الفصل الثامن: همسٌ في العتمة
كان القصرُ ليلاً كوحشٍ قلق ، يزفرُ مع الريح التي تتسللُ عبر الأروقة ، ويتهامسُ بأصواتِ خدمٍ لا يعرفون للنومِ سبيلاً.
تسلل "لي شين " و "وي رونغ " و "فين يو " إلى عروقِ القصرِ خفيةً دون أن تلحظهم الأعين.
---
انزلق "لي شين " إلى جناحِ الكتبة ، حيثُ انحنى الخصيان فوق المخطوطات ، وقد خفضوا أصواتهم خشيةَ أن يترددَ صداها في السكون. أصغى إليهم ، فكان طيفه يحومُ كالدخانِ فوق رؤوسهم.
"...جاء الخبرُ من وصيفةٍ في قصرِ الدوق. "
"أقسمت أنها رأت "الزوجة الملكية " تتحدثُ إلى تاجرٍ في الحديقة. "
"وما الدليل ؟ "
"منديلٌ مطرزٌ بحروفِ "الزوجة ليان " الأولى. قدمتْهُ له كعربونِ مودة. "
تمتم الخصيان بقلق ، وكانت أقلامهم تخدشُ الورقَ بعنفٍ ، وكأن الحبرَ نفسه قد يحملُ فضيحةً.
عقد "لي شين " حاجبيه ؛ منديلٌ! تافهةٌ أصبحت سلاحاً يذبح. ثم تلاشى في العدم.
---
كان "وي رونغ " يطوفُ في ثكناتِ الجنود ، حيثُ استلقى الرجال على الحُصرِ يضحكون ، وتتصادمُ كؤوسُ نبيذِ الأرز.
"هل سمعتم ؟ لقد انتهى أمرُ الزوجة ليان. "
"أعطتْ تاجراً منديلاً ، بجرأةٍ لا تُصدق! بل طرّزت عليه اسمَها! "
"ستفضحُها الطقوسُ لا محالة ، وتلك نتيجةُ من تحاولُ ادعاءَ النبل. "
جزّ "وي رونغ " على أسنانِه ، ولوح بيده فوق نردِهم ، فتناثرت القطعُ مبعثرةً ، مما أفزعَ الرجال. راحوا يشتمون ظانين أن الريحَ هي من خدعتهم ، بينما ذاب "وي رونغ " في الظلال ، والغضبُ يتأججُ في صدره كالجمر.
---
تسللت "فين يو " بين ستائرِ جناحِ الوصيفات ، حيث كانت فتاتان تتكومان معاً تتهامسانِ بعجلةٍ.
"...يقولون إن الأخت "مين " هي من رأت ذلك فهي من خدمت الزوجة ليان في بيتِ الدوق. "
"لكنها لن تكذبَ ، أليس كذلك ؟ "
"لقد أقسمتْ أنها رأت المنديلَ بحروفه وكل شيء. و هذا ما أخبرت به كبيرَ خدمِ القصر. "
"إذاً ، لا بد أن الأمرَ حقيقة. "
انقبضَ قلبُ "فين يو " وفرّت هاربةً ، وأطرافُ ثوبها تألقُ وتخبو كشعلةِ شمعةٍ في مهبِ الريح.
---
اجتمع الأشباحُ الثلاثة في ركنٍ قصيّ من ساحةِ القصر.
بصق "وي رونغ " بمرارةٍ وقال "هذا إذاً كلُّ ما في الأمر ، يريدون إعدامَها بخرقةٍ من قماش. "
ارتجفَ صوتُ "فين يو " "ولكن لِمَ ؟ لم تفعلْ شيئاً... إنها حتى لا تعلمُ ما ينسجونَه فى الجوار من أقاويل. "
كانت نظراتُ "لي شين " ثابتةً "هذا هو الجزءُ الأكثرُ قسوة ، فهم لا يحتاجون إلى إدانتها ، بل يحتاجون إلى حبكةٍ تبدو واقعية. "
ضمَّ "وي رونغ " قبضتيه وقال "يجبُ أن نخبرَها ، لتعلمَ بما يدبرون. "
لكن "لي شين " هزَّ رأسَه نافياً "لا ، ليس الآن. الخوفُ سيوهنُ عزيمتَها ، دَعوها تدخلُ الطقوسَ بكبريائِها لا بذعرها. سنراقبُ من بعيد ، فإذا أشهروا هذا "المنديل " حينها سنتدخل. "
عضت "فين يو " على شفتيها ، ممزقةً بين خوفها وإصرارِهم ، ثم أومأت برأسِها "إذاً ، سنحميها ، مهما كلفنا الأمر. "
استداروا معاً عائدين نحو "قاعة العنقاء " ووجوههم تكسوها مسحةٌ من التجهمِ والصرامة.
---
في الداخل ، جلست "أنانيا " وحيدةً ، وقد سقط تطريزُها في حِجرِها. حيث كانت الإبرةُ تلمعُ في ضوءِ المصباح لم تمسَّها يد.
همست لنفسِها "لا يخبرونني حتى بما أُتُّهم به ، فكيف لي أن أصارعَ أشباحاً لا أراها ؟ "
من عتمةِ المكان كان الحلفاءُ الثلاثة يراقبونها بقلوبٍ مثقلةٍ بالأسى ، يحملون حقيقةً أخطر من أن تُلقى أمامها في هذا الوقت.