الفصل 85: الرأس الصارخ
في الزوايا الغائرة للمبنى الذي يقع عند تقاطع الطرق، تردد صدى صرخة حادة، ففزعت الطيور التي كانت تلتقط حبوب الفاصوليا المتناثرة على الأرض، وهربت تاركة في مناقيرها اثنتين من تلك الحبوب.
امتدت الظلال على الجدار الأخضر، متحركة من قاعدته إلى سقفه، ثم اختفت حينما لامسه شعاع القمر.
وفي الطريق المؤدي إلى المبنى الذي يتدلى من رأسه جرس كبير، كان تسعة شبان يسيرون، يحملون أسلحتهم ويرتدون ثياباً كاشفة، متجهين صوب حيث امتدت الظلال.
داخل النافذة الزجاجية المغلقة للمبنى الذي جاوزوه، كان الأطفال يتحركون، يتوقفون عند النافذة، ويضعون راحات أياديهم، ولوّحوا للشابات التسع.
لوّح الشبان التسعة للأطفال، ثم ولجوا القسم المظلم، واختفوا بالكامل دون أن يحدثوا أي ضجيج غير مألوف.
حينما خرج الرجل ذو الشعر الأسمر من الزاوية المظلمة، وظهر على الجانب الآخر، اتسعت حدقتا عينيه حين رأى شباناً مثله يقفزون على بعضهم البعض، ويأكلون، يمزقون لحم بعضهم بأسنانهم العارية.
"نيكولاس، أين أنت...؟"
جاء الصوت من الجزء المظلم خلف الشاب ذي الشعر الأسمر، مما أجبره على أن يلتفت بجسده المرتعش والمتردد صوب من كانوا يندفعون الآن من الظلام.
حينما خرج الشبان الثمانية جميعاً، تغيرت ملامحهم حينما وجه نيكولاس رمحه السيفي نحو الشبان الذين أصبحوا يتصرفون كوحوش.
قبل أن ينطق نيكولاس بكلمة، اندفع أحد الوحوش البشرية بسرعة فائقة، رافعاً يده في الهواء، وفاتحاً فمه على مصراعيه كالموتى الأحياء. ولكن ما إن اقترب منهم، حتى طعن نفسه في رمح نيكولاس المرفوع الممدود أمامه.
"ما هذا الهراء...!"
صرخ الشبان الثمانية جميعاً حين رأوا الرجل المثقوب يندفع للأمام، ويرغب في الإمساك بنيكولاس.
هبت عاصفة باردة عبر الشارع الضيق، حاملة معها رائحة كريهة أجبرت الشبان الثمانية على تغطية أنوفهم.
حينما وصل الإنسان المطعون والملطخ بالدماء إلى المكان الذي تشبثت به يد نيكولاس، أطلق نصل حاد صوت أزيز وهو يشق الهواء، ويقطع الرأس. وحتى عندما تدحرج الرأس وارتطم بالأرض، ظل الجسد المقطوع الرأس ممتداً إلى الأمام، راغباً في الإمساك بنيكولاس.
في تلك اللحظة، رفع رجل يقف على الجانب الأيمن من نيكولاس مطرقة كبيرة، وضرب بها كتف الكائن المقطوع الرأس، مما جعله يرتخي لبضع دقائق فحسب.
وهناك، انطلقت صرخة حادة من فم الرأس القافز، جاذبة انتباه الواقفين من بعيد نحو الجنود التسعة، ثم اندفعت نحو الرجل الذي يحمل المطرقة، وطعنت حذاءه بأسنانها.
لحسن حظ الرجل الذي كان يحمل المطرقة، ظل حذاؤه الشيء الوحيد الذي طعنته أسنانها الحادة. فضرب الرجل رأسه بالمطرقة، فسحقه وتناثر الدم في التراب.
بعد سحب المطرقة من الرأس، أصبح الإنسان المقطوع الرأس هامداً، ومات أخيراً.
حينما دفع نيكولاس الجثة ذات الرائحة الكريهة من على الرمح، وقف هو والثمانية الآخرون هناك، ممسكين بمقابض أسلحتهم بإحكام، وحدقوا في الاتجاه الذي كان يأتي منه بنو آدم شبه الموتى.
لكن بعد أن ضربوا بأسلحتهم على الكائنات الثلاثة الأولى، وتركوها تسقط على الأرض، دوى صوت صراخ عالٍ من خلفهم، مما جعل الشبان الثمانية يفقدون تركيزهم ويلتفتون إلى الوراء، ناسين أولئك الذين كانوا يمدون أجسادهم ويقفون.
ركض الأطفال نحو النوافذ، وأغلقوها في غرفهم بينما كانت الصرخات تخترق الليل، ووضعوا كفوفهم على النوافذ، وحدقوا في الاتجاه الذي انبعث منه الصوت.
كانت بعض المباني في الزقاق الذي سكنه الزومبي البشري مغلقة، باستثناء الباب الكبير الذي كان للمبنى الأخضر، فقد ظل مفتوحاً وسمح للهواء بالتدفق إلى الداخل، مما أدى إلى دخول النسيم.
تحت ضوء عمود الإنارة الذي اتكأ عليه ماكس، وقف غراي يحدق في شاشة هاتفه الذكي الساطعة، ويتصفح مجموعة من الأسماء المميزة باللون الأحمر. وعندما رأى اسماً مرتبطاً بصورة تشبه صورة وانغ، توقف عن التصفح والتقط صورة للشاشة.
حوّل غراي نظره إلى ماكس، وابتسم، ثم ناولَه جهازه الذكي، وقال: "خذ هذا، ستحتاجه كدليل في حال حدوث أي شيء..." وكان صوته يحمل في طياته شعورين: الخوف والحب.
وبينما كان ماكس يلف أصابعه حول جوانب الجهاز المربع، رأى غراي يتحرك نحو الشاحنة العسكرية ففتح الباب.
"إذن طوال هذا الوقت... كان هو من يرسل مواقعنا إليهم..." فكر ماكس، وهو يحوّل نظره بعيداً عن اتجاه غراي، ويتوقف عند البوابة، حيث كان يقف هناك الكثير من الجنود الشباب بزيّهم الحربي الكامل.
عندما أعاد ماكس نظره إلى الشاحنة، رأى غراي يسير نحوه، ممسكاً بسيفي الكاتانا اللذين شوهد وهو يستخدمهما طوال الوقت.
في مكان بعيد في الجزء النائي من الثكنات، وقفت كلارا بجانب النافذة المفتوحة، تحدق في الطيور التي تقفز في الهواء كما لو أن كارثة طبيعية على وشك الحدوث.
وعلى السرير، استلقى كاي، يرمش مرات لا تحصى قبل أن يفتح عينيه، ثم نهض فجأة من على السرير، وحدق في كلارا.
"أين الأخ غراي؟" قالها بصوت حاد وعالٍ، مما أثار قشعريرة في عظام كلارا.
مررت كلارا راحتي يديها على وجهها، واستنشقت، ثم التفتت نحو كاي مبتسمة.
"سيعود، إنه... إنه فقط يتأكد من أن كل شيء في مكانه الصحيح."
بمجرد الاستماع إلى صوت كلارا، شعر كاي أن هذا لم يكن السبب الحقيقي الذي دفع غراي إلى تركه هناك تحت رعاية كلارا.
دون أن يدري ماذا يفعل، وما زال يشعر بآلام حادة تخترق جلده، أراح كاي ظهره بهدوء على السرير الأبيض، لكنه لم يترك الخنجر الذي كان يمسكه بإحكام في ذراعه اليمنى.
بينما كان كاي يحاول إغلاق عينيه، رأى اثنين من الظلال التي كان يراها تقفان عند الباب المغلق، تنظران إليه وتهزان رأسيهما. وبسبب تعابير وإشارات الظلال، لم يستطع كاي الخروج، مهما حاول النهوض من على السرير.
في كل مرة حاول فيها، ازداد مستوى الألم، مما جعله يصرخ، خاصة عندما حاول الوقوف على الأرض.
خلال كل تلك الصراعات، وقفت كلارا هناك مصدومة.
عند مدخل الثكنات، وقف غراي وعشرون جندياً شاباً آخر، وترددوا قبل التحرك.