ، عن ماذا يتحدث سيدي ؟ لا أفهم. "
"انسَ الأمر ، بما أنك لا تريد الإفصاح ، فلن أسأل. الشيء الذي أراده سيدك السابق يجب أن يكون داخل هذا القصر. استرح الآن ، لن أحتاجك مؤقتاً. "
أخذ ننغ فان العين اليسرى لـ "الإمبراطور الجزار " ودخل القاعة الكبرى. قصرٌ مهجور لسنوات ، لا أثاث فيه سوى مصباحٍ خامد. وفي الوسط ، توجد بئر...
مع دخوله ، بدأت عين "الجزار " تشعُّ ضوءاً رقيقاً ، متجهةً نحو البئر.
يعرف الشياطين كيف يصممون نقاط ربطٍ بين الفراغات على شكل آبار ، لكن البئر هنا لها غرضٌ آخر.
"هل الشيء الذي يريده الجزار داخل هذه البئر... "
اقترب ننغ فان ، وحين نظر للأسفل ، انفجرت حرارةٌ لا يمكن تصورها من البئر!
مع تدفق موجة الحر ، توقع ننغ فان الأمر ، وتراجع فوراً مفلعاً "درع إطفاء الإله ". ومع ذلك وبسبب تلك القوة الحارقة ، احترق ننغ فان حتى صار رماداً!
قوةٌ لا يمكن مقاومتها!
إنها ليست ناراً!
إنها "اليانغ الأقصى "! كميةٌ هائلةٌ لدرجة أنها قد تحرق سماء الشرق بأكملها!
تاريخياً كانت الشخصيات الخمس العظمى من قبيلة "دابي " تأتي هنا لجمع "اليانغ الأقصى " من البحر ، لكن ما يجمعونه هو مجرد أثرٍ ضئيلٍ متسرب من هذه البئر ، ومع ذلك كانوا يكتفون به.
ومقارنةً بما في البئر ، فما جمعوه لا يُذكر!
هذه البئر المهجورة... لماذا تحتوي على كل هذا الكم من طاقة "اليانغ الأقصى " ؟
هل هذا ما يبحث عنه "الإمبراطور الجزار " ؟...
المرة الثالثة لعكس الزمن ، العودة إلى السفينة.
لا تزال تحذيرات "الجزار " مسموعة.
"...مع قفل الزمن بواسطة الصندوق ، يمكنك عكس الزمن. و لكن أحذرك ، يمكنك الموت عشر مرات فقط في أعماق الينابيع الصفراء. هل تذكرت ؟ "
"تذكرت. و لكن فرصتي اليوم أصبحت سبع مرات فقط... "
"ماذا! لقد متَّ ثلاث مرات! " أظهر "الجزار " صدمةً مفاجئة.
"هذه المرة ، وجدتُ ما أردتَ ، إنها البئر المهجورة داخل القصر ، صحيح ؟ هدفك هو جمع "اليانغ الأقصى "! لا أعرف أصل هذه البئر ، لكن يمكنني إخبارك بوضوح ، هذا... لا يمكن القيام به إطلاقاً! "
قال ننغ فان بحزم.
"اليانغ الأقصى " جيد ، وضروري لفتح عين شبه القديس ، لكنه يتطلب التضحية بالحياة لجمعه!
حسب قوة "اليانغ الأقصى " التي رأيتها ، لن أتمكن من جمعه ، فالموت محتوم! حتى لو زادت قوتي عشرات المرات ، لن أنجو!
حتى لو عكست الزمن سبعمائة مرة ، لا أؤمن بقدرتي على جمع هذا "اليانغ الأقصى " المرعب.
هذا ليس مما يستطيع متدربو العالم الوهمي تحقيقه!
تماماً مثل جرس العملاق الذي لم يستطع أحد تحريكه في عالم سماء الشمال ؛ عدم القدرة ليست قلة تدريب ، بل نقصٌ في المستوى!
لقد وصلت قوة هجوم البئر للخطوة الثالثة!
إن كان هدف "الجزار " هو جمع "اليانغ الأقصى " فاعتذر له. ليس لعدم الرغبة في المساعدة ، بل لأن الأمر مستحيل... فغير القديسين الذين يلمسون هذه البئر سيموتون ؛ هذه هي النتيجة التي وصلت إليها ننغ فان بثمن موتٍ واحد!