الفصل 138: الفصل 93 طفرة_3
حتى في مواجهة الغِيلان الخضراء التي رَبَّتْهم منذ نعومة أظفارهم كانت تُمزِّقُ حناجرَها وتُحوِّلُها إلى وجبةٍ دَسِمَةٍ عند أدنى بادرةِ سخطٍ ، تدفعها إلى ذلك غريزةُ الصيد الفطرية. فطباعُها متقلبةٌ للغاية ، ومِنَ الحَقِّ أن تُوصَفَ بأنها "ناكِرَةٌ للجميلِ ". فقط أولئك الدرويديون الذين يُجلّون الطبيعةَ ويُخالطون الوحوشَ ، يستطيعون أن يُقيموا معها تعايشاً وِفاقياً بفضلِ مهاراتهم الحِرفيةِ المتفردةِ.
وإن احتفظ شيا نان بهذين الذئبين المَطِيَّين بجانبه ، فربما لن يغمض له جفنٌ امس. فلا أحدَ يدري إن كانت إحداها قد تضمرُ له حِقداً لمجردِ نقصِ عظمةٍ واحدةٍ في وجبةِ عشاءِها عن اليومِ السابقِ ، ثم تُقدِمُ على نهشِه حتى الموتِ وهو غارقٌ في نومه.
بِهَزَّةِ كتفٍ ، أزاحَ شيا نان الأمرَ عن باله ، ولم يُعد يُعيرُه اهتماماً. واتجهَ ليجمعَ غنائمَ الكهفِ. خلفه كان البربري يقفُ ثابتاً كعادته ، يستدعي روحَ الذئب ، ويستكشفُ شيئاً ما.
في السابق كان يستغربُ السببَ الذي جعله يختارُ الغِيلانَ الخضراءَ بالذاتِ ، وكأن بينه وبينها ثأراً قديماً ، رغمَ أن غابة الضبابِ شاسعةٌ وتزخرُ بعددٍ لا يُحصى من الشياطينِ الملائمةِ للنزالاتِ الحقيقيةِ. خلال الأيامِ القليلةِ الماضيةِ تمكّنَ من استشرافِ السببِ نوعاً ما.
——ما كان يَتْبَعُه الآخرُ لا بُدَّ أن يكونَ ذا صلةٍ بالغيلان. وبمجردِ قَبولهِ المؤقتِ لمهمةِ تعليمِ مهاراتِ القتالِ ، جعلَ شيا نان يُنمِّي مهاراتِه على مختلفِ أنواعِ الغِيلانِ في أوكارِها. و بعد انتهاءِ المعركةِ كان يتركُ له نصفَ ساعةٍ كاملةً لجمعِ الغنائمِ. وعندَ مصادفتهِ لأفرادِ النخبةِ ، مثل غيلانِ الدببةِ كان حتى يساعدُه في تجميدِ أجزائِها لاستبدالها بمكافآتٍ.
"إنه شخصٌ كريمٌ حقاً. "
أثنى شيا نان في خَلَدِه. و كما خمّنَ أن الآخرَ ربما كان يعملُ في هذا المجالِ في صباه ، وكان يُدركُ تماماً مدى صعوبةِ كسبِ المالِ للمغامرينَ ذوي المستوي اتِ المنخفضةِ أمثاله. و على الرغمِ من أنه كان يعيشُ حياةً كريمةً نوعاً ما ، وكان بإمكانهِ الحفاظُ على جودةٍ معينةٍ من العيشِ بمدخراتِه حتى لو لم يجنِ قرشاً واحداً لمدةِ عشرةِ أو خمسةَ عشرَ يوماً ، بينما كان يركزُ كلياً على تعلمِ مهاراتِ القتالِ. لكن ما دامَ الطرفُ الآخرُ قد أبدى حسنَ نيةٍ ، فلم يكن هناكَ من سببٍ يجعلهُ يرفضُ ذلك.
بعدَ مضيِّ عشرينَ دقيقةً.
وقفَ شيا نان في مركزِ الكهفِ ، وقد عَقَدَ ذراعيهِ على صدره ، تعلو وجهَه علاماتُ العبسِ.
"كم هذا غريبٌ! "
كانت الأذنُ اليسرى لغولِ الأرضِ قد تحطمت تماماً أثناءَ المعركةِ ، ولم يَعُدْ بالإمكانِ استخدامُها لاستبدالِها بمكافأةٍ. ففي غمرةِ القتالِ الشرسِ ، وحينَ تُتاحُ فرصةٌ للقتلِ ، لا يسعُ المرءَ بطبيعةِ الحالِ أن يكونَ حذراً أكثرَ من اللازمِ. فقدانُ بضعةِ قطعٍ ذهبيةٍ من الدخلِ كانَ أمراً مقبولاً. و لكن ما أثارَ استغرابَ شيا نان حقاً ، هو أنه طوالَ عمليةِ البحثِ في الكهفِ بأكملهِ لم يَعثرْ على عملةٍ نحاسيةٍ واحدةٍ ، ولو كانت ضئيلةً. وهذا أمرٌ غيرُ مألوفٍ على الإطلاقِ. فحتى في أبسطِ الأوكارِ التي لا تحوي سوى بضعةِ غِيلانٍ خضراءَ ، يمكنكَ على الأقلِ أن تجدَ بعضَ الأحجارِ الصغيرةِ التي تُجلبُ ثمناً. وبالنظرِ إلى حجمِ الكهفِ كانَ يُفترضُ أن تكونَ الغنائمُ أكثرَ وفرةً.
في تلكِ الأثناءِ ، روحُ الذئبِ شبهُ الشفافةِ التي كانت تعودُ عادةً إلى جانبِ البربري بعدَ جولةٍ سريعةٍ لم تتوقفْ عن الحركةِ. تصرّفت وكأنها قد اكتشفت أثراً لشيءٍ ما ، فخفضتْ من سرعتها ، وبدأتْ تبحثُ بتأنٍّ شديدٍ. تبعتْ نظراتُ شيا نان روحَ الذئبِ الدائرةِ ، وهي تمسحُ جنباتِ الكهفِ مراراً وتكراراً.
فجأة توقفَ عن مسحِ الكهفِ. رأى حجراً من الركامِ ، يناهزُ نصفَ قامةِ إنسانٍ ، يسدُّ زاويةً من زوايا الكهفِ. مقارنةً بالمناطقِ المحيطةِ كانَ سطحُ هذا الحجرِ أقلَّ غباراً ، وبدتْ العديدُ من علاماتِ الاحتكاكِ واضحةً للعيانِ على الأرضِ حولهُ ، مما يُشيرُ إلى حركةٍ متكررةٍ له.
متقدماً بخطواتٍ سريعةٍ ، استخدمَ شيا نان قوتَهُ ليدفعَ الحجرَ جانباً. و على الفورِ ، لمحَ صندوقاً خشبياً صغيراً ، حالكَ السوادِ ، مغروساً في جدارِ الصخرِ. كابحاً جماحَ حماسِه ، حافظَ على حذرهِ وتراجعَ بضعَ خطواتٍ إلى الجانبِ والخلفِ. ثم استلَّ سيفَهُ الطويلَ واستخدمَ طرفَهُ لفتحِ الصندوقِ.
فتحَه بِلُطفٍ شديدٍ.
"طنينٌ خافتٌ... "
تألُّقٌ فضيٌ أبيضُ ، تخلَّلتهُ توهجاتٌ ذهبيةٌ لا يستهانُ بها ، لاحَ في مجالِ رؤيتهِ متزامناً مع الضوءِ الخافتِ.
"يا للروعة! "
ولما لم يَرَ أيةَ آلياتٍ قد انطلقت ، سارعَ شيا نان إلى الدخولِ ليلقيَ نظرةً فاحصةً. حيث مدَّ يدهُ إلى الصندوقِ الصغيرِ وقبضَ حفنةً ، مستشعراً سقوطَ العملاتِ بينَ أصابعهِ. يُخمّنُ القيمةَ في خَلَدِه.
ثلاثونَ قطعةً ذهبيةً على الأقلِ! هذا بخلافِ تلكَ العشراتِ من الأحجارِ الصغيرةِ اللامعةِ في صندوقِ المالِ ، إنهُ دخلٌ خالصٌ من العملاتِ المعدنيةِ فحسبُ.
ضمَّ الصندوقَ الخشبيَّ إلى صدرِه. ما إن استدارَ شيا نان حتى هبت رياحٌ باردةٌ تقشعرُّ لها الأبدانُ ، ممزوجةٌ بهالةٍ غريبةٍ لا تُوصَفُ ، اجتاحتْ الكهفَ فجأةً.
في العينينِ الزرقاوينِ الجليديتانِ النقيتينِ ، ظهرتْ شقوقٌ أشبهُ بالخطوطِ القرمزيةِ الداميةِ ؛ وفي الحنجرةِ تمخضَ هديرٌ خطيرٌ مكتومٌ وخانقٌ. كان فروغون ما زالُ واقفاً في مكانهِ ، وعباءةُ فروِ الوحشِ التي تداخلتْ فيها أفواهٌ لذئابٍ ، بدتْ وكأنها لهبٌ باردٌ شاحبٌ ينبثقُ من تحتِ الجليدِ ، يكتنفُ جسدهُ. أما روحُ الذئبِ ، فكانتْ راسخةً على قوائمها الأربعِ ، بجسدٍ مشدودٍ ، وأنيابها المتلألئةِ كالقضبانِ الجليديةِ كانتْ تألقُ في عواءٍ ذئبيٍّ يملؤهُ اليقظةُ.
أمامهُ كانتْ جثةُ غولِ الأرضِ التي لم يَبقَ منها سوى نصفِ رأسها. و في لحظةٍ ما كانتْ إصبعهُ المغطاةُ بالفراءِ قد اندمجتْ مع رقعةٍ من طحلبٍ فطريٍّ رطبٍ على الأرضِ. انتشرتْ خيوطٌ فطريةٌ دقيقةٌ ونمتْ. مُشكِّلةً فِطراً خفيفَ الخضرةِ يتمايلُ معَ الريحِ.
"لقد تبدّلت الخططُ. "
"فلنعدْ إلى المدينةِ. "