Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

اكتساب القوة من خلال القتال 479

اليفي_1


الفصل 479: على قيد الحياة_1

كان الأمر جلياً من النظرة الأولى: إنه مخلوق هائل، بوسعه أن يُفقد المرء صوابه بيسر، ويجعله يتمنى لو يرتد إليه طرفه وهو بعيد عن سطوته. لم يكن هذا الكائن سوى "الماموث"، ملك الحصار العظيم!

لذا، لم يعد بإمكان "سبعة وثلاثون" كبح جماح روعه، وشعر بالعرق البارد يتصبب منه ليبلل ثيابه في توه؛ فلا ريب أن هذا الضغط المهول كان منبعثاً من ذلك الوحش الضخم! وبمجرد أن ألقى نظرة خاطفة على أحد حوافره، استيقن "سبعة وثلاثون" تمام اليقين من مصيره لو واجهه.

فلو قُدّر لهذا الوحش أن يطأ السيارة الصغيرة التي استقلها إلى هنا، لاستحالت تلك السيارة المتينة في لمحة بصر حطاماً مسحوقاً، وكأنها لم تكن!

وهكذا، تأكد "سبعة وثلاثون" أخيراً من حقيقة واحدة: الشخص الذي أرسل إليه التحذير سابقاً لم يكن يمزح أو يخدعه.

هذا الوحش الرابض أمامي ليس بالخصم الذي أستطيع استفزازه، فحتى مجرد احتكاك عابر به قد يوردني موارد الهلاك.

لذا، وما إن وقع بصره على ذلك العملاق، حتى ألقى بنفسه في الجدول القريب كحجر ساقط، دون أدنى تردد. وفجأة، دوى خرير الماء المتدفق في أذنيه، وشعر وكأن جيوشاً من الحشرات الصغيرة تحاول غزو عقله. ولحسن الحظ، فإن "سبعة وثلاثون" الذي دأب على اقتفاء أثر أخيه الأكبر منذ نعومة أظفاره، كان قد أتقن السباحة؛ لذا استعاد رباطة جأشه بعد لحظات وهدّأ من روعه. حبس أنفاسه وقبع ساكناً في مكانه، يرقب عبر صفحة الماء الرقراقة ما يجري في "مرآة السماء"!

لكن المعضلة كانت تكمن في أن قرار الغوص ربما لم يكن الصواب بعينه؛ ففي اللحظة التي قفز فيها، خيّم صمت مطبق على تلك القفار، صمت لم يدم أكثر من نَفَسَين أو ثلاثة. فبمجرد ارتطام "سبعة وثلاثون" بالماء، انبعثت سلسلة من الطرطشات المدوية، وارتفع صوت ارتطام هائل لفت أنظار جميع قطعان الحيوانات، صغيرها وكبيرها، التي كانت تجوب المنطقة بحثاً عن كفافها. وللحظة، تصوبت نظرات حادة -من مئات، بل آلاف العيون- نحو الماء المتطاير، وكأنها عثرت بغتة على وليمة لا تُفوت!

انقضى نَفَسٌ آخر، ثم انفجر الموقف:

"بوم..."

زئير...

زئير... زئير... زئير...

صرير صرير صرير صرير...

وفي طرفة عين، انطلقت سيمفونية صاخبة من آلاف الأصوات، واضحة ومدوية، تردد صداها عبر أرجاء لا يعلم مداها إلا الله.

ورغم أن "سبعة وثلاثون" كان تحت الماء غافلاً عن حقيقة كونه بات مكشوفاً، إلا أن تلك الجلبة المتواصلة والزئير الذي يزلزل الأركان أيقظ "السيد تشاو" العجوز على الفور. حدق العجوز في المشهد بذهول، وتبدلت سحنة وجهه بشكل غير متوقع.

"أنا... هل يبيت هذا الصبي المزعج النية لهدم أوكار الوحوش عن بكرة أبيها؟ وهل عقد العزم على ألا يهدأ له بال حتى يصارع هذه الوحوش حتى الموت؟"

وإلا، فهو مجرد إنسان عادي! كان الأجدر به، في أحسن الأحوال، أن يتوارى عن أنظار هذه الوحوش برهة، وبعدها بمجرد أن يزكيه "وانغ تشان"، سيكون مستقبله في حرز حريز! أليس لديه ما يشغله سوى إثارة القلاقل وإحداث كل هذه الجلبة؟

ثم استطرد السيد تشاو العجوز في تفكيره:

"من يمن الطالع أن 'وانغ تشان' ليس هنا الآن؛ فمن يدري في أي وادٍ يهيم، أو مع أي الفتيات يلهو. وإلا، وبالنظر إلى أداء هذا الفتى -الذي تبدو كل حركة من حركاته وكأنها مغناطيس يجذب انتباه الوحوش، وكأنه منارة تسوقهم إليه سوقاً- لكان 'وانغ تشان' قد أجهز عليه في الحال. ففي نهاية المطاف، شخصية كهذه تجذب الوحوش بجنون، ألن يكون من قبيل إهدار الموهبة وسوء التدبير أن أبقيه ليرثني، بدلاً من استخدامه كطُعمٍ لفرقة انتحارية؟"

لكن بدا جلياً أن الرجل العجوز قد ذهل عن أمر بالغ الأهمية، ولم يتذكره إلا عندما زلزلت تلك الوحوش الأرض تحت أقدامها -كقطعان من الجاموس البري تثير نقعاً كثيفاً وهي تهرع في إثر بعضها- حتى ارتجفت الأرض قاطبة، وكادت تندفع نحو النهر لتطمه. حينها تذكر تعليمات "وانغ تشان" السابقة حين قال له: "...بما أنك تراقبه، فعليك أن تكلأه بعنايتك..."

كان المقصد جلياً كالشمس: لقد استودع "وانغ تشان" حياة هذا الصبي وموته أمانة في عنق الرجل العجوز. لقد غدا الآن وصيه الأول، ورغم ما يحمله هذا الدور من تشريف، إلا أنه في حال وقوع المحذور، سيكون هو أول من يصب "وانغ تشان" جام غضبه عليه بلا مواربة!

لذا، لم يعد بإمكان الرجل العجوز البقاء متفرجاً، وكادت عيناه تخرج من محجريهما من فرط الانفعال.

"تباً لكم أيها الوحوش! أتجرؤون على تحميل رجل طاعن في السن مثلي هذه المسؤولية؟ ألا وازع لكم ولا ضمير؟"

أما لماذا وُصفت عشيرة الوحوش بأنها عديمة الضمير، فالأسباب في ذلك يضيق بها الحصر. وباختصار، ما إن أدرك الرجل العجوز مآل الأمور، حتى استشاط غضباً كمرجل يغلي، وصاح في الفضاء: "انطلقوا!"

وفجأة، ومع صوت طنين خافت، تلاشت المرآة من مكانها، ولم يتبقَ سوى امتداد عادي من الزمكان والسيارة الصغيرة القابعة هناك، كشاهد صامت على المشهد المعجز الذي انبلج أمام عيونهم.

أما الرجل العجوز، فيُقال إنه ما إن تلوح له فكرة حتى تتبعها مئة فكرة أخرى. وفي تلك اللحظة، انبثقت مرآة زرقاء سماوية من العدم، على بُعد مئة متر على الأكثر من الفتى "سبعة وثلاثون". ثم انطلق من جانب المرآة زئير محتدم، كصوت اصطدام المعادن، يبعث القشعريرة في الأبدان. لو كان ثمة خبير في فنون القتال ليشهد هذا، لأدرك للتو أن هذا الكائن هائل بدوره -وحش من رتبة "جندي نُخبة" على أقل تقدير. وعلاوة على ذلك، وبفضل خِصاله الفطرية، كان ذلك "الدب البني العملاق" الذي اعتاد منذ أمد بعيد العبث والفساد دون رادع! فمنذ ولادته، امتلك قوة تضاهي قوة "سيد الفنون القتالية" من المستوى الأول بين البشر، وكان في أوج قوته قادراً على بلوغ مرتبة "الوحش القائد"! وعندما كان يتحرك، لم يكن مهيباً كالجبل الشامخ فحسب، بل كان أيضاً رشيقاً كالسعدان، فكان بحق العدو اللدود للمقاتلين ذوي الرتب الدنيا!

والآن، لا جرم أن هذا الدب البني العملاق، الذي كان موقعه الأصلي مجهولاً، قد سيق إلى هنا بفعل الضجة التي أحدثها "سبعة وثلاثون". ثم استبد به الغضب من تلك المرآة الزرقاء التي ظهرت فجأة لتقطع عليه طريقه. استعد لرفع مخلبه الضخم، الذي يضاهي في حجمه حوضاً نحاسياً كبيراً، ليهشم به جمجمة الرجل العجوز! لكن إدراكه لم يكن قد نضج بعد، ولم يبلغ حتى رُشد طفل بشري غرير؛ فكيف له أن يعلم أي نوع من الضواري قد استثار؟ في الواقع، وبالمقارنة مع هذا الدب، ربما كان هذا الرجل العجوز، الذي يبدو وديعاً عادياً، هو الأبعد شبهاً بالبشر في قوته!

وهكذا، وبينما كان مخلبه الضخم ينقض كظلة هائلة تحجب ضياء السماء، برزت الشخصية من داخل المرآة وكأنها جسد حي. وبينما كان يرمق الوحش الكاسر أمامه، ارتسمت على ثغره ابتسامة ساخرة باردة -ابتسامة تنضح بالقسوة وعدم الاكتراث.

"أنت تسعى إلى حتفك!"

في تلك اللحظة، اتقدت عينا الرجل العجوز ببريق من الوحشية والتعطش للدماء، وكأنه قد تحول من رجل هرم عادي إلى ملك شياطين صنديد لا يُشق له غبار!

في بادئ الأمر، كان الرجل العجوز متردداً بعض الشيء، فقد أدرك لتوه أنه بعد رحيل "وانغ تشان"، غدا قسراً جليساً لهذا الصبي "سبعة وثلاثون".

أمر كهذا، أيّ مقاتل حر سيقبل به طواعية؟ بل وتجرؤ "حشرة" صغيرة الآن على إثارة هذه الجلبة أمامي؟ فأين كرامتي وهيبتي من كل هذا؟

لذا، انفجر هذا الرجل العجوز، الذي كتم قدراته القتالية الحقيقية طويلاً وهو بجوار "وانغ تشان"، معلناً عن سطوته في نهاية المطاف.

ثم دوى "طنين".

كان الصوت رخِيّاً وعذباً، لكنه تردد في أرجاء المكان كقصف الرعد. ثم انبثق من قلب المرآة شخص متألق بلون أزرق، يتأرجح كيانه بين الحقيقة والخيال، وكأنه يعبر بوابة كونية عظمى، ليقف شامخاً تحت أديم السماء. حينها فقط، تجلى للناظرين أنه برغم ملامح الهرم التي كست وجهه، إلا أن جسده، باستثناء شعره وحاجبيه الأبيضين، كان لا يزال منتصباً كالسيف، مهيباً إلى أبعد الحدود. كان كحسام صقيل مغروس بقوة في التربة، يتأهب لشق عنان السماء في أي لحظة، يفيض كيانه كله بهالة لا تحدها حدود، هالة من الجلال والسيطرة.

ثم تعالت ضحكة جامحة لا تُكبح، شريرة تملأ القلوب رعباً. وارتفعت فجأة كف عملاقة، بلغت من الضخامة ما يكفي لحجب قرص الشمس. وقبل أن تفيق أي من الوحوش من صدمتها، وصوب زئير غاضب هز أركان السماء، هوت تلك اليد بعنف، وسقط ظل أسود كثيف يغشى المكان.

"موتوا!"

مُت!

مُت!

مُت...

وفي اللحظة التالية، تعاظمت الكف فجأة حتى خُيل للرائي أنها توشك أن تطبق على نصف السماء، فصبغت المنطقة برمتها بصمت مهيب وباللون الأزرق السماوي. لدرجة أن "سبعة وثلاثون" القابع في الأسفل -والذي دأب على التخفي معتقداً أنه أحسن صنعاً، رغم اضطراب حركاته في الماء- أبصرها أخيراً.

كان لوناً رقيقاً، ستارة من الضياء غمرت قلبه بسكينة مفاجئة!

وهكذا، ورغم خفقان فؤاده وجلاً، تملكه فضول عارم؛ فلم يستطع مقاومة إغراء رفع وجهه نحو سطح الماء. ومن خلال انعكاس الضوء على الماء، شاهد ذلك المنظر المذهل الذي يحبس الأنفاس!

"غليوغ..." (صوت ابتلاع ماء)

"همم..."

بعد أن كاد يغص بجرعة من ماء النهر، استعاد وعيه في تلك اللحظة الفارقة.

إنه عملاق أزرق سماوي!

كان ظهره لي، فلم أتبين ملامح وجهه، لكن هيأته كانت رائعة ومهيبة بحق! إنه مشهد يبعث في النفس الرهبة والإجلال!



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط