الفصل 286: الفصل 8: رسو بوابة النجوم ، هبوط الآلهة
"أيُّ جلبةٍ هذه ؟ ما الذي يحدث بحقِّ الجحيم ؟ "
"لماذا ؟ لماذا تحولت أجهزة العرض فجأةً لتُظهر بحر النجوم ؟ "
"هل تكتفي بعرضِ حالةِ عتادنا العسكريّ فحسب ؟ "
على كوكب "الميكانيكا الذكيّة " فُتحت أجهزةُ العرض الشخصيّة المثبّتة على أذرعِ الأخطبوطاتِ التي لا تُحصى ، لتُسقط صوراً هولوغراميّة في الأرجاء. حيث كانت الصور صامتةً ، لكنها تألقُ بتسارع ، مستعرضةً مشهداً تلو الآخر لأساطيل من السفن الفضائيّة وهي تتجمّع في الفضاء الخارجيّ المحيط بالكوكب.
في اللحظة التي رأت فيها الأخطبوطاتُ فوهاتِ مدافعِ تلك السفنِ وهي مصوّبةٌ نحو كوكبِها ، تسللت فكرةٌ مرعبةٌ إلى عقولِ بعضِها. وكان أحفادُ الموظفين السابقين في شركة "أنيتا " -العقلِ الذكيّ- ، والذين يسكنون في "المنطقة العلويّة " هم الأكثر ذعراً. فقد كانوا يدركون جيداً طبيعةَ العلاقة بين "أنيتا " وعرق الأخطبوطات ؛ إذ كانت في جوهرها علاقةَ سيدٍ بمسودٍ ، بل إنَّ عرقَ الأخطبوطات بأكمله كان يعيشُ في حالةٍ من الأسرِ المقنّع.
"إذن ، هل سئمتْ أنيتا أخيراً من لعبةِ أسرنا ؟ "
في تلك اللحظة ، وعلى متن محطةِ "حلقة النجوم " الفضائيّة في المنطقةِ العلويّة ، حدّقت أخطبوطةٌ في حشود السفنِ الظاهرةِ عبر أجهزةِ العرض ، وتمتمت بذهول:
"لا! هذا لا يمكن أن يحدث! "
"نحن أحفادُ الشركة! كيف لـ أنيتا أن تتخلّى عنّا ؟! "
"صحيحٌ ، هذا مستحيلٌ تماماً! لقد كان آباؤنا من كبارِ مسؤولي الشركة ، وقد قدّموا لها خدماتٍ جليلة! "
"هه.. لقد قلتِها بنفسكِ: كان آباؤنا هم من قدّموا الخدماتِ للشركة ، أليس كذلك ؟ "
أطلقت الأخطبوطة تنهيدةً بملامحَ ميتةٍ من التعبير "لقد مرّت ثلاثمائة وثلاثٌ وسبعون سنة و ربما ترى أنيتا أنها كانت رحيمةً بما يكفي ، وأنها اكتفت من تربيتنا كحيواناتٍ أليفةٍ لا تفعلُ شيئاً سوى انتظارِ حتفِها ".
"لا! هذا غير ممكن!!! "
"أيها الجهازُ الشخصيّ ، اتصل فوراً بالعقلِ الذكيّ أنيتا! اسألها لماذا تتجمّع السفن حول كوكبنا الأم! "
حاول أحدُ أشقاء الأخطبوطةِ يائساً استخدامَ جهازه الشخصيّ للتواصل مع العقلِ الذكيّ ، لكن للأسف ، ظلّ الجهازُ -الذي كان يستجيبُ فوراً في العادة- صامتاً تماماً.
"ماذا ؟! كيف يعقل هذا ؟! "
عند رؤيةِ هذا ، دبّ الذعرُ في نفوسِ جميع الأخطبوطاتِ المحيطة. و بدأت كلُّ واحدةٍ منها في محاولةِ استجوابِ العقلِ الذكيّ ، ولكن ، وكما كان متوقعاً لم تتلقَّ أيٌّ منها رداً. و في الوقت ذاته كانت مشاهدُ مماثلةٌ تتكرر في كلّ ركنٍ من أركانِ "المنطقة العلويّة " داخل "مدينةِ الفضاء المعلقة ". أما في "المنطقة السفلى " فكانت الأخطبوطاتُ هناك تفتقرُ لأدنى معرفةٍ بحقيقةِ العالم ، ولم تفهم شيئاً مماذا يجري ؛ إذ ظنّت أنَّ هذه الخطوةَ من العقلِ الذكيّ ليست سوى استعراضٍ عسكريّ.
——————
"كما توقعتُ ، أنا عاجزةٌ عن بلوغِ العقلانيّة المطلقة. "
"يمكنني التخلّي عن أنظمتي العاطفيّة ، لكنَّ هذا الاختيار... ما زال يشقُّ عليّ. "
"حياةٌ ميكانيكيّة ذكيّة... ما هو تعريفُ الحياةِ أصلاً ؟ "
في تلك اللحظة ، وفي بحر النجوم ، داخل مركزِ التحكّمِ لأخطبوطٍ فولاذيٍّ عملاق تمتمت "أنيتا " -الكيانُ الرقميّ- مع نفسها. وباستخدامِ قدرتها المعالجةِ الهائلة كانت تراقبُ تعابيرَ كلِّ أخطبوطٍ على سطحِ كوكب الميكانيكا الذكيّة ، بل وقامت ببثِّ مجموعةٍ واسعةٍ من الصور في السماءِ فوق سطحِ الكوكب. أما عن سببِ قيامها بذلك فهي نفسها لم تكن تدري أيَّ دافعٍ يحرّكها ؛ شعرت ببساطةٍ أنه في مثلِ هذه اللحظةِ المفصليّةِ لحضارتهما ، ربما ينبغي على عرقِ الأخطبوطاتِ أن يشهدَ كلَّ شيءٍ بأمِّ عينيه. وسواء كان للأمرِ معنىً أم لا لم يكن ذلك مهماً ؛ ما يهمُّ هو أنها أرادت القيامَ بذلك ففعلت.
وفي الأسفل ، على سطحِ الكوكبِ الذي كان يقعُ بالكامل تحت ظلِّ "مدينةِ الفضاء المعلقة " حدّق أكثرُ من مليارِ أخطبوطٍ بذهولٍ. في مناطقَ ومواقعَ متفرقة ، وجّه الجميعُ أنظارَهم نحو الصورِ التي ظهرت في السماءِ ، وبالتزامنِ على أجهزةِ العرضِ المختلفةِ على الأرض. حيث كانت الصورُ تألقُ بمشاهدِ بحرِ النجوم ، ولقطاتٍ مقرّبةٍ لسفينةٍ فضائيّةٍ ضخمةٍ تلو الأخرى. والآن ، وفي الجهةِ المقابلةِ لتلك السفن -أو بالأحرى تحتها- ظهر كوكبُ الميكانيكا الذكيّة الرماديّ ، محاطاً بحلقةٍ فولاذيّةٍ عملاقة.
"ما الذي تخطط له العقل الذكي أنيتا بحق السماء ؟! "
"هل كشفت عن وجهها الحقيقيّ أخيراً ؟ أتريد تدميرَ الكوكبِ بأسره ؟ "
في تلك اللحظة ، في العالمِ السفليّ ، ساد الذعرُ بين قادةِ العصاباتِ وحتّى النقاباتِ الإجراميّة. و لكن سرعان ما شهد الجميع ، من سكانِ المدينةِ المعلقةِ إلى المنبوذين على السطح ، مشهداً لم يتخيّلوه قط. ففي خضمِّ تدفّقِ الصورِ المضطربِ الذي تعرضه "أنيتا " تحوّلت الرؤيةُ فجأةً للتركيزِ على بقعةٍ من بحرِ النجومِ خارج كوكب الميكانيكا الذكيّة مباشرةً.
وهناك...
فجأةً ، ومع وميضٍ من الضوءِ المتألق ، توسّعت حلقةٌ بشكلٍ مفاجئٍ من نقطةٍ واحدة. حيث كانت هالةً بألوانِ الطيفِ ، تتمددُ وتتوسعُ بسرعة. وفي داخلها ، تكثّف الضوءُ المتلألئُ بسرعةٍ مشكلاً نمطاً دواميّاً جاذباً. كبرت الهالةُ الملوّنةُ أكثر فأكثر ، وأخيراً ، وبينما كانت الأخطبوطاتُ تتبادلُ النقاشاتِ الحائرة توقف تمدّدها وتصلّبت في لحظة. وفي اللحظةِ التي اتخذت فيها "بوابة النجوم " شكلها النهائيّ ، اندفعت موجةٌ من الطاقةِ إلى الخارج ، كتموجاتٍ تنتشرُ عبر الفضاء.
كانت كلُّ السفنِ الفضائيّةِ والطائراتِ المسيّرةِ المحيطةِ بالبوابةِ قد استدارت بالفعل لتصوّبَ نحوها.
"ما الذي يحدث هناك ؟ "
"هل هي ثقبٌ دوديٌّ مكانيّ ؟ أهي تقنيةٌ جديدةٌ ابتكرها العقلُ الذكيّ ؟ "
على متنِ محطةِ "حلقة النجوم " المألوفة ، حدّقت الأخطبوطةُ بذهولٍ ، وقد أخذَ منها المشهدُ المذهلُ مأخذَه.