الفصل 56: قتلتها
على بُعد أمتار قليلة من أسوار مدينة بيون، بدأت السحب الغائمة التي تطفو عالياً فوق الأشجار بالتحرك ببطء، وتغير لونها من سمته المعتادة إلى لون محمر مع هبوب رياح عاتية من أوساط الأشجار الشاهقة، مغطيةً الأرض ومحجبةً إياها عن الأنظار السماوية.
هبّت رياح جارفة كالأعاصير، زعزعت بعض الأشجار الراسخة، فدفع بها لتدور في دوامات وتندمج مع السحب. وبعد دقيقتين من بدء الإعصار، بدأت السحب تتلون بالأحمر، وهطل منها مطر تلوح رائحة الحديد في أنفه وتُحسّ في فمه بطعم الدم، وسقط بعضه على ألسنة ضفادع طوال كانت تُغني تحت الأشجار.
بدأت الأوراق التي هطل عليها المطر تتساقط من تلقاء نفسها، واحدة تلو الأخرى، تطفو وتستقر على العشب. وبعد فترة وجيزة، ذوت الأشجار التي بدت أوراقها وكأنها تغلف الأرض، وماتت جميعها، أشبه بالأشجار التي لم ترَ الماء أو ضوء الشمس لآلاف السنين.
وفي تلك اللحظة، داخل أسوار مدينة بيون، وداخل الثكنات، كان العرق يتصبب من وجه كاي، يبلل فراشه الذي كان يرقد عليه، ويتساقط على الأرض كالشلال. وإلى جانب فراشه كانت الممرضة التي كانت تغفو أحلاماً رغيدة وترتسم على شفتيها ابتسامة في نومها.
انتفض جسد كاي، وضرب بيديه ورجليه على السرير وتحرك عليه بسرعة. ورغم أن الظلال التي كانت ترافقه أينما ذهب كانت تجوب المكان حوله، إلا أن ذلك لم يكن سبب انتفاضه، بل كان السبب هو المكان الذي وجد نفسه فيه في الحلم.
في حلمه، كان يركض في زقاق ضيق، مقتفياً أثر طائر أسود كان يقوده في الأفق البعيد، يُصدر أزيزاً في الهواء ليُعلِمه بمكانه. وعلى يمينه في الحلم كانت هناك أعمدة شاهقة مزينة بنقوش تُشي ببراعة حضارة عريقة، ومع ذلك استمر في المسير...
قال وهو يتوقف ويتجه نحو أحد الأعمدة الحجرية التي نُحت عليها وجه: "ما هذا المكان؟" ولكن عندما اقترب منه ولامس وجهه بيديه، بدأت سيل من الذكريات تتدفق إليه.
بالنسبة لشخص مثل كاي، كانت هذه هي المرة الأولى التي تتدافع فيها الرؤى في داخله، ومع ذلك، حتى جسده الحلمي سقط على الأرض وتدحرج كمن به مسّ حتى ظهرت الصورة الأخيرة لشخص بعينين مميزتين كمثل عينيه.
حتى وهو ينهض من الأرض، ظلّ الوجه عالقاً في ذهنه كما لو كان الشخص واقفاً أمامه مباشرة. وفي اللحظة التي اختفت فيها الصورة فجأة، تبادر إلى ذهنه اسمٌ بقوةٍ جعلته ينتفض من نومه، يلهث ويتصبب عرقاً بغزارة.
أمال نظره قليلاً نحو السيدة التي كانت رأسها مستريحاً بهدوء وهي تشخر، ثم أمال نظره مرة أخرى إلى يديه، وفحص نفسه، ثم استدار أخيراً نحو النافذة المفتوحة.
نهض، وسار نحوها، ووضع يده الصغيرة التي كانت عليها الكثير من الخدوش على راحة يده على مقعد النافذة واستنشق بعمق.
"كاي فينلور" ذُكر الاسم قليلاً في ذهنه، لكنه ترجرج على شفتيه وأرسل نسيماً بارداً طار من نافذته وانضم إلى الرياح المتصاعدة نحو السحب....
كان كينجي ما زال يقظاً ويتجه نحو بوابة سور المدينة، يفرك عينيه من النعاس ويتثاءب بشدة. حيث كان التثاؤب قوياً لدرجة أنه عندما حاول تغطية فمه، تسرب الهواء من بين أصابعه.
عندما وصل إلى الجدار، حرك لوحاً خشبياً مستديراً، وأطلّ بعينه اليمنى من خلاله، فرأى الريح العاتية تهب في الأفق البعيد، متجهة نحو سور المدينة. ولكن عندما رمش مرة واحدة ونظر إليها مجدداً كانت قد اختفت.
قال وهو يصفع نفسه ويعيد عينه إلى الحفرة: "ماذا يفعل بي النعاس؟" لكنه وجد السماء طبيعية. ثم استدار، وأعاد قطعة الخشب المستديرة إلى مكانها لتغطي الحفرة، ثم عاد باتجاه الثكنات وهو لا يزال يتثاءب.
بعد لحظات من مغادرته البوابة، عادت السحب الحمراء والرياح العاتية، وكأنها تنتظر رحيله قبل أن تعاود الهبوب. وفي قلب الإعصار، بدا رجل يرتدي رداءً أسود وكأنه يظهر كلما ضربت صاعقة حمراء الإعصار.
عندما دخل كينجي أسوار الثكنات ودخل المهجع، بدأت الكلاب تتسامع في الشوارع، تحدق وتنبح في السماء. وبعد ساعتين توقفت عندما بدأت أضواء لا حصر لها تضيء في المباني. واحدة تلو الأخرى، بدأت أبواب تلك المباني تُفتح، ومن خلالها بدأت نساء من مختلف الأطوال والأحجام والألوان بالخروج، يحملن سلالاً وأوشحة ملفوفة حول رؤوسهن وأعرافهن....
بعد ساعة، بدأ الجنود المكلفون بالحراسة عند مدخل المدينة بالخروج من بوابة الثكنات والاندفاع نحو مدخل المدينة عندما دوى صوت بوق سيارة عالياً وملأ أجواء الصباح الباكر.
عند سماع صوت البوق للمرة الثالثة، فتحت الممرضة عينها اليمنى وهي نائمة بهدوء وتغفو نوماً عميقاً، ثم فتحت عينها اليسرى. ولدهشتها، رأت كاي واقفاً عند النافذة وعيناه مغمضتان، يمارس تمارين التنفس كشخص بالغ.
تذكرت الممرضة جميع تسلسلات التنفس التي كان يقوم بها شقيقها غراي عادةً عندما كان في شبابه، وابتسمت، وأزاحت النعاس من عينيها، ونهضت من الكرسي الذي كانت تجلس عليه، وسارت ووقفت بجانب كاي الذي لم يفتح عينيه بعد سماعه خطوات الأقدام.
"كيف حالك اليوم يا كاي؟" قالت الممرضة وهي تمد ذراعها اليمنى ببطء وتضعها على راحة يد كاي، ولكن في اللحظة التي لامست فيها بشرتها بشرة كاي، فتح عينيه على مصراعيهما وحدق في الممرضة بعيون متوحشة.
لم يتكلم للحظة، لكن الممرضة شعرت بحرارة شديدة تتبخر من عيني كاي وجلده، مما دفعها إلى سحب ذراعها بسرعة من ذراعه، ووضعها على المقعد، والابتعاد عنه قليلاً، لمنع نفسها من التعرض لأي تصرف غير متوقع من الطفل.
لكن ما إن ابتعدت حتى اقترب كاي منها وعانقها وهو يبكي. أثار بكاء الصبي شفقة الممرضة، فاحتضنته وهدأت من روعه.
قال كاي بصوت متقطع ومرتجف من شدة البكاء: "أنا... أنا... أنا قتلتها".
رفعت الممرضة عينيها قليلاً، لكنها لم تتركه أبداً، وكل ما استطاعت فعله هو تهدئته بكلمات لطيفة والتظاهر بعدم سماع ما كان كاي يقوله....
مع سطوع شمس الصباح أخيراً على الثكنات، مانحة الأرض الساكنة والجو النور والحياة، خرج الجنود من مساكنهم، يسيرون ثم يقومون بدوريات على طول الأسوار، داخل الثكنات وفي المدينة نفسها.
في تلك اللحظة كانت النساء الأربع الممتلئات أنفسهن، اللواتي اعتدن التجمع حول جدران الثكنات، يتجولن في الجوار، يتبادلن الأحاديث ويشِرن بأصابعهن إلى المستشفى الذي لا تزال أشرطة الطوارئ ملفوفة حوله. ولكن ما إن لاحظن بعض الجنود يقتربون منهن وينظرون إليهن حتى تظاهرن بحك شعرهن الطويل وابتسمن.