Switch Mode

الانهيار العالمي 786

انظر إنه التحديث الثالث!+


«يا وسيم ، هل أنت غريبٌ عن هذا المكان ؟»

وقف الاثنان من قاطني الطبقة الدنيا ذوو المظاهر الرثة ، وتمايلا في مشيتهما وهما يقتربان من «غو ميان» ، قاطعين عليه الطريق. راحا يتفرسان فيه من أخمص قدميه حتى مفرق رأسه بنظراتٍ مريبة ، وقد بدا عليهما أنهما قد أيقنا أن الشخص الواقف أمامهما لا يشكل أي تهديدٍ يُذكر. حيث مدَّ ذاك الذي كان أطول قامةً منهما يده نحو «غو ميان» قائلاً: «أعطنا ما معك».

كان المراد واضحاً جلياً ؛ فقد أرادا سلبه. وتحدثا بنبرة لا تقبل الجدل ، وعيناهما القاتمتان كأنصاف الليالي شاخصتان في «غو ميان» بنبرة تهديدٍ مبطنة: «إن لم تُعطِنا ، فقد حُتِم عليك الهلاك».

في تلك اللحظة ، بدأت حشودٌ متفرقة بالتجمع من حولهما ؛ فقبل لحظاتٍ فحسب لم يكن في هذا الزقاق أثرٌ لحيٍّ يُرزق. ولعلهم ظنوا أنهم قد عثروا على فريسةٍ سهلة ، أو ربما رأوا غيرهم يبادر بالهجوم ، فخرج الطامعون في نصيبٍ من الغنيمة من عتمة الظلال ، يراقبون «غو ميان» بصمتٍ من خلف جدران الأبنية. ومن وراء الأبواب ، وعند الزوايا ، وبجانب أكوام القمامة كانت هناك عيونٌ تترقب.

حتى ذلك الصبي الذي سلب «غو ميان» خبزه الجاف قبل قليل ظهر من الظلام ، واقفاً على مقربةٍ منه يحدق فيه بتركيز ، وما زالت بقايا الفتات عالقةً بفمه ، متلهفاً لاختيار ضحيته التالية.

نظر «غو ميان» إلى اليد الممدودة نحوه ؛ كانت يداً خشنة مليئة بالندوب التي تتقاطع في راحة الكف تاركةً علاماتٍ غائرة ، وقد غطاها دنسٌ أسود بدا وكأنه نُقش في ثنايا الجلد. حيث كان الرجل الذي أمامه ينتظر أن يجود «غو ميان» بشيء ، وكان من خلفه ينتظرون أيضاً ، والكل في هذا المكان يترقب.

كان الموقف شبيهاً بظبيٍ ضلَّ طريقه إلى قطيعٍ من الذئاب ؛ فإن أظهر أدنى ذرةٍ من الخوف وأُصيب بجرحٍ يسيل دمه ، لثارت ثائرة الذئاب الأخرى وانقضت عليه ، ولم تترك منه سوى هيكلٍ عظميٍ مهشم. بيد أن «غو ميان» لم يكن ظبياً ، وربما لم يكونوا هم بالقطيع الذي يظنون.

رفع «غو ميان» رأسه ، وابتسم للرجل الواقف أمامه بكياسة ، ثم رفع يده ليقبض على تلك اليد الممدودة ويلويها للأعلى بقوة. وقبل أن يستوعب الرجل ما حدث ، سُمع صوتُ «طقطقةٍ» عظام. ثم أحسَّ الرجل بأن يده التي مدها لم تعد طوع أمره ؛ نظر إليها بحيرة ، ليرى معصمه يتدلى بزاويةٍ غريبة ، في حين داهم ألمٌ مبرحٌ عقله.

وقبل أن يرتفع صراخه ، رأى ذلك الرجل المبتسم أمامه يمتد ليقبض على يده الأخرى ، وقبل أن يتمكن من سحبها ، جاء صوتُ «طقطقةٍ» ثانٍ ، وتدلت يده الأخرى كذلك. أما الألم المضاعف فقد جعل صيحته مدويةً بشكلٍ استثنائي.

شعر «غو ميان» ببعض الرضا وهو يرى الزقاق يعود إلى خلوه السابق ، حيث تفرق قاطنو الطبقة الدنيا الذين شهدوا الواقعة على عجل ، خشية أن يكونوا هم الضحية التالية. أما الرجل الذي كُسرت يداه فقد تعثر هارباً بعد صرخاتٍ قليلة ، دون أن يجرؤ حتى على التلفظ بتهديدٍ أجوف كقوله «ستندم على فعلتك».

فلا قانون يسود هنا ، والضعيف يُستضعف ، ومن أُصيب صار في أسفل السلسلة الغذائية ؛ فبمجرد التعرض للأذى ، يصبح الفوز في صراع البقاء على الغذاء أمراً عسيراً ، ليدفع ذلك المرء في نهاية المطاف نحو حتفه. لم يرغب أحدٌ في أن يطاله الأذى ، ولم يرد أحدٌ إغضاب من يملك القدرة على إلحاق الضرر به. صار الزقاق أكثر وحشة حتى إن أولئك الذين كانوا يفترشون الأرض بالأغطية قد اختفوا هم وأغطيتهم ؛ فكما يبدو لم ينسوا اصطحاب ممتلكاتهم وهم يلوذون بالفرار.

ظن «غو ميان» في بادئ الأمر أن أهل «الفئة العليا» هنا مجانين ، لكنه لم يتوقع أن يكون قاطنو الطبقة الدنيا على الشاكلة ذاتها ؛ حقاً ، إنهم «مثلُ الطيور على أشكالها تقع». رفع قدمه وواصل المسير.

في المرتين اللتين دخلهما إلى «عالم السماء» ، مرةً للعبة «المذبح» وأخرى لـ «السيرك» كان يُنقل مباشرةً إلى وجهته ؛ لذا كانت هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها حيث يعيش أبناء الطبقة الدنيا. حيث كانت الأرض هنا بالغة القذارة ، إذ تخلو المنطقة السكنية للطبقة الدنيا من أي نظامٍ لتصريف المياه ؛ فمياه المجاري والنفايات تملأ الأرجاء ، تضطر لتخطيها كل بضع خطوات.

كما أن الأبنية على الجانبين بدت متناغمةً مع أجواء هذا المكان ؛ منازلُ رُكبت من مواد رديئة ، حيث لا تتوفر مواد بناءٍ لائقة ، فكان يُستخدم كل ما يقع تحت أيديهم في التشييد ، مما أدى في الغالب إلى بناء طوابق المبنى الواحد بموادَّ متباينة. و على سبيل المثال ، المبنى المجاور لـ «غو ميان» كان طابقه الأرضي مبنياً بالطوب ، ويبدو أن الطوب قد نفد في منتصفه ، فأكملوا النصف الآخر بالحجارة ؛ وإذا نظرت للأعلى أكثر ، ستجد أن الحجارة نفدت أيضاً ، فاستخدموا الطين المخلوط بالرمل ؛ بينما الطابق الثالث كان من القش ، والرابع عبارة عن بضع ألواح خشبية متناثرة. آه ، بل إن الطابق الرابع لم يكتمل بناؤه بعد.

كانت معظم المنازل هنا شاهقة ، لا يكاد يقلُّ أيٌّ منها عن أربعة طوابق. و هذا التنوع العشوائي في مواد البناء جعل المنطقة تبدو كمكبٍّ للنفايات ، حاول «غو ميان» جاهداً البحث عن لافتةٍ للطريق داخل هذه المزبلة ليحدد موقعه ، لكنه سرعان ما استسلم. فالمنطقة السكنية للطبقة الدنيا لا تحوي على الأرجح أشياء كمالية كلوحات الشوارع.

ولكن ، كيف تمكن «تشو تشانغ-غي» الذي أُرسل أيضاً إلى منطقة الطبقة الدنيا من تحديد موقعه بأنه «زقاق رأس الجرذ» ؟ لم يلبث «غو ميان» أن عرف الإجابة. فلم يكن الزقاق طويلاً ، وبعد بضع دقائق من السير وصل إلى نهايته. وفي آخره كان ثمة منزلٌ مبنيٌ من الرمل والطين ، رُسم على جداره باللون الأزرق عبارة: «شارع ذيل السرعوف».

هل يُعقل أن جميع مناطق الطبقة الدنيا سُميت تيمناً بالحشرات ؟ رأى «غو ميان» تحت عبارة «السرعوف» اثنتين من ملصقات المطلوبين الخاصة به ، فتقدم ونزعهما ، لكن لم تظهر أي لوحة لعناصر خاصة بعد إزالتهما ؛ ويبدو أن أول ملصق مطلوبين يتم جمعه هو فقط الذي يمكن استخدامه كعنصرٍ خاص. تخلص «غو ميان» من ملصقي المطلوبين اللذين ظهرا فيه بصورةٍ قبيحة ، وبينما كان يهمُّ بالتحدث في المجموعة ، لمح صفاً من الفيلات المكونة من طابقين في الأفق.

كان قد وصل إلى نهاية «شارع ذيل السرعوف» ، وخلفه كانت مساحةٌ شاسعةٌ مفتوحة. مساحةٌ بهذا الحجم ، ومع ذلك لم يقم قاطنو الطبقة الدنيا الذين يعشقون البناء العشوائي بتشييد منازلهم فيها ؛ كان الأمر حقاً مثيراً للريبة. وبالنظر إلى ما بعد الأرض الفضاء كان يقع في الجهة المقابلة ذاك الصف من الفيلات.

استطاع «غو ميان» أن يلمح بوضوحٍ بعض الأشخاص الشاحبين يتجولون تحت الفيلات ؛ كان من الواضح أن هذا الجانب هو حيث يقطن أهل «الفئة العليا». ويفصل بين الفيلات وهذا الجانب جدارٌ منخفض. قدّر «غو ميان» أن الجدار لا يتعدى ارتفاعه مستوى الخصر ، ويمكن تسلقه بسهولة ، ولو أراد قاطنو الطبقة الدنيا عبوره لفعلوا دون عناء.

أمعن «غو ميان» النظر من حوله مرةً أخرى ؛ لم يكن هناك قناصة أو ما شابه ، فلا داعي للخوف من التعرض لنار عند التسلل. ومع ذلك لم يقترب أيٌ من قاطني الطبقة الدنيا من تلك الناحية ؛ ليتهم وجهوا طاقتهم التي استهلكوها في محاولة سلبه ، واستغلوها في سلب أهل «الفئة العليا» بدلاً منه!

لم يخطط «غو ميان» للتسلل إلى منطقة «الفئة العليا» على الفور ؛ فلو ضُبط وهو يتسلل ، فمن المرجح أن يُطارد بالرشاشات ، وقد يضحي بنفسه «بطولةً» قبل أن يتمكن حتى من إنقاذ «لو يي». من الأفضل تجميع الجميع أولاً.

فتح «غو ميان» محادثة المجموعة. حيث كان «007» و«تشو تشانغ-غي» يتبادلان الحديث هناك منذ فترة ، فألقى نظرةً سريعة على سجل المحادثة السابق. و في جوهر الأمر كان لدى «007» خريطةٌ للمدينة في «مدينة الألعاب» الخاصة بها ، وقد حددت موقع «تشو تشانغ-غي» في «زقاق رأس الجرذ» على الخريطة ، مشيرةً إلى أن الزقاق يقع شمال «مدينة الألعاب» مباشرة ، وليس ببعيدٍ عنها. و كما تضمنت محادثتهم بعض تعليقات «الدهني» غير المجدية الذي كان ما زال يتلفت سائلاً: «لماذا لا يتحدث الطبيب ؟».

بدأ «غو ميان» بالكتابة في المجموعة:

[غو ميان]: أنا في «شارع ذيل السرعوف». 007 ، هل يمكنك التحقق من خريطة المدينة لمعرفة موقعي التقريبي ومدى بعدي عنكما ؟

بالتأكيد لا توجد أي خريطة في منطقة الطبقة الدنيا ليتحقق منها ، ولم يكن بوسعه سوى الاعتماد على «007» للمساعدة في تحديد موقعه. فكّر للحظة ، ثم أضاف جملتين أخريين:

[غو ميان]: بالمناسبة ، إذا رأيتما ملصق المطلوبين الخاص بي ، فانزعا واحداً ، فهو يُعد عنصراً خاصاً ؛ وهل يمكنكما رؤية مدينةٍ مقلوبة في السماء من حيث تقفان ؟



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط