أثارت الأبراج المحيطة وتلك الأشجار العتيقة ذات المظهر المريب شيئاً من التردد في نفسه إلا أن "زونغ شين " لم يكن ممن يغرقون في كثرة التفكير ؛ فقد أشار بيده نحو "هوي " ثم التفت إلى "باموغو " قائلاً:
"السيد باموغو ، بكم تبيع هذا العبد ؟ "
تتبع "باموغو " نظرة "زونغ شين " وحين وقع بصره على "هوي " تهلل وجهه فرحاً. يا للسماء! لقد وجد هذا العبد الذي لم يكترث لأمره أحد ، مَن يلتفت إليه أخيراً! ولكن سرعان ما تلاشت تلك البهجة عن وجهه خشية أن يسيء إلى "زونغ شين ". وبعد تفكير ، ومن أجل توطيد الشراكة معه ، قرر "باموغو " بيع "هوي " بسعر التكلفة ، مع إطلاعه على حقيقته.
"يا سيدي ، هذا العبد يُدعى هوي ، من إمبراطورية نورد ، يبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً ، وهو في ريعان شبابه. ولكن يبدو أن هذا المسكين قد أصابه البلادة بين يدي تاجر العبيد الأول ؛ فهو الآن لا يجيد سوى الضحك البلهاء ، ولا يملك أي قدرة على العمل. هل أنت متأكد من رغبتك فيه ؟ "
كان "باموغو " داهية ، واختار الصدق ليكسب ود "زونغ شين ". أومأ "زونغ شين " برأسه ، وعلى وجهه ابتسامة باهتة تكاد لا تُرى ، وقال "حدد ثمنك ، فقد وقع اختياري عليه ". وعلى الرغم من مقتضَب قوله إلا أن "باموغو " لمس الحزم في نبرته.
"حسناً يا سيدي ، سأبيعه لك بسعر التكلفة. و لقد اشتريته بـ 350 ديناراً من عملة قارة العالم المركزية ، وإذا احتسبنا تكاليف طعامه طوال تلك الفترة ، ادفع لي 370 ديناراً فقط. "
ابتسم "زونغ شين " مُقلِّصاً عينيه ، وأومأ دون تردد "تمت الصفقة ، أطلِق سراحه ، فهو من رجالي من هذه اللحظة. ما زال عليّ اختيار بضعة أشخاص آخرين ، وسأصفي الحساب لاحقاً ".
كان في حالة مزاجية طيبة ؛ فـ 370 ديناراً بالكاد تزيد عن ثمن بقرة برية ، والحصول على موهبة من المستوى البطولي بهذا الثمن الزهيد يُعد صفقة رابحة بكل المقاييس!! و لم يجد "باموغو " أي مانع ، ورغم تعجبه ، لوح بيده بحزم لأتباعه ليفتحوا عربة السجن ويجروا "هوي " منها بخشونة. حيث كان قوام "هوي " يشبه قوام "زونغ شين " لكنه كان أكثر نحولاً جراء الترحال الطويل ونقص الطعام. لم يكترث "زونغ شين " لما يعلوه من دنس ، بل ربت على كتفه بلمسة ذات مغزى "تذكر ، اليوم هو نقطة التحول في قدرك ، فما مضى من عمرك الذي بلغ خمسة وثلاثين عاماً لا يساوي شيئاً أمام هذه اللحظة التي التفتُّ فيها إليك ".
سيكون "هوي " هذا موهبة جديدة في الإقليم ، يستعد لقيادة التوسع السكاني المرتقب. عند سماع هذه الكلمات ، تجمدت ابتسامة "هوي " البلهاء للحظة. و بعدها ، أخرج "زونغ شين " قطعة من خبز القمح الفاخر من شبكة تخزينه وناولها له. و في تلك اللحظة كانت فرقة "راكبي الذئاب " الثالثة ، المسؤولة عن دورية الإسناد ، قريبة منهما ؛ فنادى "زونغ شين " عليهم وأخرج مجموعة من الملابس العادية من صندوق الكنوز ، وطلب منهم اصطحاب "هوي " للاغتسال ، فالعِبد المنتن لا يسرُّ أحداً.
اصطحب "راكبو الذئاب " "هوي " إلى الجدول الشمالي للإقليم لغسله ، بينما واصل "زونغ شين " تجواله حول عربة السجن. وبين العبيد الإناث كانت هناك شابة تبين أنها خياطة من المستوى المتوسط ؛ تُدعى "ألانا " تبدو في أوائل العشرينيات ، لكن مهاراتها في الخياطة بلغت مستوىً متوسطاً ، وبحسب دليل الاستراتيجية ، يمكنها الارتقاء لمستوى الخياط البارع في أي وقت ؛ فهي موهبة لا تُقدَّر بثمن.
إلى جانب مهارة الخياطة ، أتقنت "ألانا " أساسيات تقنية طاقة السحر وتقنية الرونية الأساسية. ورغم أنها لم تكن من المستوى البطولي إلا أن سمة "الجاذبية " لديها بلغت 30 نقطة ، وهو أمر غير مألوف. ومع ذلك كانت "ألانا " شديدة القبح ؛ بأنفٍ أفطس ، وشفتين غليظتين ، وعينين صغيرتين ، ووجهٍ غطاه النمش والوسخ ، وهي منكمشة في ركنها لا تتحرك. وحين وقف "زونغ شين " محدقاً بها ، لاحظ أنها ترتجف قليلاً.
"يا باموغو ، أريد هذه العبدة أيضاً. "
ابتسم "زونغ شين " لـ "ألانا " القبيحة ، واجداً لذة غريبة في شراء العبيد ، كأنها مغامرة للبحث عن الكنوز ؛ فباستغلال وحدة الدليل كان بوسعه استخراج مواهب دفينة. وإذا أمكن كان "زونغ شين " يعتزم تجربة حظه في سوق العبيد بمدينة "لينتاتس " العملاقة.
في هذه المرة ، بدا على "باموغو " تعبير غريب ، ونظر إلى "زونغ شين " بنظرة غير طبيعية ؛ فغالباً ما يضع الناس المظهر في أولوية اختياراتهم عند شراء العبيد ، لكن هذه الفتاة كانت تمتلك مهاراتٍ بالفعل.
"احم.. احم.. يا سيدي ، هذه العبدة تُدعى ألانا ، وتتمتع بمهارات خياطة جيدة. ورغم دمامة وجهها ، فهي بالفعل موهبة نادرة. وسعرها أعلى من سعر هوي ، إذ يتطلب 1,000 دينار من عملة قارة العالم المركزية. "
كان "باموغو " قد أعدَّ عدته بخصوص عبيده ، فبمعرفته بموهبة "ألانا " رفع إصبعه مطالباً بسعر ليس بالرخيص. بدا "زونغ شين " سخياً ، فأومأ دون أن يقطب جبينه "أنزلوها ".
عند سماع ذلك أمر "باموغو " رجاله بإخراج "ألانا " من العربة. قِيدت إلى جانب "زونغ شين " ولم تكن قبيحة فحسب ، بل كانت تنبعث منها رائحة نتنة. قطب "زونغ شين " حاجبيه قليلاً ونادى "لونا " "لونا ، خذي هذه الفتاة للاستحمام. و في غرف فناء اللورد الخالية يوجد حوض خشبي كبير ، اجلبي ماءً ساخناً من النبع بحوض صغير ، واذهبي أيضاً لتستعيري مجموعة من الملابس من ماري. "
بعد أن تحدث ، أخذ "زونغ شين " المفتاح من "باموغو " وفك أصفاد "ألانا ". ترجلت عدة صيادات عن النمر الأسود ، وسرن لمرافقة "ألانا " إلى فناء اللورد.
الآن لم يتبقَّ بين العبيد سوى فرد واحد يوافق معايير "زونغ شين " لكن هذا الفرد كان مميزاً ويحمل مهمة بحد ذاته. إنه صبي في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره ، شعره أشعث كعش الطائر ، وعيناه صافيتان براقتان ، وبشرة وجهه مائلة للسمرة. و من حيث المظهر كان الأكثر اعتياداً بين الثلاثة الذين اختارهم "زونغ شين ".
يدعى "كيت " من الساحل الشرقي لمملكة "أفالون " وتحديداً من قرية "مونار " التابعة لمدينة "غلوناس " العملاقة ؛ وهو ابن زعيم القرية الحالي. تسيطر عائلته على جميع قوارب الصيد القادرة على الإبحار في القرية. حيث كانت "مونار " قرية كبيرة تضم أكثر من عشرة آلاف نسمة ، تكاد تضاهي مدينة صغيرة ، وكانت من القرى القليلة الأقرب للبحر على الساحل الشرقي بأكمله. البحر مليء بالمخاطر ، ليس فقط بسبب الطقس القاسي ، بل بوحوش البحر المرعبة وقطاع الطرق القساة ، لذا لم تكن كل القرى ترغب في السكن قرب البحر.
وحدُهم أهل "مونار " امتلكوا أسراراً سمحت لهم بالبقاء على قيد الحياة قرب البحر ، وكانت قواربهم تنجو دائماً من المخاطر وتعود بصيد وفير ؛ حيث كان التجار والملكيون يسارعون لخطف صيدهم فور وصوله إلى الشاطئ ، ليُجمَّد بأحجار الصقيع ويُنقل عبر وحوش "الغريفين " إلى المدن العملاقة والعاصمة الإمبراطورية ، ليصبح في النهاية وجبة شهية على موائد النبلاء والأسرة الحاكمة.
كانت المهمة المتعلقة بـ "كيت " بسيطة ؛ إذ أشارت التلميحات إلى أن إعادته إلى قرية "مونار " ستكسبه صداقة القرية وأهلها ، مما سيساعد بشكل كبير في الاستكشاف المستقبلي للبحر الشرقي. لذا قرر "زونغ شين " الاحتفاظ به أيضاً ؛ وفي أسوأ الأحوال ، يمكنه العمل مع "سان بانغ " ورفاقه ، فإقليمه الآن يخشى قلة الأفراد لا كثرتهم. أما البقية ، فلم يكترث لهم "زونغ شين " ؛ فإما أنهم فارون من قوى صغيرة أو قرويون سيئو الحظ بلا قيمة إضافية ، ولا يستحقون الشراء.
"سآخذ هذا الصبي أيضاً. حسناً ، سأشتري هؤلاء الثلاثة. "
أومأ "باموغو " وهو ينظر إلى "كيت " "هذا الصبي كيت ، يتقن صفات الماء ، وهو بصحة جيدة جداً ، ويتطلب 700 دينار من عملة قارة العالم المركزية. إذن ، المجموع للأشخاص الثلاثة هو 2070 ديناراً ".
سحب رجاله "كيت " من عربة السجن ، وفور سماع السعر ، سلم "زونغ شين " المال لـ "باموغو " مباشرة! لقد ظفر بصفقة العمر!