Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

شبح في القصر 49

حريق في ساحة الحبوب +


الفصل التاسع والأربعون: حريقٌ في ساحة الغلال

حملت الرياحُ دخاناً وجلبةً قبل أن تتردد أصداءُ الأبواق بوقتٍ طويل. حيث كان المعسكرُ الشمالي الذي سادته السكينةُ آنفاً ، يغلي الآن كمرجلٍ على نارٍ حامية. ومن فوق التل المطل كان الدوق "ليان " يرقبُ مشاعلَ تتحركُ في الأفق — مئاتٌ منها — تتراقصُ في عتمةِ الليلِ كاليراعاتِ الغاضبة.

"يا صاحب السمو! " ترنح جنديٌ صاعداً التلةَ وهو يلهث "القرويون... لقد حشدوا أنفسهم في ساحة الإمدادات! يزعمون أن الدوق يخفي عنهم طعاماً قد خُصص لهم! "

ضاقت عينا الدوق قائلاً "هذا هراءٌ ؛ لقد وزعنا الغلالَ هذا الصباح ".

تقدم الجنرال "رونغ " بخطواتٍ وئيدة ، وعلى وجهه مسحةٌ من قسوة "يا مولاي ، الشائعاتُ تنتشرُ أسرع من النار في الهشيم ، وأحدهم يغذي عقولهم بالأكاذيب ".

في الأسفل ، تعالت صرخاتُ القوم "خونة! لصوص! أعطونا طعامنا! "

شعر الدوق بانقباضةٍ في أحشائه ؛ فبعد كل ما قدموه ، ما زال هناك من يُحوّل جوعَ الناسِ إلى حقدٍ دفين. وبحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى الساحة كان الموقفُ قد خرج عن نطاق السيطرة بالفعل. فقد طوق عشراتُ القرويين الجياع ، رجالاً ونساءً ، العرباتِ المحملةَ بأكياس الغلال.

حاول بضعةُ جنودٍ الحفاظَ على صفوفهم ، رافعين دروعهم ، ومناشدين الناسَ التزامَ الهدوء. وفجأة ، انطلقت حجرٌ في الهواء لتستقر في وجه أحد الحراس ، تلتها أخرى أصابت أحد الخيول ، مما أدى إلى جموحه بذعر.

صاح الدوق "ليان " وهو يخطو للأمام "توقفوا عن هذا الجنون! " وظهر صوته العميقُ مسموعاً عبر الساحة ، لكن ضجيجَ اليأسِ غطى عليه.

صرخ رجلٌ من بين الحشود "إنهم يسرقون طعامنا! إنه يطعم النبلاء بينما أطفالنا يتضورون جوعاً! "

زمجر "رونغ " وهو يتحرك ليقف بجانب الدوق "هذا كذب! كل عائلة استلمت حصتها— " لكن كلماته اختنقت وهو يتأوه إثر حجرةٍ أصابت كتفه بقوة. تعثر للخلف ، وعيناه تقدحان شرراً ، والدماءُ تلطخ درعه.

أمسك الدوق بذراع الجنرال "جنرال رونغ! تراجع ، سأتولى أنا الأمر! "

هز "رونغ " رأسه معترضاً "لا يا مولاي ، إذا دخلتَ بين هؤلاء ، فسوف يطأونك بأقدامهم ".

تراصَّ الجنودُ في تشكيلهم ، لكن الحشودَ استمرت في الاندفاع. وهتف أحدهم من الخلف "أحرقوا العربات! إذا لم نأكل ، فلن يأكل أحد! "

ارتفعت المشاعلُ ، ولامست ألسنةُ اللهبِ الهواءَ الجاف ، وصار لِزُكامِ الدخانِ أثرٌ حادٌ ومرعب. استل الدوقُ سيفه — لا ليضرب ، بل ليجبرهم على الإنصات.

زأر بصوتٍ شقَّ عنانَ الفوضى كالرعد "كفى! كل حبة غلال هنا اشتريتها بذهبي! أنتم تأكلون لأنني دفعتُ ثمنها ، وإذا أحرقفتموها ، فأنتم تحرقون حياتكم بأيديكم! "

وقعت الكلماتُ على البعضِ كوقعِ الماءِ البارد ، لكنَّ النيرانَ كانت قد استعرت بالفعل. و انطلقت مشعلٌ لتصيب إحدى عربات الغلال ، فاندلعت ألسنةُ اللهب. اندفع الدوقُ للأمام ، منادياً بطلب الماء وإعادة النظام ، حينها اخترق أزيزُ سهمٍ أذنَه ، ليستقر في عمودٍ خشبي خلفه.

اجتذبه "رونغ " جانباً ، متأوهاً من سهمٍ آخر استقر في ساقه "قناص... فوق التل! "

خفق قلبُ الدوق "أيها الرماة! ابحثوا عنهم! "

لكن قبل أن يتمكن رجاله من الرد ، دوّى بوقٌ آخر في الأفق — أعمقَ وأقوى. ومن العتمةِ البعيدة ، ظهرت مشاعلُ تتحركُ بسرعةٍ وانضباط. حيث تمايلت رايةُ "العنقاء الإمبراطورية " في ضوء العربات المحترقة. حيث كان الجنرال "هان يي " يمتطي جواده في المقدمة ، درعُه مغطى برمادِ الحريق ، وعيناه تقدحان حدةً وغضباً.

صاح "هان يي " بصوتٍ تردد صداه في أرجاء المكان "ألقوا أسلحتكم! بأمرٍ من جلالة الإمبراطور! "

اندفع الفرسانُ الإمبراطوريون للأمام ، مشكلين جداراً عازلاً بين رجال الدوق والقرويين. ترجل "هان يي " دون تردد ، واتجه نحو الدوق "ليان " "أنت تنزف يا مولاي! "

أجابه الدوق مسرعاً "إنه رونغ ، أصيب بسهم. احضروا له طبيباً ".

التفت "هان يي " ملوحاً بحدة "سمعتموه! أيها الأطباء ، تعالوا حالاً! "

وبينما كان الجنودُ يسحبون براميل الماء لإطفاء النيران ، مسح "هان يي " الساحةَ بنظراته "من الذي بدأ هذا ؟ "

أشار الدوق إلى القرويين الذين جثا بعضهم على ركبهم خوفاً بعد وصول القوات الإمبراطورية "لقد حرضهم أحدهم ، يظنون أننا نكتنز الطعام ".

اشتدت ملامحُ "هان يي " "إذن ، سنجد مَن حرّك ألسنتهم ".

بعد لحظات ، جرَّ أحد رجال "هان يي " شاباً يرتدي ملابس رثة كان يقاوم بعنف وهو يصرخ "لم أقصد ذلك! هم من أمروني بالقول! "

ضيق "هان يي " عينيه "أمرك ؟ مَن ؟ "

سقط الرجلُ على ركبتيه مرتجفاً "أنا... أنا أعمل في مخزن الغلال في البلدة المجاورة. جاء تاجرٌ يرتدي ملابسَ فاخرة ، وادعى أنه من وادى "تشين ". أعطانا عملاتٍ نقدية ، وأمرنا أن نشيع أن الدوق يخفي الغلال عن الجيش... وأن نحرض الناس على التمرد. و قال... قال إن موتَ الدوق سيجعل الإمبراطور يرى الحقيقة! "

ساد صمتٌ كوقعِ السيفِ البتار. تحول وجهُ الدوق "ليان " إلى حجر "وهل صدقته ؟ "

انهمرت الدموعُ على وجهِ الرجلِ المغطى بالغبار "أطفالي كانوا يتضورون جوعاً ، وظننتُ أنني إن صرختُ مرة ، فسيجدون ما يأكلونه ".

أظلمت ملامحُ "هان يي " "وبسبب هذا ، نزفت دماءُ الرجال الليلة ".

رفع الدوقُ يده "إنه مجردُ بيدق ، أما الخونةُ الحقيقيون فيجلسون خلف جدرانٍ من حرير ". ثم التفت إلى "هان يي " بصوتٍ خافتٍ لكنه ثابت "لقد جئتَ في الوقت المناسب ، فلولاك لكنّا رماداً بحلول الصباح ".

انحنى "هان يي " قليلاً "لقد أرسلني جلالة الإمبراطور مع المؤن ؛ طعامٌ وأطباءُ وجنود. حيث كان يتوقعُ حدوثَ هذا ".

أومأ الدوق برأسه ، وعيناه تزدادان صلابةً "إذن ، سنطارد اليدَ التي حركت الخيوط. و إذا كان وادى "تشين " هو من أشعل هذه الفوضى... فسأضعُ حداً لها ".

ومع بزغ الفجر فوق السهول المحترقة ، بدأ الجنودُ في نقل الطعام للقرويين الباكين. حيث كان الهواءُ ما زال مثقلاً برائحةِ الدخانِ والندم. جلس الجنرال "رونغ " شاحباً لكنه حيّ ، بجوار النار ، وساقه مضمدةٌ بإحكام ، بينما وقف الدوق "ليان " بجانب "هان يي " يرقبان شروق الشمس.

همس الدوق "إنه يعلمُ دائماً حتى دون أن يُخبره أحد ".

ابتسم "هان يي " ابتسامةً خفيفة "لهذا السبب هو الإمبراطور ".

تصلبت نظرةُ الدوق نحو الأفق "إذن أخبره بهذا: سأجدُ من حوّل الجوعَ إلى تمرد. وحين أجده... سيكون رأسُه قرباني للعرش ".



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط