الفصل 539: الجنة_1 (تتمة للفصل 508)
قال السيد (غرين) بنبرة يكتنفها الزهو: "إن وضعي الحالي يقع خارج نطاق العالم الغابر".
نقر (غو ميان) بإصبعه على رأس الحصان الخشبي عدداً من المرات؛ فمن المؤكد أن العالم الغابر يملك تأثيراً طاغياً على النسخ والمراحل الكامنة في جوفه. لكن السيد (غرين) ذكر سابقاً أن بعض النسخ التي خاضها (غو ميان) قد تلاشت وتحطمت جراء انهيار العالم الغابر.
قبل أن يلج عالم "التحول"، وبعد أن أدرك كنه العالم الغابر، استنتج (غو ميان) أن أياً من النسخ التي دخلها مسبقاً لم تكن تنتمي إلى ذلك العالم أصلاً؛ ومع ذلك، فقد تحطمت تلك النسخ بانهياره، وهو أمر يثير الحيرة حقاً.
عدّل (غو ميان) جلسته متكئاً على الحصان الخشبي وتساءل: "هل يمكن لانهيار عالم ما أن يمتد أثره ليطال لحظة زمنية في عالم آخر؟"
رمق السيد (غرين) (غو ميان) بنظرة مشوبة بالتردد، ولم ينبس ببنت شفة إلا بعد هنيهة من الصمت، قائلاً: "إذن، لم تدرك فحسب أن هذه النسخ تنبثق من عوالم شتى، بل استطعت أيضاً تصنيفها وتحديد أي عالم تنتمي إليه كل نسخة".
أوضح السيد (غرين) هذا الأمر بجلادٍ ودون أدنى نية لمراوغة (غو ميان).
نظر (غو ميان) إليه بتمعن واستطرد: "إذن، يا سيد (غرين هات)، لِمَ يؤثر انهيار العالم الغابر على أحداثٍ تجري في عوالم أخرى؟"
انتفض السيد (غرين) غضباً، ولوّح بيديه في الهواء صائحاً: "اسمي السيد (غرين)، ولستُ السيد (غرين هات)!"
ولكن سرعان ما خمدت ثورته، فنكس رأسه بشعور من اليأس المطبق، وتمتم بصوت خفيض: "منذ أمد بعيد، كان الآخرون ينادونني بتبجيل: 'المضيف الأخضر'..."
كرر (غو ميان) سؤاله بجلد: "إذن، تفضل وأخبرني يا مضيف (غرين)..."
أومضت عينا السيد (غرين) الخافتتان، وانتفخ صدره بزهوٍ كدجاجة وضعت بيضتها للتو، وقال: "حتى وإن لم أنبئك، فستدرك الحقيقة في نهاية المطاف". ثم صمت لحظة وأردف بيقين: "ستكتشف ذلك حتماً في يوم من الأيام".
لكن (غو ميان) لم يطق صبراً؛ إذ أراد المعرفة في تلك اللحظة. وبهذه الفكرة، ترجل عن حصانه عازماً على الإمساك بالسيد (غرين). فجأة، وثب السيد (غرين) إلى الخلف كأنه كان يتوقع ذلك، واختفى بين الشجيرات، ولم يبدُ منه سوى النصف العلوي من وجهه وهو يرتجف رعباً، وهتف: "إن حاولتَ الإمساك بي، فسأفر هارباً!"
لو شهد أي من اللاعبين الذين خاضوا تجربة "تخمين الكلمات المجنونة" هذا الموقف، لاستبد بهم الذهول من تحول هذا المضيف غريب الأطوار، الذي كان يهوى إثارة القلاقل، إلى جبان رعديد بهذا الشكل.
بيد أن احتمال مرور أي لاعب آخر من هنا كان ضئيلاً جداً؛ فقد تسبب الشتاء القارس الذي اجتاح المنطقة قبل أشهر في هلاك زهاء نصف اللاعبين تجمداً، ثم أعقبه وباء فتاك. وكان الضرر الذي لحق بالفقراء أشد وطأة، فلم يجدوا قوتاً يسد رمقهم، فضلاً عن افتقارهم للدواء.
وعلى الرغم من انحسار الوباء حالياً، إلا أن التعداد السكاني للأرض قد تقلص بأكثر من النصف، وهذا بفرض أن الموت في تلك "اللحظة" لم يكن حقيقياً.
حين رأى السيد (غرين) أن (غو ميان) قد كف عن ملاحقته، استجمع شجاعته وأظهر رأسه كاملاً وقال: "لقد نجا العالم الغابر بأعجوبة هذه المرة، وهذا سيؤثر على اللعبة قاطبة. سترون كيف ستشهد الأحداث تغييرات جذرية لا محالة في غضون خمسة عشر يوماً".
تساءل (غو ميان) في نفسه: "هل لنسخة العالم الغابر كل هذه الأهمية؟". فإذا كانت اللعبة العالمية مزيجاً من عوالم متعددة، فإن انهيار أحدها سيترك أثراً بالغاً بلا شك، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى تعطيل كافة النسخ حول العالم.
وبينما كان (غو ميان) غارقاً في أفكاره، أتمت الأفعوانية دورتين وتوقفت في محطتها.
كانت (شياو هونغ) متمسكة بكلبها ذي الشعر الأخضر، وشعرها يتطاير في كل اتجاه، وقد انسدلت بعض خصلاته على كتف أخيها. وبدا وجهها الذي يفتقر للجمال أكثر شحوباً وبشاعة بعد تلك الرحلة الصاخبة.
لمح السيد (غرين) (شياو هونغ) وهي تغادر الأفعوانية، وعرفها فوراً فهي كانت موظفة في فريقه. تسمر في مكانه لهنيهة، ثم اندفع من بين الشجيرات نحوها بلهفة، وأمسك بمنكبيها يهزها بعنف متسائلاً: "هل أنتِ بخير؟!"
رغم جهله بكيفية وصول موظفته السابقة إلى الأفعوانية، إلا أن شكوكه حامت حول (غو ميان)، وظن أن (شياو هونغ) قد تعرضت لصنوف من سوء المعاملة منذ بدأت بمرافقة (غو ميان).
بيد أن (شياو هونغ) حدقت في الرجل الأخضر بذهول، ثم أطلقت تجشؤاً قوياً بنكهة "مشروب الساحر" الغازي في وجهه، وكأنها طمست من ذاكرتها معرفتها به.
سرعان ما رفعت (شياو هونغ) قضيب الأمان، وأمسكت برأس الكلب، وهرعت متجاوزةً السيد (غرين) لتقفز فوق الدوارة بجانب (غو ميان)، وبدأت تدور مع الخيول بمرح، غير عابئةٍ بظنون السيد (غرين) حول "سوء معاملتها".
أما شقيقها، الذي كان شعره مصففاً للخلف، فقد رفع حاجز الأمان هو الآخر، وسار بوقار نحو دوامة الخيل تحت نظرات السيد (غرين) الحزينة. وللحق، فقد بدت تسريحة شعره الجديدة تضفي عليه مسحة من الجمال.
وبينما كان الشقيق يمر بجانب السيد (غرين)، بدا أن المضيف العظيم قد استنار ذهنه فجأة وصاح: "مهلاً، هذا الشخص..."
لقد أدرك أخيراً أن هذا الشاب لم يكن سائحاً عشوائياً، بل هو نتاج حادثة معينة.
توقع (غو ميان) ما سيقوله السيد (غرين)، فأومأ برأسه تأكيداً: "إنه (روح القرص)، حصلتُ عليه من نسخة خاصة حيث يكون الموت فيها حقيقة لا مراء فيها".
في الأصل، كان هذا الشاب هو الأخ الأكبر لـ"الإلهة"، ولكن (غو ميان) حصل عليه "بثمن بخس"، رغم أنه لم يكن يطمح لتلك "الصفقة" قط.
أخذ السيد (غرين) يتمتم بعبارة "روح القرص"، مستغرباً هذا المصطلح.
وبينما كان (غو ميان) يسترجع حادثة الإلهة، لمعت في ذهنه فكرة، فنظر إلى السيد (غرين) الواقف قرب الأفعوانية وسأله: "هل لديك أدنى معرفة بـ 'العالم الثاني'؟"
فبعد مواجهتهما في المكتبة، نُقل (غو ميان) ورفاقه إلى عالم شقيقها. وحالياً، لا يعرف (غو ميان) من العوالم "منخفضة الأبعاد" سوى "العالم الثاني" و"العالم الغابر"، ورغم ولوجه عوالم أخرى، إلا أنه لم يستطع تذكر أسمائها.
عند ذكر "العالم الثاني"، توترت أسارير السيد (غرين) للحظة قبل أن يستعيد هدوءه. تساءل (غو ميان) إن كان ذلك التوتر متعمداً، قبل أن يجيب السيد (غرين): "بالطبع أعرفه. ولأسباب شتى، فإن النسخ المنبثقة من العالم الثاني هي الأكثر وفرة؛ مما يعني أنه إذا انهار العالم الثاني..."
سكت لبرهة ثم أضاف: "سيكون الوقع أشد هولاً مما نعيشه الآن".
فإذا كان انهيار العالم الغابر قد أوقف العمليات الكونية، فإن عواقب سقوط العالم الثاني ستفوق كل تصور.
ولسوء الحظ، فرغم مواجهة (غو ميان) لنسخ يُشتبه بانتمائها للعالم الثاني، إلا أنه لم يضع يده على "نواة العالم" بعد. فإذا كان "القانون" هو جوهر العالم الغابر، وكان جوهر العالم الثاني "كتاباً" في الأصل، فالله وحده يعلم ما استحال إليه الآن.
وبالحديث عن القفص القابع أسفل جامعة (ليان هوا)، قال (غو ميان): "يبدو أن جامعة (ليان هوا) قد انصهرت مع العالم الثاني، ونحن نعتزم استكشاف الأمر مجدداً هذه الليلة".
فقد سقط عدد غفير من اللاعبين ضحايا لمكيدة أودت بحياتهم في تلك الجامعة أثناء امتحان القبول، ولولا اندلاع اللعبة العالمية، لاستحال ذلك المكان مرتعاً للأشباح. فكر (غو ميان) في أن الأدلة قد تكمن هناك.
اندهش السيد (غرين) وتساءل: "انصهار؟" يبدو أنه لم يكن على دراية بهذا التطور.
أومأ (غو ميان) برأسه مؤكداً: "أجل، فقد ظهرت معالم فريدة تنتمي حصراً للعالم الثاني داخل الجامعة، مما يشير إلى أن ذلك العالم بدأ يقوض دعائم الواقع".
لم يتوقع السيد (غرين) هذا التسارع، وفكر ملياً ثم تلعثم قائلاً: "ولكن، لِمَ الذهاب إلى مكان موحش كهذا في جنح الليل؟"
تأمل (غو ميان) كلمة "بهذه السرعة" وهو يعود لامتطاء حصانه؛ فهل كانت العوالم منخفضة الأبعاد تخطط لهذا الاجتياح منذ البداية؟ منذ طُرد السيد (غرين) من مكانه وتحدث بائع التذاكر عن "الهبوط"، والشكوك تساور (غو ميان).
أطل (ألدني) برأسه من الجانب، متجاهلاً صدر سؤال السيد (غرين)، وقال: "الذهاب في وضح النهار ينطوي على خطورة بالغة". ثم فكر هنيهة وأردف بثقة: "نعم، النهار محفوف بالمخاطر، والليل هو الأنسب لمثل هذه المهمات".
امتعض وجه السيد (غرين) عاجزاً عن استيعاب منطق (ألدني).
رمقت (غو ميان) السيد (غرين) بنظرة فاحصة وسألت: "إذن، ما الداعي لمجيئك هذه المرة؟ لا أظن أن لقاءنا كان محض صدفة وأنك جئت للتنزه فحسب".
هنا، عدّل السيد (غرين) هندامه وتحدث بنبرة لا تخلو من الفخر: "أنا هنا بتكليف لمراقبتكم؛ فالملفات لن تُفتح قبل انقضاء خمسة عشر يوماً، ولمنعكم من اقتراف أي حماقات أو أعمال متطرفة خلال هذه الفترة، وجب عليّ البقاء لصيقاً بكم بناءً على أوامر من القيادة العليا".
ورغم أن (غو ميان) قد زج به في العالم الحقيقي، إلا أن السيد (غرين)، بصفته "شخصية غير لاعبة"، كان لا يزال قادراً على التواصل مع أقرانه من الشخصيات الأخرى، ومن الواضح أنه كُلف بمهمته هذه من قِبل رؤسائه.
تنهد السيد (غرين) تنهيدة خفيفة وأضاف: "وبعد انقضاء هذه الأيام، سأبحث عن سبيل للعودة إلى موطني".
فكر (غو ميان) ملياً ثم قال: "في نهاية المطاف، ستكتسح هذه العوالم منخفضة الأبعاد الواقعَ بأسره، لذا لا داعي للاستعجال؛ انتظر ريثما يهبط عالمك بالكامل على أرض الواقع". ولم يبدُ على (غو ميان) أي اكتراث بأن عالمه الخاص يتآكل.
لم ينفِ السيد (غرين) هذا التكهن، بل بدا مقراً به حين أجاب باقتضاب: "أنت لا تفهم الأمر".
كف (غو ميان) عن مضايقة المضيف المسكين، واستمر مهره الخشبي في الدوران حول العمود بإيقاع مرح مصحوباً بأغنية للأطفال. وفي تلك الأثناء، اعتلت (شياو هونغ) "سفينة القراصنة" بحماس بالغ؛ إذ بدا أن مثل هذه المبتكرات كانت غريبة عنها، فأخذت بلبها وجعلتها تأبى مغادرة مقعدها.
«ومع سدول ستار الليل، أضاء (ألدني) أنوار النيون في أرجاء مدينة الملاهي.»
تلألأت الأضواء المتناثرة في كل زاوية، ودارت "عجلة فيريس" المرصعة بالمصابيح الملونة ببطء في عتمة الليل كأنها ترس سماوي عملاق. وفي الأفق، انبعث من قلعة ذات طراز أوروبي وهج أبيض جليل، يحاكي قصور النبلاء في الأساطير.
ساد الهدوء المكان، ولم يكن ثمة أحد سواهُم. بدت الحديقة كأنها غلاف حلوى متقزح الألوان، يشع بألوان زاهية في سكون الليل الساحر. ولم يقطع هذا الصمت سوى صرخات (شياو هونغ) المبهجة وهي تختبر "برج السقوط الحر".
من المؤكد أن اللاعبين العاديين، في ظل هذه الظروف، لن تخطر ببالهم فكرة القيام برحلة ترفيهية لمدينة الملاهي.
«في تلك الأثناء، كانت (ليانيان) مستلقية في فراشها، تلتحف ملاءة رقيقة في غرفتها ذات الإضاءة الخافتة.»
لم تكن تملك مالاً لشراء بطاقة كهرباء، لذا كانت محرومة من أي وسيلة ترفيه فور حلول الظلام. وكشأن معظم الناس، كانت تأوي إلى فراشها مبكرة، متخذة من النوم ملاذاً من الملل والضجر. وسرعان ما غطت في نوم عميق.
ولكن، ربما بسبب تأثرها بخطة (ألدني) لزيارة مدينة الملاهي، أو لحنينها لبهجة مفقودة، راودها حلم غريب في تلك الليلة. رأت نفسها في مدينة ملاهٍ، وتقف أمام آلة لالتقاط الدمى.
بيد أن هذه الآلة كانت فريدة؛ فالدمى بداخلها كانت تجسد رفاقها: دمية لـ (ألدني) بوجه مستدير، ورجل شرير يرتدي نظارات، وامرأة حسناء مشهورة، وصاحبة منزل فاتنة، وأخرى أجنبية بشعر رمادي، وامرأة مجهولة الملامح برداء أحمر، وطبيب بمئزر أبيض يمسك قيثارة.
كانت كل الدمى مستديرة ولطيفة للغاية، حتى دمية الطبيب بدت كسمكة ينفوخ منتفخة. وبدافع عفوي، حركت عصا التحكم نحو الطبيب البدين. كانت العملية يسيرة على نحو غير متوقع، فنجحت في اقتناصه، ولكن ما إن رفعت دمية الطبيب حتى ساورها شعور بأن ثمة أمراً مريباً في بقية الدمى، وإن لم تستطع تحديده بدقة.
حمل المخلب الميكانيكي دمية الطبيب إلى الفتحة وأسقطها، فدوى صوت ارتطام معلناً نجاحها في الصيد الأول. وبينما كانت تهم بالاستمرار، رأت دمية (ألدني) القريبة من الفتحة تبدو في غاية التوتر، ثم فجأة، دحرجت نفسها داخل الفتحة طواعية!
تلتها الدمية ذات الشعر الرمادي، التي ارتدت عن الزجاج وقفزت في الفتحة كأنها تلاحق شيئاً ما. ثم تتابعت القفزات؛ المرأة المجهولة والحسناء المشهورة، واحدة تلو الأخرى. وفي الختام، ركلت الدمية الماكرة ذات النظارات صاحبةَ المنزل المترددة نحو الفتحة قبل أن تلحق بها هي الأخرى. وهكذا، بقطعة نقدية واحدة، حازت (ليانيان) على كومة من الدمى.
استيقظت (ليانيان) في هزيع الليل والضحكات تملأ شدقيها، وبعد أن أفاقت، فركت وجهها المتشنج من كثرة الضحك وقالت بجمود: "لا بد أنني قد فقدت صوابي".
«وبينما كانت (ليانيان) تغرق في حلمها ذاك، كان (غو ميان) ورفاقه يتسللون بصمت إلى حرم جامعة (ليان هوا).»